الأثرياء السعوديون… والعمل الخيري.. والحلقة المفقودة!!

بقلم: عبد الله القفاري

عبد الله القفاري

“وقفنا ـ السّبت 12 جمادى الأولى 1427”

أعلن (بيل قيتس) مؤسس شركة مايكروسوفت وأكبر أثرياء العالم، والذي تقدر ثروته بخمسين مليار دولار، والبالغ من العمر خمسين عاماً، أنه سيترك عمله اليومي في الشركة خلال عامين، وسيركز جهوده على مؤسسة (بيل وماليندا غيتس) التي تعتبر اكبر مؤسسة خيرية في العالم والمخصصة للقضايا الصحية والتعليمية لاسيما في الدول الفقيرة. وأوضح (غيتس) ان الدافع الرئيسي لهذا القرار هو رغبته في تخصيص مزيد من الوقت لقضايا قرر مواجهتها …[خلال] مؤسسته الخيرية، التي تتزايد موجوداتها عاماً بعد آخر بعدما التزم بنقل معظم ثروته الى المؤسسة الخيرية. بعد هذا الخبر بعدة أيام أعلن الملياردير الأمريكي (وارن بافت) انه سيتبرع بنحو 37,4 مليار دولار من ثروته للأعمال الخيرية، تاركاً لنفسه نحو 6,6 مليارات دولار، وقال بافت الذي يرأس شركة (بيركشير هاثاواي) للتأمين، انه سيشرع ابتداء من يوليو في تقديم التبرعات لمؤسسة بيل قيتس الخيرية إضافة لأربع مؤسسات خيرية أخرى.

هذا الخبر، لا يستدعي فقط حلما (ببيل قيتس)، او (وارن بافت) آخر، يحمل بعض ملامحنا وله نصيب من ثقافتنا، إنه يستدعي أيضا قيمة هذا النشاط الإنساني الخيري الذي يتراكم في الغرب مؤسسات خيرية وتبرعات سخية وأعمالا تطوعية رحبة…. إنها ثقافة نكاد نبحث عنها اليوم فلا نجد لها هذا الحضور الكبير سوى هناك. عندما يسقط عليك خبر كهذا، حتماً سترى هذا البعد الإنساني الشفاف لأكبر أثرياء العالم، الذين لم تهبط عليهم الثروة من السماء، بل حققوها …[خلال] عمل محفوف بالمصاعب والتحديات والنجاح والإخفاقات.

إليكم شواهد أخرى مذهلة، في نهاية العام الماضي ونقلاً عن مجلة (البيزنس ويك) نشرت قائمة بعشرين متبرعاً هم الأكثر كرماً في العالم، فبالإضافة الى (بيل قيتس) جاء في صدر القائمة (جون أي مور) الذي تبرع بنصف أسهم شركة (انتل) أي بنصف ثروته لمؤسسة (بيتي وجوردن الخيرية في مجال البيئة والعلوم). ووصلت قيمة تلك التبرعات الى مبلغ خمسة مليارات دولار أمريكي دفعة واحدة. أما الملياردير (جون ماركس تبمليتون) والذي يحاول المصالحة بين العلم والدين فقد قفز الى قائمة أكثر المتبرعين كرماً عندما قدم تبرعاً ب 550 مليون دولار أمريكي. وجاء في المركز الخامس (إيلي رواد) مؤسسة شركة (صن أمريكا) ويأتي تركيز مؤسسته الخيرية على تبني ورعاية طلاب الماجستير ذوي سنوات الخبرة القليلة وتدريبهم لتولي مناصب إدارية عالية، وقد حقق نجاحاً بارزاً في هذا المجال. وكان للنساء نصيب من هذه القائمة، فأرملة الدكتور (روبرت اتكنز) تبرعت بما يقارب 500 مليون دولار لمحاربة مرض السمنة والسكري، ليتبقى لها من الثروة التي خلفها زوجها 50 مليون دولار. وفي آخر القائمة – لاحظ آخر القائمة – يأتي تبرع (باتريك ولور هارب) مؤسس (أي دي جي) الذي تبرع ب 386 مليون دولار فقط لدعم أبحاث التطوير الفكري.

لا يجب أن ننكر أنّ ثقافة العمل الخيري قوية في الغرب، إن هذه مجرد نماذج بلغت بها أريحيتها للعمل الخيري أن تتبرع بأجزاء كبيرة من ثرواتها لدعم برامج خيرية تتراوح بين الصحة والتعليم والتدريب والبحث العلمي. تأملوا جيداً هذه الأرقام، وأقرؤوا في سجل هذا العطاء الإنساني بلا تحيز.

تعالوا لمشهد آخر، وأقروا في سجل المنجز كما تشاؤون.

(بلغ إجمالي الثروات الشخصية للأثرياء العرب نحو 800 مليار دولار، يملكها نحو 200 ألف شخص. وتتركز معظم هذه الثروات في دول الخليج العربية بنسبة تزيد عن 90٪. وأوضحت دراسة اقتصادية أعدها اتحاد المصارف العربية بأن نصف هذه الثروات يملكها سعوديون اذا يصل حجم الثروات الشخصية في السعودية الى 241 مليار دولار يملكها نحو 78 ألف شخص).

من بين 78 ألف شخصية تملك ما يصل إلى 241 مليار دولار، لنحاول أن نتلمس مشروعات ومؤسسات خيرية ونماذج بذل.. سنجد حتماً نماذج مشرفة وأيادي بيضاء كريمة ونفوساً معطاءة تملك المال ولا يملكها.. لكن أين هي من بين 78 ألف شخصية تملك ثروات تقدر ب 241 مليار ريال.

هناك حقائق مذهلة على الأرض، هناك فقر وهناك بطالة وهناك أمراض وهناك حاجات ملحة لفئات من المواطنين تبحث عن يد ممدودة بالخير، وهناك ثروات وأموال طائلة، لكن هناك حلقة مفقودة بين نشاط العمل الخيري وبين تلك الثروات المحجمة.. لا أتصور حتماً أن من بين أكثر من 70 ألف شخص يملك مثل هذه الثروات لا يوجد ألف شخص قادر على صنع معجزات في العمل الخيري الذي يجب أن يستعاد من خلال أفكار كثيرة، لعل أهمها فكرة الاستثمار في العمل الخيري أو الوقف الخيري.. ذلك النموذج الرائع في الحضارة الاسلامية… الذي بنى دور العلم والمشافي والطرق وحمامات المدن بل وصل الى مسائل صغيرة تكاد اليوم تبدو مدهشة في تلمس تفاصيلها الصغيرة.. هذا المنجز الحضاري الكبير الذي يعبر عن فكرة الاستثمار للإنفاق على مؤسسة وقفية مهما بلغ حجمها.. أين يبدو اليوم في خارطة مشروعات المحسنين.. الصدقات تسد بعض الحاجات جزء من العام لكنها تعجز أن تكون عملاً قادراً على مواصلة تحقيق الكفايات سوى …[خلال] مؤسسات قادرة على الصمود لا تتجاوز فكرتها فكرة الوقف الإسلامي، لكنها تطال الإنسان المحتاج صحة وتعليماً وتدريباً، تتحرك في مدى واسع تعبر عن حاجة الإنسان لمواجهة ظروف الحياة الطاحنة بأمل الشفاء أو تجاوز حاجز بطالة أو المساهمة في بناء الإنسان علماً وثقافة وعقلاً. هل هناك عمل خيري يتجاوز في أهميته تخفيف عذابات الإنسان أو بناء عقل قادر على مواجهة الحياة بثقة القادر على الإنتاج والعطاء. استعيد هنا أفكارا كثيرة مغيبة عن مجال العمل الخيري ناهيك أنها في منازل اليوم هي اقل بكثير من قدرة القادرين.

اعتقد جازماً أن النفوس التي تتطلع للعطاء كثيرة، لكن ثقافة العمل الخيري، تكاد تكون حصراً في مجالات محددة لا تتجاوزها، هل يعجز أي ثري ان يبني داراً للمسنين أو العجزة أو الأيتام في إحدى المدن التي تفتقر لمثل هذه المؤسسات، وأن يوقف عليها ما يمكنها من الاستمرار والبقاء.. هل يعجز ثري صغير أن يقيم مشروعاً صغيراً يتكفل بتوفير الدواء للعاجزين عن أداء ثمنه ويوقف له ما يمكنه من الاستمرار.. هل يعجز ثري أن يبني مستوصفاً أو مدرسة أو مكتبة عامة او نادياً اجتماعياً في أي مدينة تفتقر لمثل هذه المؤسسات… أو معملاً أو مصنعاً صغيراً لتوظيف يد عاملة تبحث عن قوت يومها تسدي لهذه اليد مهنة شريفة تكفها عن السؤال.. أنا هنا لا أتحدث عن جامعات أو مستشفيات ضخمة او مشروعات مكلفة.. أتحدث عن أبسط أشكال العمل الخيري وأقلها كلفة. مؤسسات العمل الخيري التي تطال تحسين شروط الحياة هي الأقل بروزاً في مشروع ثقافة العمل الخيري. كما انه من المهم أن ندرك ان التشييد وحده لا يكفي المهم في الأمر استمرارية فكرة العمل الخيري …[خلال] وقف، المهم ان تؤدي مثل هذه المؤسسات الخيرية مهما كانت صغيرة دوراً قادراً على الاستمرار والعطاء.

العمل الخيري حافز لقيمة أكبر، وهي قيمة العمل التطوعي، هناك كثيرون لا يملكون المال لكنهم يملكون استعداداً للعطاء من وقتهم وعلمهم ومهنتهم وخبرتهم في نشاطات خيرية وهذا يمنحهم شعوراً إنسانياً نبيلاً ويضفي على حياتهم لذة أخرى وقيمة أكبر وإحساسا فائقاً بمعنى الإسهام في مثل هذه المؤسسات الخيرية… الطبيب المتبرع الذي يستقطع بعض وقته الأسبوعي لعلاج المرضى الفقراء، والمعلم الذي تحفزه رغبته في الإسهام في تعليم العاجزين عن الوفاء بشروط تعليم مدفوع الثمن، والمهندس والخبير والمتخصص وكل النوعيات القادرة على الإسهام في نشاط تطوعي يسد ثغرة في حاجة مؤسسات خيرية ليس لها هدف سوى ردم هذه الفجوات الاجتماعية التي تخلف جزراً معزولة، ليس بالضرورة تعبرا عن حالة فقر مادي فقط، بل تتجاوز هذا إلى مدد معرفي وعلمي وتدريبي وإضاءات تتجاوز شقوق العجز وتبني عقل إنسان وتقدم نماذج قادرة على تجاوز مشكل الفقر المادي والمعرفي.

المؤسسات الخيرية، هي جزء من مؤسسات مجتمع مدني، أصبحت اليوم من الثقل والتأثير والنشاط الكبير ما يجعل منها أهم المؤسسات في العالم الغربي. كثير من المستشفيات الكبرى والجامعات الكبرى بالغرب لم تقم سوى على أكتاف المؤسسات الخيرية أو الوقف الخيري بالتعبير الإسلامي. مشكلتنا أننا نتطلع دائماً لمعالجة الفقر من خلال البحث في سد الحاجات اليومية للمحتاجين، لكننا نتجاهل معنى التأهيل للفقراء والمحتاجين ليصبحوا طبقة منتجة تنهض بنفسها ومحيطها المكاني والاجتماعي. أُذكر هنا بالثري الأمريكي (جون هوبكنز) الذي أراد انتشال مجتمع العشوائيات في محيط مدينة بالتيمور عاصمة ولاية ميرلاند من براثن الفقر والذي كان يسكنه الملونون المعدمون، هو من انشأ جامعة (جون هوبكنز) التي أصبحت من أعظم الجامعات الأمريكية بالتاريخ.. لقد حارب الفقر بالعلم، ولم تكن جامعة خاصة مثل جامعاتنا اليوم التي تقدم كمشروعات استثمارية للقادرين على دفع تكاليف تعليم متميز أو نوعي. وأذكر أن جامعة (ستانفورد) التي أنشأها الثري الأمريكي (ليلاند ستانفورد) وأوقف عليها ستة آلاف فدان كوقف استثماري قادر على تشغيلها أصبحت مدينة من أغنى المدن الأمريكية وأكثرها دخلاً.. وأُذكر بجامعات أخرى مثل (كمبردج) البريطانية الشهيرة أو (اكسفورد) التي تنفق على نفسها من عائدات وقفية بالأساس.. بدأها الرواد الأوائل وتوالت الأوقاف الخيرية لدعم نشاطات تلك الجامعات التي أصبحت مقصد طلاب العالم الباحثين عن الجامعات المتميزة. نقرأ أحيانا عن التبرعات السخية لأثرياء سعوديين لدعم مراكز أبحاث ونشاطات علمية هنا وهناك في الغرب بينما تتوارى نشاطاتهم الخيرية هنا حد الإملاق. ولذا من المفيد ان تُضخ ثقافة العمل الخيري الوقفي على أوسع نطاق وبكل الإمكانات المتاحة.. البحث عن الحلقة المفقودة لن يكون باستجداء تلك النفوس الصغيرة التي لا تتورع عن البحث عن مجدها الشخصي هناك في الإنفاق السخي حد البذخ.. بينما لا ترى هذا الوطن سوى الضرع الحلوب.

[المصدر: جريدة الرّياض]

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!