أقيم يوم الأحد السابع عشر من شهر جمادى الأولى لعام 1436 = 8/ 3/ 2015 حفل بارز بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في مقر اللجنة النسائية لهيئة الإغاثة الإسلامية بالمملكة العربية السعودية في مدينة جُدّة. وقد توّج الحفل بحضور مجموعة من أعلام النساء ذوات الاهتمام بالعمل الاجتماعي والخيري، بالإضافة إلى كوكبة من سيّدات المجتمع. وتضمن الحفل فعاليات وأنشطة وكلمات متعدّدة تعبّر عن المناسبة ودور المرأة المسلمة. ومن ذلك محاضرة ألقتها الدكتورة سعاد عبود بن عفيف بعنوان: “المرأة والعمل التطوعي ما بين الأوقاف والجمعيات الخيرية”، وفيما يلي ملخص لهذه المحاضرة.
بدأت المحاضرة بإسهام المرأة المسلمة في وقف الأوقاف خلال التاريخ الإسلامي وإلى اليوم:
شاركت المرأة في وقف الأوقاف عبر التاريخ الإسلامي، حيث تعود الإسهامات الوقفية النسائية الأولى إلى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فهن أول من أوقف من النساء، وتؤول أول إدارة نسائية للوقف إلى أم المؤمنين السيدة حفصة رضي الله عنها، التي عهد إليها الخليفة عمر بن الخطاب بمهمة الإشراف على بعض الأوقاف التي يملكها في حال وفاته. وقد توالت المشاركات الوقفية النسائية طوال التاريخ الإسلامي وحتى عصرنا الراهن ولم تعرف انقطاعاً، وقد استطاعت مؤسسة الوقف أن تستقطب النساء على اختلاف مواقعهن الاجتماعية وتوزعهن ما بين نساء النخبة ونساء الطبقات الدنيا، وهكذا تراوحت الأوقاف النسائية بين الضخامة والضآلة تبعا للموقع الاجتماعي للمرأة الواقفة.
وقد تنوعت أنواع الأوقاف النسائية مثل الأربطة التي وقفت للنساء الأرامل والمطلقات، والمنشآت الدينية من المساجد والجوامع والربط والزوايا، والمنشآت العلمية أي الوقف العلمي بغرض نشر العلم المتمثلة بوقف المدارس التي كان لها دور في تعزيز التقدم المعرفي، بالإضافة إلى الآبار والعيون والأسبلة. ومن أشهر هذه الأوقاف أوقاف السيدة زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، زوجة الخليفة هارون الرشيد عام (193 هـ) التي لمست معاناة الحجاج في الوصول إلى الماء، وأوصلت العديد من الآبار القديمة، وأنفقت أموالاً طائلة لإيصال الماء إلى مكة المكرمة وذلك بإنشاء طريق الحج الكوفي (درب زبيدة) أو طريق زبيدة، وهو مشروع تاريخي ضخم متصل بين مكة المكرمة، والشام والعراق وخراسان. ويشمل برك المياه تتم تغذيتها بطريقة هندسية رائعة من مياه الأمطار والسيول. وأقيم على ضفافها استراحات ونزل لقوافل الحج والتجارة، ومراكز أمن للطريق مازالت قائمة حتى الآن في الكثير من مدن المملكة العربية السعودية والعراق والشام. وكذلك عين زبيدة، حيث أمرت السيدة زبيدة عام (174هـ) بتنفيذ مشروع إيصال المياه للحجاج إلى باطن مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وإلى أحياء مكة لسقيا سكانها.
وللمرأة العراقية إبان العصور الإسلامية إسهامات واسعة في الأوقاف النسائية امتدت لتشمل كل مناحي الحياة الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية. وتمثلت بإنشاء الطرق، والجسور، والقناطر، والمستشفيات، والمساجد، والمدارس، والربط، ودور القرآن والحديث، ومشاريع مياه الشرب، والإنفاق على أعداد كبيرة من العلماء والمدرسين والطلبة والفقراء والأرامل والأيتام، وغير ذلك من أوجه النفع ومجالات الخدمة العامة. وقد بلغ عدد المؤسسات الثقافية والدينية التي قامت المرأة بإنشائها في مدينة الموصل إبان العصر العثماني نحو اثنين وعشرين مؤسسة، بين مسجد ومدرسة ودار قرآن. ويمثل هذا العدد أكثر من نصف منشآت المدينة المشابهة خلال العصر نفسه. كما يلاحظ وفرة الموقوفات التي خصصت للإنفاق على تلك المنشآت الخدمية النافعة، وتنوعها، بين قرى زراعية كاملة، وآبار، وأسواق، ودكاكين، وخانات تجارية، وحمامات، ودور سكنية، وهو ما يشكل ثروة حقيقية تنفق، وفق شروط الواقفات لضمان ديمومة المؤسسات وترميمها وصرف رواتب العاملين فيها.
أما في عصرنا الراهن فتشير الإحصاءات ببيان حجم المشاركة النسائية حين تذكر أنها تبلغ حوالي (25%) من حجم الأوقاف الحالية في العالم الإسلامي، ويبدو أن هذه النسبة تمثل متوسط المشاركة النسائية، وترتفع النسبة في الدول الخليجية حتى تصل إلى (40% )، وهذا يدل على أن نساء الخليج لسن جميعاً على تلك الصورة التي تروج لها وسائل الإعلام، حيث يشغلهن هاجس المشاركة الاجتماعية، وتخفيف العبء عن الشرائح الدنيا في المجتمع.
وتتنوع وقفيات المرأة في الكويت في العصر الحالي من عمارة المساجد والخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، حيث تشير إحدى الدراسات إلى أن عدد الواقفات في الكويت بلغ عددهن (225) واقفة تشمل أوقافهن الأنواع الأربعة التالية من الأوقاف وهي: الذُري، والمساجد، والخيري، والمشترك.
وقد عرفت جدة التاريخية أربطة أوقفتها النساء وهي: رباط سارة نصيف، ورباط باناجه الهانم، ورباط خديجة باعشن، ورباط السيدة شوق، ورباط آمنة نصيف، ورباط حسينة، ورباط زينب رضا وفاطمة رضا وأسماء توفيق، كذلك توجد أنواع أخرى من الأوقاف مثلاً لمساجد.
وقد بينت المحاضرة دور المرأة وأهمية الوقف النسوي في البذل والعطاء والصدقات والإنفاق على أوجه الخير والإسهام في تقديم الخدمات العامة للمجتمع وتحقيق التكافل الإجتماعي. وكيفية قيام المرأة بتأسيس الأوقاف أو الإنفاق واختيار العاملين، وتحديد رواتبهم واختصاصاتهم، وانتقاء أفضلهم وعزلهم عند التأكد من نقص كفاءتهم.
ثانيا: مساهمة المرأة المسلمة في المشاركة بالعمل التطوعي: فمنذ فجر الإسلام وإلى الآن هناك دور مهم للمرأة في العمل التطوعي وتعتبر نماذج أمهات المؤمنين والصحابيات اللائي يقتدى بهن في العمل التطوعي. بدءاً بالسيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها، والتي بذلت جهدها ومالها في مؤازرة الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر الدعوة الإسلامية. وأم المؤمنين زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها، التي قال عنهـــا الرسول صلى الله عليه وسلم “أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً “، فقد كانت رضي الله عنها تعمل بيدها وتتصدق على الفقراء. كذلك الصحابيات مثل الشفاء بنت عبدالله التي كانت تقوم بتعليم نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة السيدة حفصة رضي الله عنها القراءة والكتابة. و”أم عطيه” نسيبة الأنصارية التي غزت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وكانت تخلفهم في رحالهم وتصنع لهم الطعام وتضمد الجرحى وتساعد المرضى. و”أم عمارة” نسيبة بنت كعب المازنية إذ كانت تخرج مع المسلمين في غزواتهم لتزويدهم بالمياه، وتضمد الجرحى وتقاتل دفاعاً عن رسول الله. ورفيدة الأنصارية أو الأسلمية التي كانت تداوي الجراح.
أما صور العمل الخيري التطوعي المؤسسي في المجتمعات المعاصرة في الجمعيات الخيرية، فقد تم إعطاء نموذجين للمرأة أولهما للمرأة المسلمة في استراليا والآخر في المملكة العربية السعودية.
تمثل المرأة المسلمة في استراليا نموذج الأقليات المسلمة، ويعد أول تاريخ لقدوم المهاجرين مع زوجاتهم المهاجرات المسلمات إلى استراليا بعد الحرب العالمية الأولى في عام (1930م)، ويشكلون الآن ثالث أكبر مجموعة دينية بعد المسيحيين والبوذيين وذلك بنسبة ( 5.7% ) من عدد السكان.
وقد ساهمت أولئك النسوة المهاجرات من دول مختلفة في العالم في إنشاء المدارس والمساجد، وكان لهن دوراً كبيراً في التعليم والتوعية، وإنشاء العديد من الجمعيات الخيرية المنتشرة في مدن استراليا الرئيسية. وتركز الأنشطة التطوعية على التعليم والدين للمرأة المسلمة والطفل المسلم، ومساعدة المرأة المسلمة المهاجرة على تعلم اللغة الإنجليزية تحدثا أو كتابة للتمكن من التواصل مع المجتمع، وتوضيح دور المرأة المسلمة الإيجابي للمجتمع وبناء الجسور بين المسلمات وبعضهن البعض، وإنشاء علاقة طيبة بين النساء المسلمات وغير المسلمات، وبين المسلمين والحكومة، وإقامة مبادرات الحوار مع الديانات الأخرى، مع التركيز على الأنشطة التي تحافظ على الهوية الاسلامية.
أما النموذج الثاني فقد كان عن المرأة والعمل التطوعي في المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر، حيث تشكل الجمعيات النسائية الخيرية في المملكة السعودية نسبة ( 6%) من مجموع الجمعيات الخيرية بالمملكة العربية السعودية. إلا أن المرأة في المملكة العربية السعودية تشارك في أنشطة الأقسام النسائية للجمعيات الرجالية، ومساهمتها في بعض الجمعيات المختلطة. وتشمل المجالات التي تساهم فيها
الخيري والديني والثقافي والصحي والأيتام والمعاقين وغيره، بالإضافة إلى مشاركتها في وقف الأوقاف مثل الأربطة والمساجد.
أما توصيات المحاضرة: فقد شملت زيادة الاهتمام بإنشاء جمعيات نسائية جديدة تساهم في أوجه جديدة من العمل الخيري للمساعدة في حل بعض المشكلات الاجتماعية. وزيادة التوعية بالأوقاف وإلقاء الضوء على أنواعها ودورها في المجتمع الاسلامي، ودور المرأة ومساهمتها في وقف الأوقاف. والاهتمام بإنشاء الأوقاف الخيرية المختلفة وفقاً للمشكلات المجتمعية الفعلية (صحية – إسكان – وغيرها)، والتركيز على أهمية دور الأوقاف في تمويل الأعمال الخيرية.
المصدر: موقع وقفنا ـ 22/ 5/ 1436 = 13/ 3/ 2015
0 تعليق