حول الدور الوطني للوقف

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي:الدكتور عبد المحسن الجارالله الخرافي:

يطيب لي أن أنتهز هذه الفرصة الطيبة ونحن مقبلون على أيام وطنية كريمة لأكتب وباختصار شديد عن الدور الوطني للوقف، في النهوض بمقومات المجتمع المدني في عصر تتكاتف فيه القوى وتتكامل، نظرا لكون الوقف من الأنظمة التي تركت بصمات بارزة المعالم على الحياة في المجتمعات الإسلامية، منذ نشأة الوقف أيام المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، إلى وقتنا المعاصر، من خلال ما أحدثه من آثار اجتماعية واقتصادية متنوعة في هذه المجتمعات. فأفضل الوقف أبقاه وأعمُه نفعاً، وأشده تحقيقاً لخدمة الوطن والمواطن، وبما يحقق التوازن في المجتمعات بحفظه للأموال وتنميتها وصونها من الاعتداء عليها، لتبقى ذخراً للأجيال القادمة بما يوفر الأمن الاجتماعي والاقتصادي ومن ثم الأمن السياسي.

فالوقف يحقق العدالة بين الناس جميعاً بلا تفرقة ولا تمييز، فيقدم خدماته للفئات المقصودة ـ وفق شروط الواقفين ـ بعدالة تامة بينهم في المجتمع. وبكونه بعيدا كل البعد عن التحزب والسياسة وسوء الاستغلال بحمد الله وتوفيقه. ولعل تاريخ الحضارة الإسلامية يشهد كيف كان للوقف دوره الفاعل في حفظ الأمن والأمان من خلال بناء القلاع والحصون لحماية حدود الدولة وفك الأسرى، ودعم المرابطين في الثغور لحفظ أطراف الدولة، بل إن من عجائب الوقف في هذا المجال ذلك الوفاء التي تجاوز البشر الى الخيول المسنة التي كانت تشارك في الجهاد فيؤويها الوقف حتى نهاية حياتها. فهو نظام يتحمّل جزءاً من المسؤولية الاجتماعية، ويوفر للدولة الموارد التي تسهم في حفظ الأمن الاجتماعي والاستقرار الاجتماعي بتزويج الشباب وسد حاجة الفقراء، والقيام بواجب الدفاع عن البلاد من جبهتها الداخلية، وكم هو عجيب وقف حدائق الفقراء الذي أمن لهم ما هو متاح للأغنياء، وكم هو أعجب وقف تكريم ذوي الأقدار الذين كانوا مقتدرين ثم ضاقت الأمور المادية عليهم. وبذلك يكون الوقف مشروعاً ريادياً يخدم المجتمع والدولة والأمة باستقلالية ونزاهة، ومصدرَ قوة للدول بما يخفف عنها من أعباء القيام بتلك الخدمات، لاسيما في هذه الظروف التي تشعبت فيها حاجات الناس وتفرعت لتنوء بحملها الدولة بمفردها. كما أن الوقف مصدر قوة للمجتمع كذلك، لاسيما المجتمع الرشيد الذي يدرك خريطة احتياجاته جيدا سواء في الحاضر أو في المستقبل، ويجيد كذلك إنشاء الأوقاف وتوزيعها بما يغطي تلك الاحتياجات المتزايدة بالتعاضد مع دور الدولة في هذا الشأن. بل إنني لا أبالغ إذا قلت إن المجتمع العالمي كله في حاجة إلى الوقف ودوره الحضاري والتنموي الكبير، ولذا فإن كثيرا من دول العالم قد استعانت بنظم شبيهة بالوقف لتحقيق تلك الوظائف المهمة للمال بحيث يُمكّن الفرد من القيام بمسؤولياته الاجتماعية ، مثل نظام «الترست» (Trust ) على سبيل المثال.

المصدر: صحيفة القبس الكويتية – 3/ 5/ 1436 =22 / 2/ 2015

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!