مشاهد وقفيّة قبل أكثر من ألف عام

altيرى الرحالة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأصطخري، المعروف بالكرخي (المتوفى سنة 346 للهجرة) أنّ الغالب على أهل الثروة والمال في بلاد ما وراء النهر صرف أموالهم في عمل المدارس وبناء الرباطات وعمارة الطرق والأوقاف على سبيل الجهاد ووجوه الخير وعقد القناطر إلا القليل من ذوي البطالة، وليس من بلد ولا سبيل مطروق ولا قرية آهلة إلا وفيها من الرباطات ما يفضُل عمن ينزل به. وتحدّث في كتابه المسالك والممالك عمّا سمع ورأى من عجائب الأوقاف والواقفين في مناطق الصُّغد وسمرقند من تلك البلاد فقال:

وبحسبك انّك لا تجد فيهم صاحب ضيعة إلاّ كانت همّته ابتناء قصر فسيح ومنزل للأضياف فتراه عامّة دهره متأنّقا في إعداد ما يصلح لمن طرقه فإذا حلّ بينهم طارق تنافسوا فيه وتنازعوه فليس أحد يتصرّف بما وراء النهر في مكان به ناس يخاف الضّياع في ليل أو نهار فهم فيما بينهم يتبارون في مثل هذا حتّى يجحف بأموالهم ويقدح في أملاكهم كما يتبارى سائر الناس في الجمع ويتباهون بالملك والمكاثرة في المال.
ولقد شهدت منزلا بالسّغد قد ضرب الأوتاد على باب داره فبلغني أن بابها لم يردّ منذ مائة سنة وأكثر لا يمنع من نزولها طارق وربّما نزل بالليل بغتة من غير استعداد المائة والمائتان والأكثر بدوابّهم وحشمهم فيجدون من علف دوابّهم وطعامهم ودثارهم ما يعمّهم من غير أن يتكلّف صاحب المنزل أمرا لذلك لدوام ذلك منهم. قد أقيم على كلّ عمل من يستقلّ به واعدّ ما يحتاج إليه على دوام الأوقات بحيث لا يحتاج معه إلى تجديد أمر عند طروقهم. وصاحب المنزل من البشاشة والإقبال والمساواة لأضيافه بحيث يعلم كلّ من شاهده سروره بذلك وسماحته. ولم أر مثل هذا ولم اسمع به في شيء من بلدان الإسلام لرعيّة.
ومع ذلك فانّك لا تجد في بلدان الإسلام أهل الثروة إلاّ والغالب على أكثرهم صرف نفقاتهم الى خاصّ أنفسهم في الملاهي وما لا يرضاه الله وإلى المنافسات فيما بينهم في الأشياء المذمومة إلا القليل.
وترى الغالب على أهل الأموال بما وراء النهر صرف نفقاتهم إلى الرباطات وعمارة الطرق والوقوف على سبيل الجهاد ووجوه الخير إلاّ القليل منهم وليس من بلد ولا منهل ولا مفازة مطروقة ولا قرية آهلة إلاّ بها من الرباطات ما يفضُل عن نزول من طرقه.
وبلغني أنّ بما وراء النهر زيادة على عشرة آلاف رباط في كثير منها إذا نزل النازل أقيم علف دابّته وطعام نفسه إن احتاج إلى ذلك. وقلّ ما رأيت خانا أو طرف سكّة أو محلّة أو مجمع ناس في الحائط بسمرقند يخلو من ماء جمد مسبّل ولقد أخبرني من يرجع إلى خبره أنّ بسمرقند في المدينة وحائطها فيما يشتمل عليه السور الخارج زيادة على ألفي مكان يسقى فيها ماء الجمد مسبّلا من بين سقاية مبنيّة وجباب منصوبة
المصدر: الأصطخري (ـ 346). المسالك والممالك، طبعة ليدن، ص 289، 290.

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!