بقلم الدكتور. صالح النهام
الوقف تشريع عظيم امتاز به ديننا الحنيف، … وتفرد بتوسيعه وتفصيله فقهنا الوافي، فتح الإسلام بالوقف بابًا عريضًا من أبواب الخير، بل ربما كان هذا الباب الأوسع بين أبواب خدمة المجتمع، لأنه جعل من المساهمات الخيرة مؤسسات، ومن العطاءات إدارات، وهذا لاشك سبق في مجال بناء المجتمعات وتطويرها. ولا ريب أن الوقف من أفضل الصدقات، فلا يباع ولا يشترى، ولا يوهب ولا يورث، وهو يشكل في الفقه الإسلامي جانبًا من الأحكام الفقهية، التي تشتمل على قواعد وأحكام خاصة متشعبة النواحي. ولكي يُعطى الموضوع شيئًا من البيان والتوضيح، جعلته في عدة مسائل، بيانها على النحو التالي:
المسألة الأولى: ما المقصود بالوقف؟
يقصد بالوقف لغةً(1): الحبس والمنع، وهو مصدر لقولك: وقَفْتُ الدابة وقفًا، إذا حبستها في سبيل الله، والرجل واقف: إذا منع نفسه من السير، قال سبحانه: {وقفوهم إنهم مسؤولون} (الصافات: 24)، أي: احبسوهم عن السير.
وأما الوقف اصطلاحًا: فقد اختلف الفقهاء في تعريفه على أقوال إليك بيانها:
فعرفه الإمام أبو حنيفة بأنه: «حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة كالعارية» (2).
وعرفه الصاحبان أبو يوسف ومحمد بأنه: «حبس العين على حكم ملك الله تعالى على وجه يعود نفعه إلى العباد» (3).
وعرفه المالكية بأنه: «إعطاء منفعة شيء مدة وجوده، لازمًا بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرًا» (4).
وعرفه الشافعية بأنه: «حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح» (5).
وعرفه الحنابلة بأنه: «تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه، بقطع تصرفه وغيره في رقبته، يصرف ريعه إلى جهة بر تقربًا إلى الله تعالى» (6)، وقيل: «تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة أو المنفعة» (7).
فبعد عرض تعاريف الفقهاء للوقف يتبين أنها متشابهة في بعض صورها وألفاظها، لكنها تشير إلى خلاف جوهري بينهم ينتج عنه نتائج فقهية، إليك بيانها:
أولًا: لقد جاء تعريف الإمام أبـي حنيفة للوقف بأنه بمنزلة العارية، أي تنتقل منفعته إلى الموقوف عليهم ولا تخرج عن ملك الواقف، ومن ثم فالواقف له حق التصرف في الموقوف مادام حيًّا، وتنتقل إلى ورثته بعد وفاته كملكية الشيء المعار، وقولنا: هو بمنزلة العارية؛ لأن الوقف يختلف عن العارية في بعض الأحكام كاشتراط التسليم إلى شخص آخر، فيصح للواقف أن يتولى صرف منفعته إلى من يشاء.
ويرى الصاحبان أن الواقف متى ما تم الوقف تخرج العين الموقوفة عن ملكه، فليس له أن يتصرف فيها تصرف الملاك بالبيع أو الهبة أو الرهن، وبالتالي إذا توفي الواقف فلا تنتقل إلى ورثته، وتصرف منفعتها وغلتها إلى المستحقين، وقال بذلك الشافعية والحنابلة خلافًا للمالكية؛ لأن الوقف عندهم لا يخرج العين الموقوفة عن ملك الواقف، وهذا ما قال به أبو حنيفة، لكن ليس له أن يتصرف في العين الموقوفة بالتصرفات الناقلة للملكية كالبيع والهبة، وفي نفس الوقف يلزمه التصدق بمنفعتها على الموقوف عليهم كمذهب الجمهور.
ثانيًا: تبين كذلك أن الوقف عند الإمام أبـي حنيفة تبرع غير لازم، ومن ثم فللواقف حق الرجوع متى ما أراد، كما هو الحال في العارية؛ لأنه مازال هو المالك، فيمكنه التصرف كيفما شاء، أما جمهور الفقهاء بمن فيهم المالكية فعندهم أنه بمجرد الوقف يكون لازمًا، ومن ثم فلا يحق للواقف الرجوع فيه، وتصرف منفعته إلى الموقوف عليهم.
المسألة الثانية: ما الصورة الفقهية لمعنى الوقف؟
إن الأموال كافة من منقول وغير منقول إنما خلقت للانتفاع بها كما أشار إليه قوله تعالى في كتابه الكريم: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} (البقرة: 29).
والانتفاع بالمال يكون على طريقين هما: إما باستهلاك عينه، وإما باستعماله مع بقاء عينه، وقد يكون المال استهلاكيًّا كالأغذية، أو استعماليًّا كالملبس والمسكن، وما يحتاج الفرد إلى منافعه من الأموال لا يوجد عنده عادة إلا القليل منه، ولا تتم حاجته إلا بما عند غيره، لذلك كانت مبادلات الأموال بين الناس لتبادل منافعها مما تقضي به حاجات الحياة ونظامها.
فالأموال بمقتضى طبيعتها وخلقتها قابلة لورود الملكية عليها، ولتعاقب الأسباب لهذه الملكيات من حوزة إلى حوزة، فليس شيء منها في الأصل محبوسًا عن التداول (8).
فإذا بدا لأحد ألا يحبس بعض أمواله عند التداول فلا يتملكها أحد؛ بل تبقى محجورة عن ذلك أبدًا لا يمسها أي سبب من الأسباب الناقلة للملك، وإنما ينتفع بها فقط في وجوه معينة دون امتلاك، فهذه حالة استثنائية في المال سميت حبسًا أو وقفًا.
إذن الوقف بمفهومه الإجمالي يفيد معنى حبس المال عن الامتلاك والتداول في سبيل المقاصد العامة.
المسألة الثالثة: ما مشروعية الوقف؟
لاشك أن أهل العلم متفقون على أن الوقف جائز شرعًا (9)، ومشروعيته ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع، وبيان ذلك فيما يلي:
– القرآن الكريم:
قال تعالى: {لن تَنالوا البرَّ حتى تُنْفِقوا مما تُحبون} (آل عمران: 92).
ووجه الدلالة من تلك الآية: هو إفادتها عموم الإنفاق في وجوه الخير والبر، والوقف لاشك أنه أحد هذه الوجوه.
ثم إن أبا طلحة عندما سمع قوله تعالى: {لن تَنالوا البرَّ حتى تُنْفِقوا مما تُحبون} ذهب إلى رسول الله ص وقال له: «إن أحب أموالي إلي بَيْرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله…» (10).
– السنة المطهرة
لقد وردت أحاديث عامة، وأخرى خاصة تقرر مشروعية الوقف، فمن الأحاديث العامة: قول رسول الله ص: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (11).
ومن الأحاديث الخاصة: قول رسول الله ص: «من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده، فإن شعره، وروثه، وبوله، في ميزان حسناته» (12).
ووجه الدلالة: أن الصدقة الجارية المستمرة في هذين الحديثين محمولة على الوقف عند العلماء، واستمرار الثواب يجريان الصدقة التي تعتبر عملًا لا يقطعه الموت هو الوقف اللازم المؤبد، ولو جاز أن يكون غير لازم لكان صدقة مقطوعة لا جارية، والغرض أنها مستمرة كما دل عليه حديث: «…صدقة جارية».
– الإجماع:
قال جابر بن عبدالله ]: «ما أعلم أحدًا كان له مال من المهاجرين والأنصار، وإلا حبس من ماله، صدقة مؤبدة، لا تشترى أبدًا، ولا توهب، ولا تورث» (13)، وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ص وغيرهم لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك» (14).
المسألة الرابعة: ما الحكمة من مشروعية الوقف؟
الحكمة من الوقف هي إيجاد وتوفير أموال للإنفاق منها على أوجه البر والخير، مما ينفع المسلمين المنتفعين بها، وبما يُقرِّبُ الواقف إلى الله تعالى، ويزيد له في حسناته ويجزيه خير الجزاء: {يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء: 88- 89).
ولا يخفى أن الوقف يعمل على تأكيد التكافل الاجتماعي بأحسن صوره، مما يدعونا إلى المزيد من المساهمة في دعم مشروع الوقف الخيري الإسلامي لمساعدة المسلمين، ونشر دعوة الله المباركة في أصقاع المعمورة.
المسألة الخامسة: ما أول وقف في الإسلام؟
لاشك أن أول وقف عرفه العرب قبل الإسلام: الكعبة المشرفة، وهي البيت العتيق الذي بناه سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ ليكون مثابة للناس وأمنًا، فأصبح للعرب مصلى عام على اختلاف قبائلهم، يحجون إليه كل عام ويطوفون به، ويصلون عنده، ثم جعلوه مقرًّا للأصنام بعدما أدخلت على العرب عبادة الأصنام، حتى جاء الإسلام وفتحت مكة، فأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه بهدم الأصنام من الكعبة، وطهرها منها، وأخلصها لعبادة الله جل وعلا، وفي السنة الثانية من الهجرة جعلت الكعبة المشرفة قبلة المسلمين يصلون إليها، بعد أن كانت إلى بيت المقدس.
وأما أول وقف ديني في الإسلام فهو مسجد قباء، الذي أسسه رسول الله ص حين قدومه مهاجرًا إلى المدينة قبل أن يدخلها وهو في ضيافة كلثوم بن الهدم بن عمرو بن عوف، شيخ الأنصار، ثم بعد مسجد قباء المسجد النبوي في المدينة دار الهجرة، بناه رسول الله ص في السنة الأولى للهجرة عند مبرك ناقته؛ لما قدم مهاجرًا من مكة إلى المدينة.
كذلك أول وقف من المستغلات الخيرية عرف في الإسلام وقف النبي ص وهو سبعة حوائط (15) بالمدينة، كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، وكان محبًّا ودودًا لرسول الله ص، وقاتل مع المسلمين في غزوة أحد، وأوصى: إن أصبت أي: قتلت، فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله تعالى، وقد قتل يوم أحد وهو على يهوديته، فقال النبي ص: «مخيريق خير يهود»، وقبض النبي ص تلك الحوائط السبعة فتصدق بها، أي: وقفها (16).
ولقد ثبت أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: «أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى النبي ص يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إنـي أصبت مالًا بخيبر لـم أُصب قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ قال رسول الله ص: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث»، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذي القربى، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه، وفي لفظ: غير متأثل فيه» (17).
وقد تتابعت أوقاف الصحابة رضوان الله عليهم بعد وقف عمر ]، فتصدق عثمان بن عفان ] من أمواله الخاصة ببئر رومة، ولـم يكن في المدينة ماء يستعذب غير بئر رومة، وتصدق علي ] بأرضه بينبع حبسًا على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السبيل القريب والبعيد، في السلم والحرب، وبلغ جذاذها في زمن علي ] ألف وسق.
وكان الوقف أول عهده يسمى: صدقة، وحبسًا، وحبيسًا، ثم حدث اسم الوقف، ولا تزال الأوقاف إلى اليوم في بلاد المغرب تسمى أحباسًا.
وللعلم فإن معظم أوقاف الصحابة الكرام كانت بعد وفاة رسول الله ص، ما عدا وقف عمر بن الخطاب، وأبي طلحة رضي الله عنهما.
فيتضح مما سلف أن الوقف في الإسلام لـم يكن مقصورًا على أماكن العبادة فقط كما كان عليه في الأمم السابقة قبله، بل تعداه إلى مقاصد الخير العامة في المجتمع منذ عصر رسول الله ص، كالمستغلات العقارية التي تفيض بالثمرات، والأراضي الزراعية، ثم دور السكن.
المسألة السادسة: ما أقسام الوقف؟
أقسام الوقف خمسة، أسوقها على النحو التالي:
1- الوقف الخيري: وهو الوقف الذي وقف على جهات الخير من حين إنشائه، كالوقف على الجوامع ودور العلم والمستشفيات أو الفقراء أو الملاجئ ودور العجزة (18).
2- الوقف الذُّري أو الأهلي: وهو الوقف الذي يكون مشروطًا للواقف، ومن ثم إلى ذريته، وبالنهاية إلى جهة خير لا تنقطع، وقد كان في أول عهده منصرفًا إلى وجوه البر والإحسان، يشترك فيه الواقف وأهله وأقاربه، وسائر الناس، ثم بدأت الناس توقف الأموال على أولادها صيانة لأموالهم من التبديد، ولدوام انتفاع ذرية الواقف منه، وقد كان هذا التصرف من الواقفين بداية لنشأة الوقف الذُّري (19).
3-الوقف المضبوط: وهو الوقف الذي ضبطته قبلًا وأدارته وزارة الأوقاف العثمانية، وهي أوقاف وقفها السلاطين على جهة الخير، ثم عهدوا إلى نظارة الأوقاف العثمانية بإدارتها، ومنها الأوقاف التي انقرضت ذرية الواقف فيها فاستلمتها إدارة الأوقاف أيضًا، وانتقل اليوم بزوال الدولة العثمانية إلى إدارة الأوقاف الإسلامية العامة، وهذا النوع لا يحجر عليه، لأنه يدار من مؤسسة ذات نفع عام.
4- الوقف الملحق: وهو الذي يقوم بإدارته متولٍّ بإشراف دائرة الأوقاف العامة، ويقع ذلك إذا كان المتولي صغيرًا، وقد شرطت له التولية فيلحق بإدارة الأوقاف العامة إلى أن يبلغ رشده أو إذا وقع خلاف على التولية، فتستلم إدارة الأوقاف العامة الوقف مؤقتًا حتى انتهاء النزاع عليها (20).
5- الوقف الصحيح وغير الصحيح: فأما الوقف الصحيح، فيكون في كل ما يدوم الانتفاع به كالعقار، والمساجد والآبار، والدور، والبساتين، والمنقول من الحيوان والسلاح، والعتاد، والسيارات والبرادات، والأثاث، والمصاحف، والكتب.
أما الوقف غير الصحيح، فهو ما لا يدوم الانتفاع به كالطعام والشراب غير الماء، وكل ما يحرم استعماله أو تملكه، وكذا ما لا فائدة ولا طائل منه، كالكلب والمسكرات والخنزير (21).
المسألة السابعة: ما أركان الوقف؟
الوقف التزام كسائر الالتزامات العقدية التي يبرمها الإنسان، له أركان مادية، وركن شرعي.
فأما أركانه المادية فثلاثة: الشخص الواقف، المال الموقوف، الجهة المراد وقفها.
وأما الركن الشرعي: فالعقد، وهو الإيجاب فقط من الواقف بصيغته المعتبرة، فلا يحتاج إلى قبول الموقوف عليه، فقد يكون جهة بر وإحسان كالمسجد والمدرسة، وقد يكون أشخاصًا غير معينين كالفقراء وأبناء السبيل (22).
المسألة الثامنة: كيف ينعقد الوقف؟
ينعقد الوقف ويصح بأحد أمرين:
الأمر الأول: ينعقد الوقف بالقول، وله حالتان:
الحالة الأولى: القول الصريح: كأن يقول: وقفت، سبلت، حبست، أبَّدت، فهذه الألفاظ الأربعة صريحة لإدارة الوقف لعدم احتمال غيره.
الحالة الثانية: القول الدال على الوقف بالكناية: كقول قائل: تصدقت، فهذا اللفظ يحتمل الوقف وغيره؛ لأن لفظ الصدقة يطلق على صدقة الوقف، وصدقة الفرض، وصدقة التطوع.
ولا تفيد هذه الألفاظ وما شابهها الوقف إلا إذا انضم إليها واحد من أمور ثلاثة:
1- النية؛ لقوله رسول الله ص: «إنما الأعمال بالنيات…» (23).
2- الاقتران بأحد ألفاظ الوقف الأخرى، مثل تصدقت بكذا صدقة موقوفة.
3- الاقتران بحكم الوقف مثل: تصدقت بكذا صدقة لا تُباع ولا تورث.
الأمر الثاني : ينعقد الوقف بالفعل، فإذا حصل فعل مع دليل يدل عليه، كأن يبني بنيانًا على هيئة المسجد ويأذن إذنًا عامًّا بالصلاة فيه، أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن إذنًا عامًّا بالدفن فيها، أو سقاية ويشرعها لهم- أي: يعدها ويهيئها لهم- ويأذن في دخولها، لأن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف فجاز أن يثبت به كالقول وجرى مجرى من قدّم طعامًا لضيفانه، أو نثر نثارًا (24).
المسألة التاسعة: ما شروط صحة الوقف؟
شروط صحة الوقف بيانها في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: شروط الواقف: صحة عبارته- أهلية التبرع- الاختيار.
الأمر الثاني: شروط الموقوف (25): أن يكون عينًا معينة- أن يكون مملوكًا للواقف- دوام الانتفاع بالموقوف- أن تكون منفعة الموقوف مباحة لا حرمة فيها.
الأمر الثالث: شروط الموقوف عليه:
والموقوف عليه قسمان:
القسم الأول: معين واحد فأكثر، وشرط في الموقوف عليه المعين إمكان تمليكه عند الوقف عليه، وذلك بأن يكون موجودًا في واقع الحال، فلا يصح الوقف على ولد له، والواقع أنه ليس له ولد، وكذلك لو وقف على الفقراء من أولاد فلان ولا فقير فيهم عند الوقف، فإن هذا الوقف غير صحيح ولا يصح الوقف أيضًا على جنين ولا على ميت ولا على دار.
القسم الثاني: غير معين، كالوقف على الجهات، كالفقراء مثلًا، يشترط في الموقوف عليه غير المعين (كالفقراء، والمساجد، والمدارس وغيرها)، حتى يكون الوقف صحيحًا شرطًا واحدًا هو: ألا يكون الوقف على معصية من المعاصي (26).
المسألة العاشرة: ما الحالات التي ينتهي فيها الوقف الشرعي؟
1- إذا اشترط إنسان عقارًا، ووقفه، ثم ظهر شفيع للعقار وقضى له بحق الشفعة، فإن الوقف ينقضي، ولا يجب على الواقف أن يشتري بالثمن الذي يأخذه من الشفيع عقارًا آخر ليقفه بدلًا من الأول.
2- إذا وقف إنسان عقارًا على أنه ملكه، ثم ظهر له مستحق وقضى بملكيته، ينقضي الوقف، ولا يجبر الواقف على وقف مال آخر سواه.
3- إذا وقف إنسان مالًا ثم ظهر عليه دين سابق، لا وفاء له إلا ببيع الموقوف، ينقضي الوقف، ويوفى الدين.
4- إذا قضى القاضي بإبطال الوقف.
5- إذا تلف العقار الموقوف بزلزال، أو طغى عليه الماء، أو أصبح عديم النفع، أو احترق، فإن الوقف يبطل ويعود إلى ملك الواقف أو ورثته.
6- إذا استبدل الموقوف بعقار آخر، بناء على أحد المسوغات الشرعية، فإذا استبدل به عقار آخر، حل العقار الثاني محل الأول، وإذا بيع بالنقود يُشترى بالثمن عقار يحل محله في الوقفية.
7- إذا غصب غاصب عقار الوقف، وليس بيد المتولي ما يثبت أنه وقف، وتصالح المتولي مع الغاصب على ثمن فإنه يشتري بالثمن عقارًا آخر يحل محل الأول الذي لا يعتبر وقفًا(27).
وفي الختام إليك بعض المسائل المتعلقة بالوقف، أجملها على النحو التالي:
1- يجوز نقل الوقف إذا تعطلت منافعه إلى نظيره مما فيه مصلحة للوقف، وغبطة لجهته سواء كان ذلك عن طريق البيع أو غيره حسبما يقتضيه النظر الشرعي (28).
2-لا يشترط أن يكون البدل في مكان الوقف الأول، بل يجب مراعاة ما هو مصلحة أصل الوقف؛ لأن الأصل في هذا الباب مراعاة مصلحة الوقف (29).
3- يجوز استبدال الوقف الأول بوقف أنفع منه، كأن يقف بستانًا ثماره قليلة، فيبدلها بما هو أنفع للوقف (30).
4- الأولى أن تصرف نفقة من غلته؛ لأن القصد الانتفاع به مع بقاء عينه، ولا يمكن إلا بالإنفاق عليه، فكان بقاؤه يتضمن الإنفاق عليه (31).
5- يصح الوقف إذا لـم ينصب له قيِّمًا معينًا، لقول عمر ]: «لا جناح على من وليها أن يأكل منها»، فهذا عمر ] لـم يعين لوقفه قيّمًا (32).
6 -يجوز للواقف أن يشترط لنفسه، أو لورثته جزءًا من ريع الموقوف (33)، لقول رسول الله ص: «من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دوله على دلاء المسلمين»، فاشتراها عثمان ]، ولقوله ص للذي ساق البدنة «اركبها»، ولقول عمر ]: «… أن يأكل منه بالمعروف».
7- إن ثواب الوقف يصل إلى الميت، وينفعه حتى إذا أوقف عنه.
8- الأصل عدم وقف المرهون حتى يسدد ما عليه خروجًا من خلاف العلماء وعملًا بالحديث الصحيح: «المسلمون على شروطهم» (34).
9- يصح الوقف بالقول دون القبض على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لأن الوقف شبيه بالعتق، وهما مشتركان في أنهما تمليك لله تعالى، فينفذ بالقول المجرد المحض عن القبض.
10- يصح الوقف إذا لـم يُعيِّن الواقف جهة معينة؛ لأنه أراد بوقفه هذا البر والتقوى.
الهوامش
(1) انظر: مادة: (و ق ف) في كل من: لسان العرب لابن منظور، تاج العروس للزبيدي.
(2) انظر: ملتقى الأبحر لإبراهيم الحلبي: (2/399).
(3) انظر: اللباب في شرح الكتاب للغنيمي:(1/180).
(4) انظر: الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك لأحمد الدردير: (2/296-297).
(5) انظر: حاشية قليوبي على منهاج الطالبين للنووي: (3/97).
(6) انظر: منتهى الإرادات للفتوحي: (3/330).
(7) انظر: المبدع في شرح المقنع لابن مفلح: (5/313).
(8) انظر: أحكام الوقف وأثره الحضاري والإنسانـي للأستاذ محمد عاكف: (1/10).
(9) انظر: المبسوط للسرخسي:(12/29)، مواهب الجليل للحطاب:(6/18)، نهاية المحتاج للرملي:(5/358-359)، المغني لابن قدامة:(5/597-600)، المحلى لابن حزم:(9/175).
(10) أخرجه البخاري، برقم: (1461)، ومسلم، برقم: (918).
(11) أخرجه البخاري، برقم: (6514)، ومسلم، برقم: (2960).
(12)أخرجه البخاري، برقم: (2853).
(13) انظر: المغني: (6/189)، البحر الزخار: (5/148).
(14) انظر: جامع الترمذي: (3/660).
(15) ويقصد بالحائط: البستان، وقد كانت معظم حوائط المدينة من النخيل.
(16) انظر: مقدمة كتاب أحكام الأوقاف للخصاف.
(17) أخرجه البخاري، برقم:(2586).
(18) انظر: كشاف القناع للبهوتي: (4/241).
(19) انظر: أحكام الوقف وأثره الحضاري والإنسانـي: (1/35- 40).
(20) انظر: المرجع السابق.
(21) انظر: فقه السنة للسيد سابق: (2/381).
(22) انظر: أحكام الوقف: (1/51).
(23) أخرجه البخاري، برقم: (6689)، أبوداود، برقم: (2201).
(24) انظر: منار السبيل شرح الدليل لابن ضويان: (2/4).
(25)انظر: فتح القدير لابن الهمام: (5/35)، حاشية الدسوقي: (4/75)، مغني المحتاج للشربيني: (2/377)، كشاف القناع: (4/243).
(26) انظر: عجائب الصدقات: (1/383-384)، مغني المحتاج: (2/384)، حاشية الدسوقي: (4/85)، رد المحتار لابن عابدين: (3/365)، المغني: (5/632).
(27) انظر: نصوص هذه المسائل في رد المحتار، والإسعاف، والفتاوى الخيرية، والفتاوى الخانية.
(28) انظر: سبل السلام للصنعاني: (2/62-63).
(29) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: (31/265).
(30) انظر: مجموع الفتاوى: (31/253).
(31) انظر: المرجع السابق: (31/214).
(32) انظر: شرح السنة: (8/288)، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأسرار للشوكاني: (3/287).
(33) انظر:المرجع السابق.
(34) علقه البخاري: (4/527)، ووصله أحمد:(2/366).
المصدر: مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، العدد 551، يونيو 2011 ـ 5/ 1/ 1433
0 تعليق