عبقرية الوقف

“وقفنا ـ الجمعة 12 صفر الخير 1428”

كتب أبو العلاء في موقعه الألكتروني: ـ

أصل الوقف ما كان من عمر رضى الله عنه عندما وقف أرض السواد على المسلمين. و أرض السواد هذه جل أرض العراق المزروعة و الله أعلم. و أنا أنقل هنا مما رواه الخطيب البغدادي فى تاريخ بغداد من نسخة موقع الوراق و العهدة على الراوي و من أسند لك فقد حملك.

أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز أنبأنا دعلج بن أحمد بن دعلج المعدل أنبأنا محمد بن علي بن يزيد الصايغ قال أنبأنا سعيد بن منصور نبأنا هشيم قال أنبأنا العوام بن حوشب أنا إبراهيم التميمي قال: لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر بن الخطاب أقسمه بيننا فأبى فقالوا: إنا افتتحناها عنوة قال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه وأخاف أن تقتتلوا فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رؤوسهم الضرائب يعني الجزية وعلى أرضهم … الخراج ولم يقسمها بينهم.”

أي أن الأرض عليها ما يشبه الضريبة (فى العرف الحادث) يستوي فى ذلك المسلم و الذمي و تنفق على مصالح المسلمين. و هذا قبل أن يولد ماركس أو تبتلى الدنيا بنيرات أفكاره.

و هذه سنة سنها عمر رضي الله عنه و أجراها فى كافة البلدانالمفتوحة بعد ذلك و لها منافع عديدة. منها أن أصحاب الأرض يستقرون فيها و يتقوتونمن غلتها ثم يتكسبون من بيع الفائض. و هذا البيع يفيض الطعام فى الأسواق فيقل السعرويعم الرخاء. ثم أن للدولة نصيب من عائد الأرض يعين الدولة على إصلاحالمرافق و دفع نفقات الجند و المعلمين و غيرهم مما تعم الحاجة إليهم. ثم إن هذاالدخل لا يتقيد بمصارف الزكاة فهو أعم فى المنفعة و هو أيضا لا ينقطع لاستمرار

إدرار الأرض عاما يعد عام. و لكن الأهم من موضوع وقف الأراضيالمفتوحة، و إن كانت قضية لها أبعاد خطيرة جدا لا نخوض فيها هنا، أن الوقف فى ذاتهاستقر فى عوائد المسلمين و إن كان الواقف من عامة المسلمين و ليس الأمير. و فى جميعصوره و أشكاله يحقق الوقف منافع للعاملين فيه و القائمين عليه و للمستفيدين منه ويسهم فى تنشيط الاقتصاد و وفر المعروض مما يقلل الأسعار.

و المجتمعاتالإسلامية فى تاريخها الطويل تتميز بما أحب أن أسميه التحسين و التكيف. ففكرة الوقففى مبدئها ارتبطت بالخليفة و بالحكومة و لكن مع مرور الزمن و تغير الأحوال صارالوقف مما يحرص عليه كل متيسر قل ماله أو كثر. و استجاب الفقه للأحوال المستجدةفقرر قواعد للتعامل مع الأوقاف منها أن شرط الواقف كنص الشارع و هو ما أتاح الفرصةلأهل الخير من الأغنياء لإنشاء الأوقاف و تخصيصها لما يرون الحاجة تدعوا إليه. وهذه المرونة تتيح للمجتمع الاستجابة لما ينشأ من حاجات دون الحاجة إلى تدخل الدولةبالتوجيه و التخطيط. و الملفت فى طريقة استجابة المجتمع المسلم للتغير أن المبدأالمستقر يظل كما هو و إنما يطرأ عليه التحسين و الإضافة تكيفا مع الوضع الناشئ لاأن المبدأ المستقر يهدم بالكلية و يستبدل به أسلوب جديد.

و للوقف أثر حميد فى تحويل فوائض الأموال من باب النفقات إلى أن تدخل فى رؤوس الأموال و هي بذلك تحفظ ثروة المجتمع من التبديد و تستحث النمو و الوفرة.

نضرب مثلا.

امرأة متيسرة صاحبة مكتب استشارات هندسية. عملها هذا عمل منتج و مفيد للمجتمع و يتيح لها و لعائلتها حياة مريحة ناعمة. و الآن بعد أن تزوج الأولاد و البنات و شاب الشعر و انحنى الظهر تفكر السيدة العجوز فيما ستترك من أموال و عقار. أما أولادها فكل منهم له عمله الخاص و دخله المستقل و البنات كذلك بالإضافة لحالة أزواجهن المتيسرة. إذن فترك الميراث لهم لا يزيد عن إضافة رصيد إلى أرصدتهم فى المصارف. لن يستثمر المال و لن ينفق. لكن إن وقفت هي نصيبا من ثروتها على مكتبها و خصصت ريع المكتب للإنفاق مثلا على الفتيات اليتيمات أو الأرامل أو النساء ممن تركهن أزواجهن أو غير ذلك فإن هذا يضمن أشياء منها استمرار العمل فى المكتب و اتصال أرزاق العاملين فيه من مهندسين و غيره و منها أن المال الموقوف يستثمر و يفيد المجتمع و منها الثواب الذى يصلها فى قبرها.

و قد يعترض معترض و يقول و من قال إن أولادها لن يستثمروا المال و يتصدقوا من ريعه؟

يضحك أبو العلاء.

عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال “إذا مات ابن آدم أنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له.”

نشهد أنه لم يترك بابا من الخير إلا دلنا عليه. عليه الصلاة و السلام.

[المصدر: موقع أبو العلاء]

 

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!