التقارير

مطالب باستعادة دور نظام الأوقاف في تونس

لا يزال التونسيون يذكرون بخير عزيزة عثمانة، وهي أميرة من أصول تركية عاشت في تونس في القرن السابع عشر, واشتهرت بأعمالها الخيرية لصالح الفقراء وبأوقافها الكثيرة التي ما زال ريعها حتى اليوم. ويتردد اسم عزيزة عثمانة اليوم مع اقترانه بأقدم مستشفى في البلاد, والذي يحمل اسمها, ويقع بقلب المدينة العتيقة بتونس العاصمة، وقد وقفت عليه الأميرة جزءا من أملاكها لتأمين مستلزماته ونفقاته منذ عام 1662. وتشمل أوقاف عثمانة أيضا أراضي شاسعة بمحافظتي صفاقس والمهدية, كانت أوصت بتخصيص جزء منها للمشاريع الخيرية الاجتماعية والدينية مثل إعالة العجزة, وختن أبناء الفقراء, وتجهيز الفتيات الفقيرات للزواج, وتعليم قراءة القرآن. وتعد عزيزة عثمانة إحدى القصص الناجحة والملهمة لمؤيدي نظام الأوقاف اليوم, في مسعاهم لإعادة تركيزه بعد أكثر من نصف قرن من تخلي الدولة عنه.

الباحثة الاجتماعية فتحية السعيدي تقول لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) «هناك حالة استقطاب بين الحداثيين والإسلاميين, تحمل في طياتها مشروعين اجتماعيين مختلفين».
وتضيف السعيدي: «منذ بناء دولة الاستقلال كانت هناك مساع لتحديث المجتمع مثل إصدار مجلة الأحوال الشخصية وتعميم التعليم والنظام الصحي, وأيضا إلغاء قانون الأوقاف واستبداله بنظام ملكية واحد تؤطره المحكمة العقارية».
والتعريف الشائع للوقف في الأدبيات الإسلامية «أنه حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد والتصدق بالمنفعة على مصرف مباح. والعين إما أن تكون داراً أو بستاناً أو نقدا».
ويختلف الوقف عن التبرع أنه تبرع دائم لأن المال الموقوف ثابت لا يجوز بيعه ولا التصدق به ولا هبته، وإنما يتم التبرع فقط بغلته وريعه وتصرف في الجهات التي حددها الواقف.
وتتنوع الأوقاف بين المنقولة وغير المنقولة وهي العقارات والرياع، وهي تشمل أغلب الأحباس في تونس, وتضم حتى بعض الشواطئ البحرية والثروة السمكية.
وهناك الوقف العام, وهو العائد على مشاريع دينية واجتماعية وخيرية.
ويذكر الباحث الشيباني بلغيث في كتابه «فصول من تاريخ الأوقاف في تونس من منتصف القرن التاسع عشر إلى 1914» أن الوقف العام قام بدوره في حماية الشعائر الدينية والعلمية ووسائل الإسعاف ولوازم الري وحتى الدفاع، حينما كانت الدولة غير مستقرة أو غير مهتمة بالمشاريع العامة.
ويضيف أن صلاحيات الوقف المشترك المتمثلة في الزوايا كانت بمثابة محطات لربط الصلة بين المدن والقرى، وحماية السابلة وإيواء المسافرين، فضلا عن التعليم وإطعام ذوي الحاجة.
ويقول الشيباني: «يثبت السجل التاريخي لنظام الوقف في المجتمع التونسي أنه كان دعامة صلبة في بناء المؤسسات الاجتماعية ودعم مرافق الخدمات العامة. ومن ثم ارتبط هذا النظام عبر الممارسة على طول تاريخه بمجموعة كبيرة من الأنشطة والمؤسسات والمشروعات التي عملت في صميم البناء الاجتماعي الحضاري, وغذت نسيج العلاقات الإنسانية بين الأفراد في جهات مختلفة».
وعموما يهدف نظام الأوقاف بحسب مؤديه إلى تحقيق مبدأ التكافل بين أفراد الأمة الإسلامية، والتوازن الاجتماعي، والتنمية, وإلى ضمان صيانة وديمومة المساجد والزوايا والمعاهد والمدارس والمشافي ودور المسنين وملاجئ الأيتام، إذا ما كانت من الأوقاف وتحولت إلى مرفق عام. لكن مع كل تلك المزايا فإن تونس ودعت هذا النظام منذ الانطلاق في بداية تأسيس دولة الاستقلال عام 1956 مع الرئيس العلماني الراحل الحبيب بورقيبة، الذي كرس اعتماد نظام ملكية واحد متعارف عليه عالميا.
وتقدم 42 نائبا من المجلس الوطني التأسيسي، بمشروع قانون لإعادة العمل بنظام الأوقاف.
ولا يزال المشروع محل نقاش صلب لجنة التشريع العام داخل التأسيسي، والتي قرر أعضاؤها الاستماع إلى مزيد من الخبراء بمن فيهم المعارضون لنظام الأوقاف.
وقال وزير الشؤون الدينية نورالدين الخادمي، في الحكومة المؤقتة «مشروع قانون الأوقاف من استحقاقات الثورة ومشروع حضاري تنموي واقتصادي وتربوي واجتماعي».
وأضاف الخادمي بأن «الوقف سيساهم في معالجة آفات الفقر والبطالة, وهو معمول به في أميركا وبريطانيا وغيرها من الدول المتقدمة, ولم يشكل تهديدا للطابع المدني للدولة».
ومع أن القانون لا يزال محل نقاش فإن المشاكل المرافقة لاستعادة نظام الأوقاف لم تتأخر في الظهور.
وفي نوفمبر الماضي طالب الشيخ حسين العبيدي, إمام جامع الزيتونة الشهير، الحكومة التونسية بإرجاع ممتلكات للجامع قال إن الدولة صادرتها في عهد بورقيبة.
وقال العبيدي: «لدينا جرد رسمي بكافة أوقاف جامع الزيتونة وهي تتوزع بين أراض فلاحية (زراعية)، وعقارات، ومنقولات أثرية، ونحن نطالب بإرجاعها إلى الجامع حتى يستعيد إشعاعه الديني والعلمي في تونس والعالم الإسلامي, مثلما كان في القرون الماضية».
وأضاف: «نصف الأراضي الزراعية الخصبة في تونس هي أوقاف لجامع الزيتونة» وأن «من بين المنقولات الأثرية للجامع 35 مفتاحا و28 قنديلا وأربعة سيوف كلها من الذهب الخالص، إضافة إلى سبعة آلاف مجلد ومخطوط».
ولوح الشيخ بلجوء جامع الزيتونية إلى القضاء الدولي في حال رفضت الحكومة إرجاع الممتلكات المصادرة.
وقد بدأ النزاع بالفعل لدى القضاء بين الدولة وجامع الزيتونة حول ملكية «مكتبة العطارين» التاريخية داخل مدينة تونس العتيقة, بعد أن عمدت مشيخة الزيتونة بتغيير أقفال المكتبة قائلة أنها من أوقافها.
المصدر: صحيفة العرب القطرية – 18/ 3/ 1435 = 19 / 1/ 2014

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى