بقلم: الدكتور إبراهيم البيومي غانم
(السطور التالية جزء من محاضرة بعنوان “المجتمع المدني في ضوء المقاصد العامّة للشريعة” نشرها سنة 2007 مركزُ دراسات مقاصد الشريعة الإسلاميّة التابع لمؤسّسة الفرقان للتّراث الإسلاميّ ما بين صفحتي 146 ـ 152 من مجموعة محاضرات في كتاب عنوانه “مقاصد الشريعة وقضايا العصر”. حيث توصّل الباحث والخبير الوقفيّ المرموق الدكتور إبراهيم البيومي غانم إلى أنّ الغاية من الوقف تحقيق مقاصد الشريعة، وأنّ الفقهاء بذلوا جهودا مضنية لوضع أصول البناء المؤسسي لنظام الوقف…):
إذا دققنا النظر في السجل التاريخي لنظام الوقف الذي عرفته مجتمعاتنا منذ فجر الإسلام سيتضح أنه كان نظامًا فرعيًا بحد ذاته متكامل الأركان الإدارية، والتشريعية، والوظيفية، وكان موظفًا بكامل أركانه في خدمة تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، وكان أيضًا قاعدةً ماديةً ومعنويةً لبناء كثير من مؤسسات المجتمع المدني ودعم سياسات التنمية الدائمة؛ وذلك على امتداد مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وبالرجع إلى تراث الوقف الفقهي وسجله التاريخي يتضح كذلك أن فعاليات الوقف قد غطت مختلف المجالات العلمية والتعليمية، والصحّية، والخدمية؛ وحتى الترفيهية. والذي لا يقل أهمية عن هذا وذاك هو أن التجارب التاريخية أثبتت أيضًا أن نظام الوقف كان أحد الابتكارات المؤسسية الإسلامية التي جسّدت الشعور الفردي بالمسؤولية الجماعية، ونقلت هذا الشعور من المستوى الفردي الخاص إلى المستوى الجماعي العام، وذلك بملء الإرادة الحرّة للمحسنين وفاعلي الخير من أبناء الأمة، ومن ثم يمكن القول أن مهمات التنمية كانت مسؤولية مشتركة بين المجتمع بفعالياته المختلفة، وبين الدولة بمؤسساتها وأجهزتها المتنوعة.
إذا رجعنا إلى الشاطبي ـ مؤسس علم المقاصد ـ سنجد أنه قد أكّد على أن المصالح المعتبرة هي مقاصد الشريعة، أو هي مضمون هذه المقاصد، دنيوية كانت أو أخروية، كلّية تتعلق بمصالح الجماعة أو ببعض فئاتها، أو جزئيةً تتعلق بأفرادها أو ببعضهم. وأن لكل مصلحةٍ أو مقصدٍ وسيلة أو وسائل لتحقيقه. وقد عرفنا المقاصد الشرعية بأنها هي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، أما الوسائل فهي ” الطرق المفضية إليها”، أو هي: “الأحكام التي شُرعت لأن بها تحصيل أحكام أخرى … إذ بدونها قد لا يحصل المقصد، أو يحصل معرضًا للاختلال والانحلال”. ومن هذا يتبين بجلاء أن الوقف ـ وسائر عقود التبرعات ـ هي من وسائل المصالح (المقاصد) ، الضروري منه، والحاجي، والتحسيني، ومن هنا كان تعلّقه بنظرية المقاصد، ومن هنا أيضًا تلقته الأمة بالقبول، وانتشر العمل به في مختلف الأقطار والأمصار بالرغم من أن التوجيه الشرعي الخاص به قد جاء على سبيل الندب، وليس على سبيل الوجود أو الفرض. وما كان هذا القبول وذلك الانتشار إلا أثرًا من آثار تعلقه بمقاصد الشريعة السمحة. ولعلنا نزيد فنوق إن قوة الوقف وفعاليته ارتبطت بنضج الوعي الاجتماعي بالمقاصد الإنسانية للشريعة، فكان ازدهاره مؤشرًا على مراعاة تلك المقاصد وما تتضمنه من مصالح، والعكس كان بالعكس.
ولعل من أهم ما أسهم به “الفقه” في بناء نظام الوقف هو إرساء أسس فاعلية هذا النظام؛ من خلال تأصيل الفكرة المجردة للوقف، وهي فكرة الصدقة الجارية، وأيضًا من خلال تفصيل الأحكام المتعلقة بالإجراءات والتنظيمات المشخصة لهذه الفكرة في الواقع الاجتماعي.
والملاحظ أن “باب الوقف” هو من الأبواب الثابتة في جميع مصادر الفقه الإسلامي بجميع مذاهبه ـ السنية والشيعية ـ وهو مليء بالاجتهادات والآراء والأفكار التي عالج مسائل الوقف من مختلف الجوانب، وبالبحث في التاريخ المعرفي لفقه الوقف تبيّن لنا أنه كان أول فرع من فروع الفقه الإسلامي يستقل بذاته، وتُفرد له مؤلفات خاصة به، وذلك منذ منتصف القرن الثالث الهجري على يد هلال بن يحيى المعروف بهلال الرأي (ت 245هـ) ومن بعده بقليل من السنوات أبو بكر الخصاف الحنفي (ت 261 هـ) الذي ألّف أشهر كتاب في هذا الموضوع وهو كتاب “أحكام الأوقاف”.
ويستفاد من فقه الوقف ـ بدون الدخول في تفاصيله وتفريعاته ـ أن الفقهاء قد بذلوا جهودًا مضنية لوضع أصول البناء المؤسسي لنظام الوقف على النحو الذي يحافظ على حرمته، ويضمن له استمرار النمو والعطاء؛ اللذان يكفلان تحقيق الغاية منه في تحقيق مقاصد الشريعة. وتتلخص تلك الأصول في ثلاثة مبادئ كبرى هي:
1ـ احترام إرادة الواقف. و”إرادة الواقف” المقصود هنا هي التي يقوم بالتعبير عنها ـ في وثيقة وقفه ـ في صورة مجموعة من الشروط التي يحدد بها كيفية إدارة أعيان الوقف، وتقسيم ريعه، وجهات الاستحقاق من هذا الريع، ويطلق على تلك الشروط في جملتها اصطلاح “شروط الواقف”، وقد أضفي الفقهاء عليها صفة الإلزام الشرعي فقالوا إن “شرط الواقف كنص الشارع” في لزومه ووجوب العمل به. وعلى ذلك نظروا إلى وثيقة الوقف (الحجة) باعتبارها “دستورًا” واجب الاحترام، وأن أحكامه واجبة التطبيق، ولكنهم حددوها بأن تكون محققة لمصلحة شرعية، وموافقة للمقاصد العامة للشريعة، وأبطلوا كل شرطٍ يؤدي إلى إهدار مصلحة معتبرة؛ وبذلك توفرت للأوقاف ومؤسساتها حماية شرعية، وحرمة معنوية؛ وكانت ـ هذه وتلك ـ من عناصر فاعليتها، ومن أهم أسباب زيادة الطلب الاجتماعي لها.
2ـ اختصاص السلطة القضائية بالولاية العامة على الأوقاف. حيث قرر الفقهاء أن الولاية العامّة على الأوقاف هي من اختصاص السلطة القضائية وحدها دون غيرها من سلطات الدولة، وتشمل هذه الولاية؛ ولاية النظر الحسبي أو ما يسمى بالاختصاص الولائي، وولاية الفصل في النزاعات الخاصة بمسائل الأوقاف، أو ما يسمى بالاختصاص القضائي. ويشمل الاختصاص الولائي الذي يشمل شؤون النظارة على الوقف وإجراء التصرفات المختلفة المعلقة به؛ بما في ذلك استبدال أعيانه عند الضرورة ـ والإذن بتعديل شروط الواقف ـ أو بعضًا منها ـ والحكم بإبطال الشروط الخارجة عن حدود الشرع وفقًا لمقاصده العامة .. الخ.
ومن الواضح أن مثل تلك التصرفات من شأنها التأثير في استقلالية الوقف، ومن ثم في فاعلية الأنشطة والمؤسسات التي ترتبط به، وتعتمد في تمويلها عليه، ولهذا أعطى الفقهاء للقضاء ـ وحده دون غيره ـ سلطة إجراء التصرفات في الحالات التي تعرض للوقف بما يدفع عنه الضرر ويحقق له المصلحة؛ باعتبار أن لقضاء هو المختص بتقدير مثل هذه المصالح، ولكونه أكثر الجهات استقلالية، ومراعاة لتحقيق العدالة وعدم تفويت المصلحة العامة والخاصة، وأيضًا لعدم تمكين السلطة التنفيذية للدولة من التدخل في شؤون الوقف، وعدم إتاحة الفرصة لها لاتخاذ بعض الحالات الطارئة التي تعرض له ذريعة للاستيلاء عليه، أو إساءة توظيفه، أو إعاقة فعاليته.
3ـ تمتع الوقف بالشخصية الاعتبارية. يستفاد من أحكام فقه الوقف وتفاريعه ـ لدى جميع المذاهب الفقهية ـ أن الوقف يصبح محلاً لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات متى انعقد بإرادة صحيحة صادرة من ذي أهلية فيما يملكه، ومتى كان متجهًا لتحيق غرض مشروع من أغراض البر والمنافع العامة أو الخاصة، وينطبق ذلك على أعيان الوقف وعلى المؤسسات والمشروعات التي تنشأ تحقيقًا لأغراض الواقف وشروطه.
إن إقرار الشخصية الاعتبارية للوقف كان بمثابة ضمانة تشريعية وقانونية تدعم الضمانتين السابقتين، وتضاف إليهما للمحافظة على استقلاليته واستمراريته وفعاليته في آن واحد، وذلك لأن وجود ذمة مستقلة للوقف لا تنهدم بموت الواقف كان من شأنه دومًا ـ أن يحفظ حقوقه في حالة تعرضه للغصب، أو الاعتداء، حتى ولو كان من قبل السلطات الحكومية، ومن ثم كان من الصعب جدًا إقدام تلك السلطات على إدماج الوقف ومؤسساته في الإدارة الحكومية أو إخراجها عن إطارها الشرعي والوظيفي الذي أنشئت من أجله.
4ـ العالمية هي أعلى مراحل تحقق مقاصد الشريعة
إن الأفق الطبيعي والواسع الذي تفتحه نظرية المقاصد هو أفق ما يسمى “المجتمع المدني” على المستويين المحلي والعالمي، وما يتعلق بذلك من مهمات تنموية وعمرانية، وسنجد كلما أرسلنا النظر إلى أبعاد هذا الأفق أن النزعة الإنسانية العميقة الكامنة في نظام الوقف ومنظومة العمل الخيري المستندة إلى أصول الشريعة ومقاصدها هي ما تسعى إليه نظرية المجتمع المدني المحلي والعالمي، أو هي ما يجب أن تسعى إليه في تجلياتها المعاصرة على المستوى المعرفي أو الفلسفي على الأقل، وسنجد أيضًا أن بالإمكان أن نسهم في بلورة هذه النظرية بإظهار الأبعاد الإنسانية في النظم الإسلامية، ومنها الوقف ومنظومة العمل الخيري ومقاصدها الشرعية؛ وذلك إذا أعدنا فهم نظرية مقاصد الشريعة، وسعينا لربطها بالواقع، وتغذية الوعي بها، والالتزام بتوجيهاتها في التشريعات، وفي المشروعات والبرامج وفي بناء الأولويات ورسم السياسات؛ حيث أن مقاصد الشريعة مبنية على الفطرة الإنسانية، وهدفها العام هو حفظ نظام العالم واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان.
وختامًا أقول: إن ما قدمته في هذه المحاضرة ليس إلا فاتحة للكلام في موضوع على درجة كبيرة من الأهمية من الناحيتين النظرية والتطبيقية. وأن علينا أن نبذل كل ما في وسعنا للكشف عن المعاني المدنية والإنسانية العميقة لنظرية المقاصد العامة للشريعة. وإذا كان هدف المقاصد هو حفظ نظام العالم واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان، فإن مقاصد الشريعة لا يمكن أن تبلغ كمال تحققها إلا على مستوى عالمي، وإن موضوع المجتمع المدني، على المستويين المحلي والعالمي، هو أحد الموضوعات التي تتجلى فيها مقاصد الشريعة بكل أبعادها المدنية والإنسانية. وإنسانية الإسلام هي جوهر رسالته التي جاءت “رحمة للعالمين”.
المصدر: موقع وقفنا ـ 6/ 12/ 1437 = 7/ 9/ 2016.
0 تعليق