كيفيّة تفعيل الدور الحضاري للوقف الإسـلامـي فـي الأمـة؟

 “وقفنا ـ الثلاثاء 11 جمادى الآخرة 1428”
صدر عدد جديد من مجلة العالمية وهي مجلة شهرية تصدرها الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في الكويت. وقد حوى هذا العدد ( ربيع أول 1428 هجرية – إبريل 2007 م- العدد (204) – السنة التاسعة عشر) على ملف تحت عنوان دراسات إسلامية: في ظل المعوقات الدولية للعمل الخيري: كيف نفعِّل الدور الحضاري للوقف الإسـلامـي فـي

الأمـة؟ وقد تضمن هذا الملف على العديد من الآراء حول الوقف و تفعيل دوره الحضاري.

طالب علماء الإسلام ومفكروه بضرورة أن تكون هناك وقفيات جديدة فى الأمة لمعالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة وانه لابد من تفعيل دور الوقف الحضاري لخدمة قضايا الأمة فى مختلف المجالات . وأشاروا إلى انه لابد من الانطلاق بالوقف نحو المستقبل والاستفادة بالرصيد الحضاري الذي تركه للأمة . وان المؤسسات الأهلية والشعبية ومؤسسات المجتمع المدني مطالبة بإنشاء وقفيات جديدة لمكافحة الأمية الشاملة وسداد الديون .

وأكدوا أن دور الوقف مغيب الآن فى المجتمعات الإسلامية وانه لابد من تفعيل دور الوقف لمواجهة المستجدات التي طرأت على الساحة المحلية والدولية تخفيف عن الدولة فى مختلف المجالات الصحية والتعليمية والاجتماعية وغيرها.

وأوضح المفكرون وعلماء الإسلام أن مهمة الوقف الأولى هي تعظيم الأمة وتحجيم الدولة وأن الوقف ليس فقط سمة حضارية للأمة الإسلامية بل أصبح غير المسلمين من اليهود والنصارى يستفيدون من آلية الوقف.

وقال العلماء : انه على الأمة فى ظل التحديات التي تمر بها فى الوقت الراهن أن تختار أحد الطريقين إما التمويل الأجنبي الذي يحقق تراجعها وإما تفعيل دور الوقف وتمويل الأمة من نشاط المؤسسات الأهلية وغير الحكومية من الرصيد الوطني والقومي والحضاري .
التأصيل الشرعي للوقف

وحول مشروعية الوقف أوضح الدكتور محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر سابقا وعضو مجمع البحوث الإسلامية أن الوقف مشروع ومندوب إليه بالكتاب والسنة والإجماع فمن الكتاب هناك آيات كثيرة تحث على الإنفاق في وجوه الخير منها ” قوله تعالى : ( وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) وقوله: ” لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ” ومن السنة ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال : “أصاب عمر أرضا بخيبر فقال يا رسول الله أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني؟ فقال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها “فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا تذهب “وكذلك ما رواه مسلم و الترمذي وغيرهما عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له “

ومن الإجماع ما قاله جابر بن عبد الله “لم يكن أحد من أصحاب النبي الكريم ذو مقدرة إلا وقف “وهذا إجماع منهم على أهمية الوقف ودوره 0
أركان وشروط الوقف

وحول أركان وشروط الوقف قال د/ محمد رأفت عثمان إن أركان الوقف عند جمهور الفقهاء هي واقف، وموقوف، وموقوف عليه، وصيغة. أما ما يشترط في الواقف وهو الشخص الذي يملك العين أو منفعتها التي ستوجه للموقوف عليه. فهما شرطان:

الأول: أن يكون بالغا عاقلا مختارا و الثاني : أن يكون أهلا للتبرع أي ليس محجورا عليه لسفه أو غيره أما ما يشترط في الموقوف فهو إما أن يكون عينا أو منفعة فإذا كان عينا فيشترط فيها أن تكون معينة ومملوكة ملكا صالحا للانتقال ويحصل منها فائدة مع بقاء عينها كالعقارات و الحيوانات وغيرها وما إذا كان الموقوف منفعة فيشرط فيها أن تكون من المنافع التي تصح إجارتها وأما المنافع التي لا يصلح الاستثمار لها فلا يصح وقفها وكذلك لا يصح وقف المنافع المجهولة . أما الموقوف عليه فيشترط فيه أن يكون أهلا لصرف المنافع إليه كما يصح الوقف على غير المسلم وأضاف: بين العلماء انه كما يصح وقف العقارات يصح وقف المنقولات كالثياب والسلاح و المصاحف والكتب المفيدة وان وقف الكتب له صورتان أحدهما أن توقف على طلبة العمل والثانية أن توقف على مكان تؤجر هذه الكتب فيه للقراء وينتفع ذلك المكان بأجر القراءة0(وقال : انه من النصوص السابقة وأمثالها نجد أن الوقف يعد حافزا للمسلمين على مر العصور المختلفة على أن يتصدقوا بأموالهم ويوقفوها على وجه الخير حتى يصبح الوقف عاملا مهما في التأثير في حياة الناس العامة و النهوض بالمجتمع في مختلف المجالات .
إصلاح الوقف 

وتحدث الدكتور محمد شوقي الفنجري رئيس مجلس إدارة الجمعية عن الوقف و المحاولة إلى إصلاحه وصولا إلى تفعيل دوره في المجتمع وقال إن العمل الخيري أو ما يطلق عليه البعض بالمنظمات غير الحكومية هو النظير للعمل الحكومي فالخدمة أو المصلحة العامة هي عملية واحدة أحد وجهيها هي الحكومة و الوجه الأخر هو الجمعيات الخيرية وأوضح أن الإسلام منذ ظهوره من خمسة عشر قرنا قد أهدى للإنسانية مؤسستين هامتين هما مؤسسة الزكاة ومؤسسة الوقف و العجيب أن العالم الإسلامي عطل أو غيب دور هاتين المؤسستين بينما أخذ العالم المتقدم فى أوربا و أمريكا بهما بوعي أو بغير وعى فكانا سببا وأساسا هاما من أسباب تقدم مجتمعاتهم وحدوث نهضتها في الوقت الذي تخلفت فيه المجتمعات الإسلامية. ووصف قانون الوقف رقم 48 لسنة 1946 وما تليها من قوانين منظمة للوقف والتي قاربت العشرين قانونا بأنها مجحفة وغير دستورية وكان نتيجتها أن أعرض الخيرون عن الوقف لذلك بادرت الحكومة إلى إلغاء القانون رقم 32 لسنة 1964م بشأن الجمعيات والمؤسسات الخاصة وأحلت محله القانون رقم 153 لسنة 1999 وطالبت بضرورة إلغاء القانون رقم 48 لسنة 1946 و التعديلات المغلوطة التي طرأت عليه بعد أن تبين إعاقتها المتعددة وعدم دستوريتها فضلا عن مخالفتها لشرع الله وتشويهها لفكرة وإيديولوجية الوقف الإسلامي .كما طالب برد الأوقاف الخيرية إلى الجهات الموقوفة لصالحها.

الرؤية الفكرية لفلسفة الوقف

وحول الرؤية الفكرية لفلسفة الوقف ودوره الحضاري فى الأمة يؤكد الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي الكبير وعضو مجمع البحوث الإسلامية أن الوقف في تاريخ الحضارة الإسلامية يمثل التجسيد لفلسفة الإسلام في الملكية و الثروات والأموال ونحن الآن نعيش أخطبوطا فكريا عالميا ،وكثير من المثقفين و الاقتصاديين يتسولون على موائد الغرب فإذا علا شان الشيوعية مالوا معه، وإذا علا شأن الليبرالية المتوحشة مالوا معه وإذا جاءهم من يمثل الطريق الثالث الذى يحمل الرأسمالية المتوحشة بشروا بهذا الطريق ولا أحد منهم يلتفت إلى ذاته وأمته وثرواته وشريعته وحضارته .إن هناك نظاما يمثل فلسفة الإسلام في الثروات والأموال وهي ملكية الرقبة لله تعالى. الملكية الحقيقية لله تعالى وملكية الإنسان ملكيته منفعة اجتماعية ملكية مجازية ولذلك عندما نعالج الوقف نرفض قول الذين يقولون انه إخراج المال إلى غير مالك بل إخراج المال إلى خير مالك بحيث يعاد المال بالوقف إلى المالك الحقيقي وهو مالك الرقبة فى الأموال وهو الله تعالى وتصبح المنفعة ليست لفرد ولا لمجموعة وإنما تصبح ملكية المنفعة للأمة وهنا يعبر الوقف عن فلسفة الاستخلاف فى الأموال لتصبح الأمة هي المستخلفة فى الانتفاع بالمال لهذا الوقف هذا هو الذى يجعل الوقف يحقق الملكية العامة وحده وليس ملكية الدولة أو الطبقة أو الفرد أو الحزب أو ملكية الديمقراطية موضحا أن الوقف لعب دورا في تاريخنا الحضاري الذى عظم دور الأمة وحجم دور الدولة لأنه جعل تمويل صناعته الحضارية وتجديدها شأنا للأمة وليس شأن الدولة لأنها كانت تمول تمويلا أهليا وليس تمويلا رسميا .ولم تكن الثقافة والعلم والفكر مؤمنا في يد السلطان الذى كان يقطع المعونة عمن يمد لسانه ،وإنما كان تمول كل الأنشطة الحضارية من المؤسسة التمويلية العظمى وهى الوقف 0

وهذا هو الذي يفسر حقيقة تاريخية يعجز عن تفسيرها العلمانيون عندما يقولون إن التاريخ كان تاريخ انحراف الدولة نعم انحرفت الدولة مبكرا لكن الذى صنع الحضارة هي الأمة وفى ظل دولة منحرفة لان الدولة لم تكن هي التي تصنع الحضارة وإنما كانت الأمة وعلمائها فى أحضان هذه الأمة هما الممول الحقيقي لنشاط الوقف ( النشاط الأهلي) ففي بلدان مصر فى أحد العصور كانت مساحة الأرض الموقوفة أكثر من نصف مساحة الأرض الزراعية في مصر كلها هذه هي الملكية العامة وهذه هي ملكية الأمة الجماعية التي نبحث عنها على موائد الغرب!

وأضاف د. عمارة أن الوقف بنى حضارة متكاملة بداية من وقف نفقة الحليب وهذا النوع من الوقف كان للمرأة التي لم تستطع أن ترضع ولديها فيمكنها أن تجد من يرضع ولديها من خلال مؤسسة الوقف ،وهناك وقف للصحون والأطباق والذي يستخدم في الأفراح و الولائم والمآتم للذين كانوا لا يستطيعون تدبير هذه الأطباق فى أفراحهم ومآتمهم ،وهناك وقف للمصاغ والحلي الذى كان يستخدم للعروس الفقيرة التي لا تستطيع أن تتزين في ليلة زفافها، وهناك أوقاف ترصد على هذا الغرض الاجتماعي العظيم.

كما انه كانت توجد أوقاف للبيوت للزوجات الغاضبات اللاتي لا أهل لهن فى المدينة التي تعيش فيها فيبتن فى هذه الأماكن وهناك مشرفات عليهن إلى أن يتم الصلح مع أزواجهن أو تسافرن إلى أهلهن نهارا .وهناك أيضا أوقاف للحدائق مثمرة يأكل منها الغرباء وأبناء السبيل تكون عليها أوقاف بحجج وأوراق ثابتة 0وكذلك الموسيقي التي كانت تعزف فى المستشفيات بما يسمى الآن علاج بالموسيقى كانت عليها أوقاف من أجل هذا الغرض 0وكذلك كانت توجد أوقاف للمساجد والمكتبات والمدارس و الكتاتيب ، نسخ المخطوطات الورقية و الطرق والجسور والعبارات حتى الجهاد والرباط في سبيل الله كانت على كل ذلك أوقاف 0(وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت هناك أوقاف على بوارج حربية في الجيش المصري وعلى تسليح بعض الفرق في الجيش) (هذا التنوع في الأوقاف يدل على رقي هذه الحضارة التي بناها الوقف وأمواله 00كما يدل على تكامل وتنوع هذه الأوقاف التي تمت في ذلك التاريخ عندما كان الوقف له هذا الدور 0

ومضي د.عمارة في حديثه الممتع قائلا :الوقف بدأ موقفا شرعيا إسلاميا ثم تحول إلى سمة حضارية لكل الأمة ،ووجدنا غير المسلمين من أخواننا النصارى بل وحتى اليهود في الحضارة الإسلامية يستعيرون هذه الآنية من آليات الفقه الإسلامية الأمر الذى أصبح معه الوقف حضارية للأمة وليس فقط خصوصية للمسلمين 0وعندما استولت الدولة على الأوقاف منذ عهد محمد على وأصبحت هي الممول لكل الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها أصبح الناس موظفين 0ويشير د عمارة في قرب نهاية حديثه إلى أنني أحب أن أنوه إلى خطورة ما يسمي بمؤسسات المجتمع المدني التي انتشرت فى الآونة الأخيرة والتي تأتيها مئات الملايين من التمويل الخارجي المشبوه كل هذه الأنشطة في ظل الوقف كانت تمول تمويلا أهليا فتعبر عن هوية الأمة. لكن هذه المؤسسات لا تعبر عن هوية الأمة ولا تمولها الأمة, ولذلك أصبحت ثغرات اختراق لهوية الأمة ولأمنها الوطني والقومي والحضارى0 وهذه المنظمات المشبوهة تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل ختان الأنثى ولا يتفوه أحدهم بكلمة للمقابر الجماعية التي تقام للمسلمين في بقاع الأرض هؤلاء أصبحوا مكاتب استيراد لأهداف المشبوهين من التمويل الخارجي ولو عاد نظام الوقف مرة أخرى إلى دوره لكان كل النشاط الأهلي والمدني والجمعيات الأهلية يمول بتمويل الأمة الوطني والقومي والحضاري ومن ثم يعبر عن هوية الأمة 0إذا الوقف مهمته الأولى تعظيم الأمة وتحجيم الدولة وفى عصر الخصخصة التي تتراجع فيه أموال الدولة فالبديل إما التمويل الأجنبي الذي يحقق تراجع الأمة وأما الوقف الذي يجعل النشاط الأهلي والمدني وغير الحكومي معبرا عن هوية الأمة ومصلحتها 0
حتى تنجح مؤسسات الوقف المعاصرة

وكانت مداخلة المستشار طارق البشرى نائب رئيس مجلس الدولة سابقا والمفكر الإسلامي عن حركة تشريع الوقف فى نصف القرن الأخير 0

فقال إن هناك دراسة أجراها مستشرق عن الوقف ودوره فأخذ عينات من الوقفيات التي كانت موجودة على مدى 6 قرون من مصر والشام والأناضول بعدد115 وقفية تقريبا وتبين له أن ما يجاوز 55% من عملها كانت في التعليم وإنشاء المدارس والكتاتيب والزوايا والمساجد والجوامع ومن ذلك يتبين أن الأوقاف كانت تقوم بالدور الأساسي في العملية التعليمية وان جانب التعليم يحتاج إلى مؤسسات من نوعين لكونهما تتميزان بصفتين أساسيتين أن تكون مؤسسات مستقرة ومستمرة لمدة طويلة يتجاوز حياة الأفراد لان العملية التعليمية للفرد الواحد مستقر15 سنة على الأقل وهو نوع من أنواع الإنتاج البشري الذي يحتاج إلى مدد طويلة 0

والصفة الثانية أن تتصف هذه المؤسسات بالبعد عن العمل السياسي القومي الجاري أو الدخول في الصراعات الحزبية والقوى الحزبية المختلفة وكان الوقف هو أكثر الصيغ الملائمة لتحقيق هذين الأمرين 0

وأوضح أن : ثبات الأزهر واستقراره على مدى سنيين طويلة في برامجه وعلومه كان أحد الشواهد على ذلك والحاصل أن الدولة حلت محل نظام الوقف في هذا النشاط ومن يومها بدأت النظم التعليمية تصبغ بالصبغة السياسية ونجد أن البرامج تتغير أمام الملكية عما كانت عليه ثم تغيرت مرة أخرى أيام ثورة 23 يوليو ثم تتغير الآن ويعاد إعداد البرامج التاريخية اليومية وغيرها لكي لا تتعارض مع المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمت أخيرا 0وقال انه : بعد ثورة 23 يوليو الغي الوقف الأهلي (الوقف على الفردية ) وأما الوقف الخيري وهو ما يهمنا في هذا المجال فقد صدرت مجموعة من القوانين سنة 53، سنه 60 آلت بموجبها الأوقاف الخيرية كلها إلى وزارة الأوقاف وجعلوا وزارة الأوقاف هي الناظرة التي تدير الأوقاف 0وأجازت هذه القوانين استبدال البيان الوقف من الأرض الزراعية وتسلم الأرض الزراعية إلى الإصلاح الزراعي وتحويل الوقف إلى سنوات بفائدة 3% وبالنسبة للعقارات وأراضي البناء وزعتها هيئات الحكم المحلي 0وبذلك كادت أعيان الوقف أن تنتهي وأجازت هذه القوانين أيضا لوزارة الأوقاف أن تغير مصاريف الوقف وأغراضه وبذلك تغير إدارة الوقف ( الناظر) 0بقي الأمر إلى هذا الوضع حتى جاء الدكتور عبد العزيز كامل وزير الأوقاف فطلب أن يصدر قانون بموجبه أعاد ما كان بقى من أعيان الأوقاف لم يبع ولم يقم عليه منشآت ولم يكن تم التصرف فيه وعادت هذه القضايا إلى وزارة الأوقاف وأنشأ القانون لها هيئتين تديرهما هيئة الأوقاف التابعة لوزارة الأوقاف والتي تعمل حتى الآن 0

وقال انه لكي نقضى على هذا الاشتباك يجب أن تكون الأوقاف الجديدة التي تنشأ من اليوم تكون وفقا لشروط وقوانين وبغير تدخل من جهات الحكومة لا بالنظارة أو بغيرها 0واعتبار الوقف مؤسسة أهلية لا تمت إلى الإدارة الحكومية 0وأن الأوقاف التي كانت على جهات تعليمية تشرف عليها الدولة تعود إلى هذه الجهات فالأزهر له أوقاف كثيرة يجب أن يديرها بنفسه وتساهم في استغلال ماليته 0

وانه على وزارة الأوقاف بما لديها من حجج وقف أعيان ردها إلى الجهات التي كان موقوفة عليها كالجمعية الخيرية الإسلامية أو جمعية المساعي المشكورة وغيرهما 0وبهذا نكون قد سرنا في طريقنا إلى إصلاح الوقف والنهوض به وتفعيل دوره في المجتمع و الأمة من جديد فهل نفعل !!!
رؤية جديدة لتفعيل دور الوقف

وجاءت مداخلة الدكتور محمد الشحات الجندي عميد كلية الحقوق جامعة حلوان فقال فيها :إن استشراف دور فاعل للوقف يتأتى من الانطلاق به نحو المستقبل مع الاستفادة بالرصيد الحضاري الذي تركته الحضارة الإسلامية عبر سنواتها الطوال في إثراء المنظومة الاجتماعية والثقافية والدينية للمجتمعات الإسلامية 0ولا شك أن المتغيرات الجديدة التي جدت على الساحة في عالم اليوم تفرض الانطلاق بالوقف لا من محاكمة القوانين الموجودة ولا من الاقتباس في نطاق أطر ضيقة ربما كانت قد وجدت لها الرواج في الماضي لكنها مع عنصر الزمان والمكان تحتاج إلى معالجة أخرى ولعل أبرز استلهام لفكرة الوقف الإسلامي من المنطلق الديني الحضاري هو فكرة المؤسسة التي تشع بعطائها على جنبات الحياة المجتمعية المتنوعة في جوانبها المختلفة 0ولا شك أن فكرة المؤسسة إذا فهمت في النطاق الإسلامي فإنها تمتد إلى آفاق بعيدة و رؤى رحبة خاصة بالنسبة للمعضلات والمشكلات التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية ومصر الكنانة ومنها على سبيل المثال وهو ما نرجو أن توجه إليه الوقفيات الجديدة مشكلة مكافحة الأمية والبطالة وضرورة أن توجه وقفيات جديدة في إطار مؤسسي للتغلب على هذه المعضلة التي تمثل عقبة كؤود في سبيل الدخول في الألفية الثالثة كذلك مشكلة الديون فمن المعلوم أننا لو اتجهنا الى تخصيص وقفيات من جانب المحسنين في مصر والعالم العربي وهم كثير انطلاقا من التكامل الإسلامي للمساهمة في سداد جزء من أعباء هذه الديون عن طريق المشاركة الشعبية إلى جانب مشاركة الدولة لأدى ذلك إلى سرعة سداد هذه الديون ويصبح الوفاء بهذه الديون منطلقا دينيا ومقوما وهو ما يعظم حفز الهمم نحو عبور هذه المشكلة التي تؤرق الاستقلال والسيادة الوطنية ومما ينبغي الالتفات إليه هو كثرة القوانين المتعلقة بالوقف بداية من القانون 48 لسنة 1946 ومرورا بالقوانين التي صدرت 1952 وعبورا إلى القانون 80 لسنة 1971 والتي كان لها مردود سلبي على مسيرة الوقف في عطائه الإيجابي في نهضة الأمة ذلك أن هذه القوانين أدت إلى إحجام الكثير من الخيرين عن عمل وقفيات جديدة بسبب الدور الذي تقوم به وزارة الأوقاف على حساب إدارة الواقف وسلب حقه في المشاركة في إدارة الوقف وتغير مصارف الوقف الأمر الذي يستلزم إيجاد أو صياغة قانون موحد بتلافي السلبيات التي جاءت بها هذه القوانين التي أشرنا إليها وفي نفس الوقت تستعيد مكانتها أو دورها المفقود مع استلام الأحكام الإسلامية المتعلقة بالوقف وتطبيق هذه المنظومة الوقفية بما يخدم المجتمع ويواكب معطيات الحياة الجديدة خاصة مع الاتجاه نحو سياسة الخصخصة وتنامي دور الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية 0فالوقف باختصار شديد هو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية و الأخلاقية والدينية والبيئية للإنسان يتأكد من خلال دراستنا الاقتصادية للأموال الموقوفة فالوقف لم يقف عند غرض معين وإنما ليمتد ليشمل كافة الأغراض لذلك فإن الوقف يلعب دورا كبيرا في تحقيق التنمية الشاملة في المجتمع بمفهومها الواسع وقال : إن السابقين وظفوا الوقف توظيفا جيدا في كافة الأغراض التي يحتاجها المجتمع من التعليم والثقافة والصحة ورصف الطرق واستصلاح الأرض وغيرها من المنافع المختلفة0

الوقف من المنظور الاقتصادي

وقال الدكتور شوقي دنيا عميد كلية التجارة جامعة الأزهر البعد التنموي للوقف كبير و متشعب وله جوانبه المختلفة مع تشعب عملية التنمية 00ففقه الوقف معروف ينبغي أن ندرسه بعمق ونتعرف عليه بجدية فكل منا يتحدث عن الوقف من زاوية تخصصه ونحن الاقتصاديين علينا أن ندرس فقه الوقف من المنظور الاقتصادي وما هي الدلالة والمضامين الاقتصادية لفقه وشرعية وملكية الوقف 00 كما أن لها دلالات اجتماعية وتاريخية وهناك نقطة هامة ينبغي أن نركز عليها ونحن نتحدث عن الوقف الإسلامي ينبغي أن نفرق بين الصدقة و بين الوقف 00 فهناك فرق جوهري وكل منهما تجد له هدفا محددا ويتكاملان سويا مع بعضهما البعض في خدمة المجتمع حاضره ومستقبله 0فالوقف هو حبس الرقبة والرقبة قد تكون أصلا إنتاجيا يستغل ليمثل في أرض أو عقار أو خدمة أو أموالا نقدية ويكون هذا الأصل ثابتا 00إذا الإسلام بتشريعه لنظام الوقف فانه يستلزم وجوب أصول إنتاجية ثابتة تدر عائدا يوجه إلى الأغراض المحددة التي وقف الواقف هذه الأموال لها .

والموقوف عليه ليس من حقه أن يتصرف في هذا الوقف كما أن الواقف ليس من حقه الرجوع أو التصرف أما اليوم فأصبح دور وظيفة الوقف مغيبا 000 فى الوقت الذي تحتاج الى تفصيل دوره واتساع رقعته وتشجيع وجود أوقاف جديدة وذلك لمواجهة المستجدات التي طرأت على المجتمع من العولمة والاتجاه إلى الخصخصة وما يترتب عليها من أتساع رقعة الفقراء وضعف الرعاية الاجتماعية المقدمة لهم فمن الذى سينفق على ذلك هل هي الدولة بمفردها ؟ فإن كانت الدولة فمن أين تنفق على ذلك مع محدودية مواردها إذا لابد من تفعيل دور ووظيفة الوقف لتخفيف العبء على الدولة في مختلف المجالات 0وأكد د.  شوقي دنيا أن تغييب دور وظيفة الوقف مشكلة يعاني منها معظم دول العالم الإسلامي فأصبح وضع الوقف الإسلامي مترديا للغاية ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها الجهل بأهمية الوقف وعدم توفير التوعية الكافية به في خدمة المجتمع في تحقيق تنمية شاملة 00 فمن عظمة الإسلام وإيمانه بالتنمية الشاملة للإنسان سواء كان مسلما أو غير مسلم فأجاز أن يوقف المسلم على مسيحي حتى لا تنمى فئة على حساب فئة أخر فى المجتمع الواحد 0فنحن في حاجة إلى تعديل واقع الوقف نظاميا وقانونيا وإعادة نظر جذرية قانونية لقوانين المنظمة للوقف 0

وحول استثمار أموال الوقف بالأساليب التنموية الحديثة وقال : لابد أن نتعلم جيدا إدارة الوقف واستثمار أمواله بطريقة صحيحة وأن تكون نظارة الوقف نظارة صحيحة بحيث يجب أن يتوفر فيها الكفاءة والأمانة وإذا لم يتوفر شرط من هذين الشرطين تسقط منه إدارة الوقف 00ونحن فى حاجة إلى إعلام ووعي خاصة وان الوقف الإسلامي يستطيع أن يحل لنا الكثير من مشكلاتنا الاقتصادية و الاجتماعية وغيرها 0
تنمية مال الوقف

وأوضح الأستاذ مصطفي عبد الفتاح رئيس هيئة الأوقاف السابق (التابعة لوزارة الأوقاف المصرية) أن هناك خلطا كبيرا لدى البعض من أن وزارة الأوقاف هي التي تدير أموال الوقف ولكن الحقيقة أن أموال الأوقاف والأعيان تدار من خلال هيئة الأوقاف وأكد أن أموال الأوقاف تستثمر أفضل استثمار ممكن في إقامة مشروعات استثمارية وزراعية وإنتاجية تساهم الهيئة من خلال أرباح هذه الأموال في بناء المدارس والمستشفيات وإقامة مراكز الشباب والتبرع في مشروعات كفالة اليتيم وقد تبرع مؤخرا الدكتور/ محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف بمبلغ 3 ملايين جنيه من أرباح أموال الأوقاف لصالح كفالة اليتيم 00 كما تساهم أموال الأوقاف في أقامة مؤسسات إسلامية لتعليم الإسلام ونشر العلم النافع في الخارج 0وأشار إلى أن أموال الوقف تدار بشكل جيد للغاية كما أن القائمين على إدارة هذه الأموال يقدرون مسؤوليتهم جيدا ومحاولة البحث عن أفضل استثمار لهذه الأموال وتحقيق أعلى عائد منها ومن الأدلة على ذلك أننا حققنا 120 مليون جنية عائد استثمار هذا العام من أموال الأوقاف وقمنا بشراء 5000(خمسة آلف فدان) خلال الأربع سنوات الماضية من أجود الحدائق على أرض مصر 00وكذلك اشترينا حدائق الملك فاروق في أنشاص 00 كما يوجد لنا مساحة واسعة فى منطقة توشكا وهدفنا من كل هذه المشروعات هو تنمية مال الوقف و العمل على توسيع مساحته حتى يكون أكثر نفعا للمجتمع وتقديم أعظم خدمة للهدف الذي وقفت عليه هذه الأموال0

وانتهى إلى القول :بأنه لابد من التفريق بين ما جاء به قانون الإصلاح الزراعي والمحليات وبين قانون 80 لسنة 1971 لأنه يشتمل على المطالب الأساسية وهى تنمية مال الوقف وإدارته بصورة جيدة لتحقيق أكبر عائد ممكن 0
[المصدر: موقع الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية]

 

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!