هل أصبح الوقف الخيري بديلاً لما تمت السيطرة عليه من أنشطة الجمعيات الخيرية؟

كانت الجمعيات الخيرية ضحية من ضحايا ما يسمى الحرب على الإرهاب. ورب قائل إن ما فعل الأعداء بهذه الجمعيات كان رد فعل لنجاحها الباهر، ولحسدهم لنا، ولأنهم لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم وكل ذلك صحيح، لكن الحقيقة التي لا مراء فيها أننا أعطيناهم الوقود الذي برروا به ما فعلوا بهذه الجمعيات. ذلك هو “التسيب” المالي والإداري الذي كانت تعاني منه النشاطات الخيرية وبخاصة تلك الجمعيات، حتى سهل اتهامها بأي شيء ثم لا تجد السلاح للدفاع عن نفسها في ظل عدم توافر سجلات مدققة حيث لم يصدر عن واحدة من تلك الجمعيات ميزانية ختامية تنشر في الصحف تبين للناس من أين جاءت الأموال وإلى أين ذهبت وهو من المسلمات لكل مؤسسة تأخذ الأموال من الجمهور، لم يكن لأي من تلك الجمعيات مرجع حسابات خارجي يشهد بأن الحسابات فيها مضبوطة… وما خفي كان أعظم. تلك سقطات وقعت وليس من المفيد البكاء على الأطلال أو الندم على ما فات، لكن النافع لنا أفراداً ومجتمعا هو أخذ العبر وعدم تكرار الأخطاء. واليوم وقد تقلص عمل الجمعيات الخيرية ظهر شيء آخر أخذ ينمو ويترعرع ويوشك أن يحل في مكان تلك الجمعيات إنه صيغة مستحدثة من الوقف. في شوارع المدن الكبرى في المملكة نلاحظ لوحات ضخمة كتب عليها وقف كذا وكذا ثم تحت تلك اللوحة أرقام للهاتف وحسابات بنكية لجمع الأموال من الناس لتمويل وقف يعطى اسماً تسويقياً جذاباً، واتسع الأمر فصارت الإعلانات تملأ الصحف والمطويات في كل مكان وعلى ظهر فواتير الهاتف والكهرباء دعوة للتبرع. قياساً على ما نعهد من تأثير الإعلانات فنحن نتحدث هنا عن بلايين الريالات. ولكن من يضبط الجمع والإنفاق وكيف نعرف أين تذهب النقود وهل صحيح أن 25% هي لمن نصب نفسه ناظراً للوقف؟ إذا لم نستفد من جميع الدروس التي تعلمناها في الجمعيات الخيرية فإن هذه الأوقاف الخيرية هي “مشروع مشكلة” تؤذن بأن تقدم إلى الأعداء هدية قيمة ليستخدموها ضدنا في الوقت الذي يرونه مناسباً لهم ولكن هذه المرة ستكون ضد ركن من أركان الاقتصاد الإسلامي ألا وهو الوقف.
لقد سمعت عن وقف لإقامة مسجد في مدينة الرياض جمع له أكثر من أربعين مليوناً من الريالات ولا يزال الباب مفتوحاً للتبرع مع أن مشروع المسجد لا تزيد تكلفته عن مليوني ريال ولا يزال في طور الإنشاء (لأنه إذا انتهى لم يعد لجمع الأموال مبرر) والسؤال هو أين تذهب هذه الأموال؟ ومن يستثمرها ولمن تدفع أرباحها في وقت بقائها في البنوك وإلى أين ستنتهي الفوائض بعد إتمام المشروع؟ إنا ألغام نزرعها بأيدينا اليوم ليفجرها فينا أولئك الذين لا يرضون منها إلا أن نتبع ملتهم. ولكن الأولى أن نلوم أنفسنا قبل أن نلومهم.
كل مشروع يتضمن جمع الأموال من الجمهور يجب أن تطبق عليه ذات الضوابط المطبقة على البنوك. تقارير أسبوعية وشهرية ومراجعي حسابات مستقلين وميزانيات ربع ونصف وسنوية تنشر في جميع الصحف وحملات التفتيش من قبل متخصصين في المراجعة والمحاسبة لا بد أن تتبنى نفس إجراءات الرقابة المصرفية وقد قيل قديماً: الوقاية خير من العلاج. ما أحوجنا إلى قانون صارم للوقف يضبط الأمور ويحفظ الأموال ويقي المجتمع من أخطار الاجتهادات الخاطئة.
زياد علي هندرو

 

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!