الواقع يؤكد أن بعض الأوقاف لا تتحقق بها مقاصد الشريعة، لا لقصور في الأوقاف ذاتها، بل بسبب مخالفة القائمين عليها لشروط الواقفين، فينفقون غلة الأوقاف في غير ما أراد الواقف، أو يهملون في صيانة الوقف وتجديده، فيصيبه العطب والخراب، وتندثر أصوله، وتتوقف منافعه، ولتفادي هذا الأمر يكون تدخل القضاء ووزارة الأوقاف لتحقيق مصلحة الوقف وشرط الواقف.
تمثل الأوقاف ثروة مالية ومعنوية هائلة جداً، ولو استثمرت هذه الثروات بالطريقة الصحيحة لساهمت بصورة كبيرة جداً في تنمية الاقتصاد، وتدويل الثروات، وتلبية حاجات الفقراء والمعوزين، ودعم الأنشطة الثقافية والفكرية والعلمية، وتشييد المراكز والمشاريع التي تسهم في بناء المجتمع وتنميته.
والمطلوب هو تفعيل دور الأوقاف بحسب من أوقفها، والحفاظ عليها من التعدي والتجاوز، وتحويلها إلى مؤسسة منظمة، تدار بالوسائل الحديثة في الإدارة والتخطيط كي يمكن الارتقاء بالأوقاف إلى مستوى الأهداف والأغراض النبيلة التي من أجلها شجع الإسلام على الوقف كعمل خيري مندوب إليه، وفيه الأجر والثواب الجزيل.
سأتناول هنا محور الطرق المثلى لحث الناس على الوقف وكيفية الحفاظ على الأوقاف واتخاذ التدابير لحمايتها وصيانتها.
وقبل التحدث في هذا المحور سنبين البعد الاقتصادي للوقف ومن المعلوم أن للوقف أبعادا كثيرة منها البعد الاقتصادي، فإنشاء الوقف هو أشبه ما يكون بإقامة مؤسسة اقتصادية ذات وجود دائم. فهو عملية تتضمن الاستثمار للمستقبل، والنماء للثروة الإنتاجية لفائدة الأجيال القادمة، لتوزع على أغراض الوقف خيراتها القادمة بشكل منافع وخدمات أو إيرادات وعوائد. وبما أن الاستثمار حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية فإن طبيعة الوقف الإسلامي ومعظم صوره هي ثروة استثمارية متزايدة. فالوقف في أصله وشكله العام، إنما هو ثروة إنتاجية توضع في الاستثمار على سبيل التأبيد، يمنع بيعه واستهلاك قيمته، ويمنع تعطيله عن الاستغلال، وتجب صيانته والإبقاء على قدرته على إنتاج السلع والخدمات التي خصص لإنتاجها. فالوقف ليس استثماراً في المستقبل فقط، وإنما هو استثمار متنام في الأصل أيضاً.
فكيف نعيد هذا الدور للوقف ؟ وكيف نشجع الناس عليه ؟ وكيف نوضح أهميته في رفد الدولة بمصدر قوي للمساهمة في بناء المرافق الأساسية وسد حاجات الناس؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من بيان أهم الطرق والوسائل لتوضيح أهمية الوقف وتشجيع الناس عليه. من هذه الطرق «الجانب المؤسسي» ويتحقق ذلك بإيجاد القوانين والتشريعات التي تنظم الوقف وتحميه. والانتقال من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي. والاجتهاد الفقهي في المسائل المستجدة للوقف والنظر في المسائل الفقهية التي تعيق سهولة استثمار وتنمية الوقف.
«الجانب الإعلامي» وذلك من خلال نشر الوعي بثقافة الوقف وبيان أهميته وحث الدعاة والعلماء والخطباء المسلمين على التعاون في أمور الوقف، بشرح أهدافه وأغراضه، وترغيب الناس في التبرعات، والمساهمة ولو جزئياً بالقليل، لتنمية الأوقاف، واستثمارها، عن طريق الصدقات، والأوقاف، وخاصة فتح أبواب الوقف الحديث كوقف الأسهم، ووقف النقود.
تقوم الدول والحكومات على تخصيص الأماكن للأوقاف، ليتم استثمارها، وكذلك تخصيص أماكن للأوقاف في المناطق التي تنظمها البلديات والمحافظات، مثلما تخصص أماكن للمدارس، والمستشفيات، وساحات النزهة والترفيه.
الدعوة لإنشاء صناديق وقفية لدعم المشروعات الاجتماعية، والعلمية، والصحية.
تفعيل وإيجاد برامج متنوعة –حسب مختلف وسائل الإعلام المقروءة، والمرئية، والمكتوبة، والمسموعة- لتعريف المسلمين بأحكام الوقف الصحيحة، وغاياته السامية، وبث روح المبادرة إلى إنشاء أوقاف جديدة من جهة، ومتوافقة مع روح العصر والتطور من جهة ثانية، لما ثبت من الأجر العظيم لهذا العمل، وما يقدمه من مساهمات كبيرة لنهضة الأمة، وتقدمها، مع تحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين.
«الجانب الاستثماري» وذلك بطرح الوسائل الاستثمارية الحديثة على الأوقاف، كسندات المقارضة، والاستصناع، والمشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك، والإجارة المتناقصة المنتهية بالتمليك أو البيع التأجيري، والتمويل بالمرابحة، والتمويل بإضافة وقف جديد للوقف القديم، والاقتراض للوقف، والصناديق الوقفية، والأسهم الوقفية.
ويكون الاستثمار لأموال الوقف باختيار الأفضل والأنسب، وفتح الأبواب أمام مؤسسة الوقف لتختار ما تراه صالحاً حسب الأزمان والأحوال والظروف، مثل الاستثمار العقاري، وإنشاء المشروعات الإنتاجية، والمشروعات الخدمية، والمساهمة في رؤوس الأموال، والحسابات الاستثمارية، والأوراق المالية، والمؤسسات المالية الإسلامية، والأنشطة الزراعية.
وتوجه هذه الأوقاف لتأسيس جامعات ومعاهد وكليات علمية، وبناء مستشفيات خيرية، وبناء مراكز ثقافية وعلمية ومعرفية، ودعم الموهوبين لإكمال دراساتهم العليا في التخصصات المهمة كالطب والاقتصاد والهندسة و….، وتهيئة مساكن للفقراء والمحتاجين، وتأسيس صناديق خيرية لتزويج الشباب والفتيات لإكمال نصف دينهم، والقضاء على الفقر والمرض والجهل.. وغير ذلك كثير.
إن الأوقاف الجديدة يجب أن تتجاوز الحالة التقليدية في أهداف وأغراض الأوقاف، بحيث تلبي الاحتياجات الجديدة للمجتمع، وعدم الوقوف عند الأغراض والأهداف التي أُشبعت وقفاً منذ عهد قديم، فأبواب الخير والبر والإحسان كثيرة ومتعددة، وإذا كان الواقفون في الأزمنة الماضية قد غطوا حاجات زمانهم، فإن المطلوب من الواقفين الجدد أن يلبوا احتياجات أهل زمانهم، وأن يختاروا أهدافاً لأوقافهم تتفق مع متطلبات زمنهم وعصرهم ومجتمعهم.
ومجتمعنا اليوم بحاجة إلى أوقاف استراتيجية قادرة على خدمة التنمية والتطوير والتقدم في مختلف الميادين؛ وهو الأمر الذي قد تعجز عنه طاقة الأفراد مهما أوتوا من ثروة وإمكانيات، ولذلك فإن القيام بتأسيس أوقاف كبيرة وعملاقة يشترك في وقفها مجموعة من الواقفين «أوقاف الشركة» تكون قادرة على تلبية متطلبات وحاجات العصر، هو الخيار الاستراتيجي في عصرنا.
وحتى يتشجع الناس للوقف، يتوجب علينا توضيح كيفية الحفاظ على الأوقاف وحمايتها، فحمايةِ الوقفِ تكون من خلال عدة جوانب تتمثل في «الجانب التَّشريعيِّ (قانونيّ- قضائيّ)» فصدور قانون الأوقاف الذي حدد الشخصية الاعتبارية للوقف، فالوقف الإسلامي -بصفته المؤسسية- غير مملوك لإدارته التي سجل باسمها، بل يسجل الوقف بصفته الوقفية لأنه ليس مسؤولاً عن نتائج وتصرفات المتولين عليه، وهذا يجعل له شخصية اعتبارية مستقلة يكسبها وذلك بسن أنظمة تحفظ حقوقه، وتسهل إدارة أصوله، وتنمية موارده، وصرف ريعه في مصارفه الشرعية، وفقًا لشروط الواقف، وتحقيقًا لأهداف التنمية الشاملة.
و«الجانب التَّنظيميّ وَالإداريّ»، حيث يشكل تنظيم وإدارة الوقف أهم الركائز لحمايته ويقصد بالتنظيم الإداري بيان أُطُر ونظم تنفيذ الأعمال وتحديد مراكز السلطة والمسؤولية، ورسم خطوط انسياق الأداء والبيانات والمعلومات وآلية اتخاذ القرارات في إطار متناسق بما يساعد في أداء الأعمال داخل المؤسسة بكفاءة ورشد لتحقيق مقاصدها المستهدفة.
وتتنوع الإدارة بحسب المؤسسات فمنها إدارة الأعمال التي تطبق في المشروعات الاقتصادية، والإدارة العامة التي تطبق في الوحدات الحكومية، وإلى جانب ذلك يوجد ما يعرف بالقطاع الثالث الذي يجمع بين خصائص القطاع الخاص والقطاع الحكومي وهو ما يدخل فيه الوقف الذي يتميز بعدة خصائص يجب مراعاتها عند إدارته•
فملكية الأموال الوقفية تدور بين ملكية خاصة لبعض الناس أو ملكية عامة لمجموع الناس، والوقف يجمع بين الصفتين فأمواله أموال خاصة ذات نفع عام، والخصوصية هنا تقتضي إدارة أموال الوقف إدارة اقتصادية لتحقيق أفضل عائد ممكن مما يجعلها تدخل في نطاق إدارة الأعمال، أما صفة العام فتتمثل في إنفاق عائد الوقف للمستحقين مجانا أو بدون مقابل لخدمة المجتمع مما يجعلها تدخل في مجال الإدارة العامة.
وللوقف أهداف متعدد تتمثل في المحافظة على أمواله لتحقيق استمراريتها بنفس الطاقة الإنتاجية، وفي تحقيق أفضل عائد ممكن لإنفاقه في وجوه الخير، وهو بذلك يتشابه مع أهداف القطاع الخاص، ويوجد هدف آخر وهو الخدمات التي يقدمها الوقف للمجتمع دون مقابل، وهو بذلك يتشابه مع القطاع الحكومي وبالتالي تتعدد مسؤولية إدارة الوقف بتعدد الأهداف.
و«الجانب الرَّقابيِّ»، و تكون الرقابة من الجهة الحكومية متمثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية والقضاء، فالواقع يؤكد أن بعض الأوقاف لا تتحقق بها مقاصد الشريعة، لا لقصور في الأوقاف ذاتها، بل بسبب مخالفة القائمين عليها لشروط الواقفين، فينفقون غلة الأوقاف في غير ما أراد الواقف، أو يهملون في صيانة الوقف وتجديده، فيصيبه العطب والخراب، وتندثر أصوله، وتتوقف منافعه، ولتفادي هذا الأمر يكون تدخل القضاء ووزارة الأوقاف لتحقيق مصلحة الوقف وشرط الواقف.
وآخرها «الجانب التَّنمويّ» إذ لابد أن يتصف الوقف بصفة التجديد والاستدامة، للحفاظ على أصل الموقوف الذي يتطلب تنمية وعمارة ذات بعدين، بعد يكون عن طريق استغلال الوقف وصيانته وعدم السماح بالتعديل وخرابه. وبعد يقتضي تسبيل ثمرات العين الموقوفة واستثمار منافعها، حتى لا تنضب هذه المنافع وتندثر بمرور الوقت، فمن خلال الاستثمار تجدد العين الموقوفة وتبقى منافعها مستمرة في التدفق بما يخدم مصلحة الوقف والجهة الموجهة إليه.
في الختام لا بد من تظافر الجهود لإبراز أهمية الوقف ومكانته وسبل تنميته وتطويره وإيجاد أفكار إبداعية غير تقليدية، والتشجيع على إنشاء شركات ومؤسسات وقفية ذات رؤوس أموال كبيرة تخدم الاستراتيجيات الوطنية التي تضعها الدولة.
المصدر: صحيفة عُمان اليومية – 6/ 11/ 1437 = 9 / 8/ 2016
0 تعليق