الأستاذ/ محمد ناصر داود صالح ( جودات). مدير مركز اقرأ للتدريب المهني وأستاذ نظم المكتبات والمعلومات فيه ـ الجامعة الإسلامية ـ النيجر.
(الموضوع جزء من بحث بعنوان “أثر الوقف الخيري بإفريقيا جنوب الصحراء في النهضة العلمية ـ قراءة في تجربة الوقف التعليمي بالجامعة الإسلامية بالنيجر” تقدّم به الباحث إلى مؤتمر: أثر الوقف الإسلامي في النهضة العلمية الذي أقامته كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة بإمارة الشارقة من دولة الإمارات العربية المتحدة في مايو2011. وتناوله من خلال أربعة عناصر؛ هي: المدخل. وقراءة في ذاكرة الوقف الخيري بإفريقيا جنوب الصحراء؛ وهو المنشور هنا. وقراءة في تجربة الوقف التعليمي بالجامعة الإسلامية بالنيجر. وخاتمة البحث (مقترحاته وملاحقه). رقّم الباحث الحواشي ترقيما متسلسلا، والترقيم في هذا الجزء يبدأ برقم(6) فليلاحظ.)
قراءة في ذاكرة الوقف الخيري بإفريقيا جنوب الصحراء:
عرفت إفريقيا جنوب الصحراء العمل الخيري بكل صوره وأشكاله قديما وحديثًا، وبالأخص الوقف التعليمي منذ أن عرفت الإسلام بدخوله إلى أراضيها في قرنه الأول(6)، وذلك باعتبار أن التعليم مقصد أساسي من مقاصد الشريعة، وعليه تدور مقاصدها الأخرى الساعية لتوطيد دعائم التنمية البشرية المستدامة.
وتأسست على هذا المبدأ ممالك إسلامية(7) تولت الدعوة إلى الإسلام في أدغال إفريقيا، وكان في مقدمتها دولة غانة التي يعود تأسيسها إلى القرن الأول الهجري، وقد وصفها أبو عبيد البكري وهي في قرنها الخامس الهجري بـ”أن تراجمة الملك وصاحب بيت ماله وأكثر وزرائه ومن يتولون إدارة دواوينه كلهم من المسلمين لأنهم وحدهم الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة بالعربية”(8). واستولى المرابطون في القرن الخامس الهجري على هذه المملكة وعينوا عليها ملكًا وجعلوها مملكة إسلامية … وفي نفس هذه الفترة أنتشر الإسلام في بلاد كانم (السودان الأوسط) فتحولت إلى دولة إسلامية… وعلى أنقاض غانا قامت مملكة ملِ أو مالي التي شُهد فيها نهضةٌ علميةٌ لا سابق لها في عهد سلطانها موسى ابن أبي بكر الذي اعتنى بشأن العلم والعلماء وأسس مدنًا منها: تنبكتو وجاو وجني ومالي العاصمة(9)، أصبحت هذه المدن ـ فيما بعد ـ مراكز للإشعاع الحضاري الإسلامي في الإقليم، وتلا ذلك ـ وفي فترات متلاحقة ـ مجموعة من الممالك الإسلامية التي ذاع صيتها في الاهتمام بالعلم ومؤسساته والدعوة إلى الإسلام، منها: دولة سنغي في مالي، ومملكتي وداي وباقرمي في تشاد، والخلافة الصكوتية التي أسسها الشيخ عثمان بن فودي في نيجيريا وأجزاء من النيجر والكميرون، ودولة مسينا في مالي وأجزاء من بوركينا فاسو الحالية، والحركة الفوتوية في السنغال …، ولقد كان لكل هذه الممالك والإمارات دورها الكبير في وقف مقومات التعليم من علماء وكتب ومكتبات … ومؤسسات تعليمية من كتاتيب وزوايا ومساجد … نتناولها فيما يلي:
المؤسسات الوقفية التعليمية ومقوماتها في إفريقيا جنوب الصحراء.
1ـ المسيج (الخلوة/الكُتاب):
يقوم المسيج (10) أو الخلوة القرآنية مقام المسجد في القرى الصغيرة ومنازل البدو ومضاربهم، وفي حارات المدن الكبيرة، ويمثل المؤسسة التعليمية الابتدائية في التعليم العربي والإسلامي، وفيه يلقن الشيوخ الأهالي (كبارا وصغارا) حفظ القرآن ومبادئ علوم التوحيد وقواعد اللغة العربية (11)…، وكان يرتب لتلاميذ ومعلمي هذه المرحلة أرزاق وأعطية من ريع الأوقاف وأموال الصدقات من أملاك الحكام والمحسنين … مع إعانة نصف السنة التي يوزعها القاضي نيابة عن السلاطين على مستحقيها، وتتألف من كمية من الزيت والحبوب والشمع والبخور والحيوانات(12). وقد ذكر البكري “أن بغانة مدينتين كبيرتين إحداهما: يسكنها المسلمون وبها إثنا عشر مسجدا؛ أحدهما يجمعون فيه، ولها الأئمة والمؤذنون، وفيها فقهاء وحملة علم. وثانيهما: وثنية يسكنها الملك وفيها مسجد يصلي فيه من يفد عليه من المسلمين على مقربة من مجلسه”(13)، وقوله: “يجمعون فيه” أي يصلون فيه صلاة الجمعة، مما يعني أن بقية المساجد الإثني عشر كانت عبارة عـن خلاوي/كتاتيب وليست مساجد جامعة. وطلبة العلم بعد إكمال هذه المرحلة يتجهون للمساجد الجامعة من أجل إكمال دراساتهم العليا.
ولما توجه ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري إلى دولة مالي وجد “أن أهلها ـ في كتاتيبهم ـ إذا رأوا تقصيرا من أبنائهم في حفظ القرآن جعلوا عليهم قيودا لا تفك عنهم حتى يحفظونه”.
وقد ذكر الشنقيطي أن “عدد مدارس الصبيان في بداية دخول المغاربة إلى إفريقيا كانت تتراوح ما بين مائة وخمسين، ومائة وثمانين مكتبا… وأن عدد الألواح بالكُتاب الذي زاره مائة وثلاثة وعشرون لوحا … وأن أولياء الأمور كانوا يدفعون حق الأربعاء، وهي رسوم للدراسة غير محددة يدفعونها للمعلم حسب استطاعتهم … وحصل المعلم في ذلك اليوم على 1,725 ودعة.(14)
2 ـ قصور السلاطين وبيوت العلماء:
اتخذ بعض العلماء بيوتهم كمدارس يفد إليها الطلاب مـن كل حوب وصوب مع قلة المساجد الجامعة في بعض المناطق، كما أن بعض الأمراء والسلاطين اتخذوا لأنفسهم معلمين يقومون بتعليمهم في قصورهم، وقد أشتهر ملوك كانم بذلك. وكان سكان القصر وحاشيته وأبناء السلطان أو الأمير والمقربين وغيرهم يحضرون تلك المجالس العلمية، ومن أمثلة هؤلاء في بلاد كانم “السلطان حُمِّي جِلْمي (1085ـ1097م)، وقد تتلمذ في قصره على يد العالم محمد بن ماني الذي اقترن اسمه بدخول الإسلام في بلاد كانم، نظرا لما قام به من مجهود كبير فـي تعليم سلاطين المملكة وتدريسهم وتأديب أبنائهم في قصورهم … ولقد منح لقاء ذلك أراض شاسعة خصبة ليعيش منها وتبقى ملكيتها لأبنائه وسلالته من بعده إلى الأبد (15).
. ومن العلماء الذين درسوا في قصور السلاطين الإمام عبد الله دكي بن بكور، وقد درس عليه السلطان نجالما دكو الذي حكم كانم بين (1196 ـ 1221م) (16).
ومن التقاليد المرعية عند ملوك كانم إقامة المساجد داخل قصورهم للصلاة والتعليم. ولم تزل قصور الأمراء والسلاطين إلى يومنا هذا يفسر فيها القرآن، ويشرح الحديث النبوي الشريف بخاصة في شهر رمضان.
وكانت النشاطات التعليمية تمارس أيضا في بيوت شيوخ الرؤساء ـ وهو لقب يطلق على معلمي الحرف والمهن ـ ويتعلم فيها الطلاب صناعة السفن والسيوف والحراب والأواني والجرار… والخياطة (17).
3 ـ الزوايا:
يحرص فيها على حفظ القرآن الكريم وتعليم التصوف ومبادئ الكتابة باللغة العربية مع بعض العلوم الإسلامية الأساسية، وغالبا ما تكون وقفًا في سبيل الله من قبل شيخ الزاوية نفسه. ومن أشهر هذه الزوايا في الإقليم، زاوية كنتا البكائية في القرنين (12ـ13هـ)، وقد أسسها الشيخ المختار الكنتي في منطقة تنبكتو وغاو(18). وقال الشنقيطي عن أهل الزوايا: “إنه لا يوجد من بينهم ذكر ولا أنثى لا يقرأ ولا يكتب، وإن وجد في قبيلة غير ذلك فإنه نادر بحيث لا يوجد في المائة إلا واحد على تقدير وجوده (19). ولقد لعبت الزوايا بمختلف طرقها الصوفية دورا كبيرا في النهضة العلمية ونشر رسالة الإسلام في الإقليم، ولها وظائف اجتماعية خيرية؛ منها استضافة حجاج بيت الله الحرام أثناء رحلتهم للحج، ولقد جاء على ذكرها كثير من العلماء في رحلاتهم خاصة إلى الحج، ومن الرحلات التي رصد فيها الكثير من الزوايا رحلة ابن الطيب الشرقي (الفاسي) … وغيرها.
4 ـ المساجد الجامعة:
وظيفة المساجد لم تكن في السودان الأوسط والغربي جنوب الصحراء مغايرة للوظيفة التي اعتمدها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وسار عليها من بعده الصحابة والتابعون، فقد كانت دورا للعبادة ومعهدا للتعليم العالي ورباطًا تنطلق منه جيوش الجهاد، ودارا للقضاء، ومكانًا لاستقبال الملوك وزعماء القبائل (20)… وعلى هذا الأساس كانت المساجد الجامعة في إقليم إفريقيا جنوب الصحراء، وكان أشهرها وأكثرها تأثيرا في النهضة العلمية في الإقليم المسجد الجامع بمدينة أغدس، ومساجد تنبكتو وجاو وجني ومالي العاصمة، وصكتو، وكانو، وأبشة… وغيرها.
ويتصدر الجانب الخاص بالإنجاز العلمي والحضاري والثقافي السلطان موسى بن أبي بكر الذي أوقف في عهده عددا كبيرا من المساجد والجوامع والقلاع في كبريات مدن دولته مثل: تنبكتو وجاو وجني ومالي العاصمة، وجلب المهندسين من أمثال المهندس أبي إسحاق الساحلي الأندلسي؛ فبنى المآذن على الشكل الهرمي لأول مرة في الإقليم … وأستخدم الطوب الأحمر المحروق في البناء، فأدخل بذلك أنواعا من الطراز المعماري لم تكن معروفة من قبل (21).
ولقد كان لمراكز الإشعاع الحضاري بإفريقيا جنوب الصحراء علاقة وطيدة بنظيراتها في الشمال الإفريقي بدءا بالقيروان والزيتونة بتونس والقرويين بفاس والأزهر الشريف بمصر، حتى أنك تجد إلى يومنا هذا ـ كما في الأزهر الشريف ـ أروقة خاصة بأهل السودان كرواق السنارية نسبة إلى مملكة سنار في السودان، ورواق التكرور ورواق البرنو نسبة إلى بلاد كانم ـ برنو … وغيرها.
ولا شك في أن وقف جامعة سنكري قد تصدر منارات العلم والعبادة في غرب ووسط إفريقيا جنوب الصحراء؛ وهو يختص بمرحلة التعليم العالي وله الريادة في ذلك، ويعكف عليه صفوة من العلماء والمتفقهين.
وما يميز هذه المرحلة أنه يتم فيها التوسع في الشروح والتفاصيل وتناقش فيها المسائل على مستوى أمهات الكتب من المؤلفات الكبيرة، ويمنح فيها الطالب الإجازة في العلم الذي تفنن فيه بعد نهاية دراسته بنجاح (22). وقد ذكر عبد الرحمن السعدي أن التي قامت ببنائه سيدة غلالية فاضلة تملك ثروة كبيرة فأوقفت جزءا منها لبناء المنارة، ولا يعرف تاريخ بنائه بالضبط ، ويميل بعض المؤرخين إلى القرن الخامس عشر الميلادي، ولكن الثابت أن القاضي العاقب جدد بناء المسجد سنة 986 هـ (23). وذكر”أنه أنفق فيه ما لا يحصيه إلا الله طلبا للأجر، وقيل إنه كان يدفع كل يوم ما يقرب من أربعة وستين مثقالاً” (24)، وقد ضم مكتبة بها الآلاف من العناوين والمجلدات محبوسة لفائدة طلاب العلم والعلماء، حرق معظمها في الغزوة التي قامت بها الدولة السعدية، والتي قتل فيها بعض العلماء، وقادوا جزءا منهم مربوطين بالسلاسل إلى مراكش و، كان من بينهم العالم العلامة أحمد بابا التنبكتي (25) (963 ـ 1036هـ) الذي درس بعد إخلاء سبيله في جامع الشرفاء في مراكش في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، وذكر أنه نهبت له في هذه المحنة ألف وستمائة مجلد، وقال: أنا أقل عشيرتي كتبا.
. وورد في تاريخ السودان للسعدي أن ملك مدينة جني (القرن السادس الهجري) عندما أراد إشهار إسلامه جمع أربعة آلاف ومائتي عالم من العلماء حتى يشهدوا على إسلامه. وذكر الوزير جنيد ابن محمد البخاري في ضبط الملتقطات (26) أن ملك غوبر (القرن التاسع عشر الميلادي) أرسل إلى جميع علماء مملكته ـ وهي مملكة صغيرة للغاية ـ لمناظرة الشيخ عثمان بن فودي، وفاق عددهم ألف عالم. ووجود أهل العلم والعلماء بهذه الكثرة في بلاد السودان الغربي والأوسط جنوب الصحراء يدل على التأثير الإيجابي للأوقاف الخيرية التعليمية في انتشار العلم والمعرفة، غير أننا لم ندرك من آثارهم العلمية إلا قليلا.
ولقد تخرج في هذه الأوقاف التعليمية مجموعة من العلماء، تركوا لنا آثارا علمية تفخر بها خزائن الكتب في إفريقيا جنوب الصحراء، التي تضم أعمالاً علمية وأدبية هامة وقيمة، دلت على مدى تمكنهم وتضلعهم في مختلف أنواع العلوم، نذكر منها: كتاب الدرر اللوامع ومنار الجوامع فـي علـم الصرف للشيخ أبو بكر الباكروم، وتاريخ السعدي، وتاريخ الفتاش لمحمود كعت، ونيل الابتهاج بتطريز الديباج وتاريخ مملكة كانم وسلاطينها لأحمد بابا التنبكتي، وضياء التأويل في معاني التنزيل، وألفية الأصول والبحر الوسيط للشيخ عبد الله بن فودي الذي كان يلقب بـ ” عربي السودان”، وإنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور لأمير المؤمنين محمد بلُّو الذي أوقف مدينة سالامي (السلام)، وأراد لها أن تكون قيروان زمانها وتنبكتو أوانها، وجعل العالم المغمور أبا عبد الرحمن المصطفى بن محمد التورودي عميدا عليها، وأوقف عليها مكتبة أحرقها المستعمر وسرق البعض الآخر من محتوياتها مـن المخطوطات والتحف التاريخية النادرة بعد سقوط خلافة صكتو، إلا أن ما تبقى من هذه المكتبة لا يزال مع أحفاد الشيخ المصطفى التورودي، وهي الآن معروفة باسم: “مكتبة الشيخ عبد القادر بن المصطفى” وقفا في سبيل الله (27) في خدمة الباحثين وطلاب العلم … وكتاب ضبط الملتقطات للوزير جنيد بن محمد البخاري ( 1326ـ1417 هـ / 1906ـ1997م)، الذي خلف لنا أكبر مكتبة معاصرة من المخطوطات تضم أكثر من 4000 مخطوط ـ معظمها نسخ أصلية ـ في بيت الوزارة بصكتو وقفًا في سـبيل الله … استفاد منها باحثون كبار من أمثال جين بويد ومري لاست والبروفيسور أحمد محمد كاني … ولم يزل وقف هذه المكتبة يمثل ركيزة أساسية في البحث العلمي المرتبط بالثقافة الإسلامية واللغة العربية في المنطقة …
وغير هؤلاء من العلماء وأعمالهم التي لم تطبع ، ولم تر النور بنشرها، ولم تزل حبيسة خزائن المكتبات ورفوفها؛ فقد كانوا مؤلفين وعلماء وشعراء أدباء لهم المقدرة الفائقة على التأليف نثرا ونظما باللغة العربية وبلغاتهم المحلية المكتوبة بالحرف القرآني، ويتمتعون بنفس طويل في النظم يثير الدهشة والإعجاب . فقد نظم الشيخ عبد الله بن فودي مثلاً موسوعة البحر المحيط في النحو والصرف العربي في 4400 بيت … وله غيرها. وهذا يشهد بقوة التمكن في اللغة والبحور الخليلية، كما أن هناك دلائل أخـرى تجعلك أكثر تيقنًا من ذلك، منها قدرتهم الفائقة على إيراد الغريب والوحشي من الألفاظ في أشعارهم، حتى تحسب أنك أمام شاعر من العصر الجاهلي، يقول عبد الله بن فودي في جيميته المشهورة:
عُج نحو أضواجِ الأحبّة من مجٍِ وأشرب من الأنشاج ماء الرَّعبَج
سُحَّ الدموع على منازلهم بها وأشْف الجنان من الهموم الدُّمَّج
وقد أسس أخوه الأكبر الشيخ عثمان بن فودي (1168ـ1232هـ /1754ـ 1817م) في القرن التاسع عشر الميلادي حركة إصلاحية دينية واجتماعية وسياسية شملت منطقة واسعة مـن أرض إفريقيا جنوب الصحراء ، قامت بدور عظيم في نشر الإسلام وهدم الوثنية وتطهير البلاد من البدع والخرافات، ووحدت المسلمين، وعم العلم بها وأنتشر فيهم، وأسست إمارة إسلامية دامت مدة مائة عام (28)، والشيخ عثمان بن فودي وأخوه عبد الله من خريجي سنكري بتننبكتو والمسجد الجامع بأغدس.. وأسست أبنته الكاتبة القديرة والأديبة البارعة نانا أسماء(29) تنظيمها النسائي المعروف بـ “ين تارو”، وهي جملة بلغة الهوسا تعني: “ملتقى النساء المجاهدات”، قدمت ـ من خلاله ـ نموذجا للعمل الخيري الطوعي، ولعبت به دورا اجتماعيا وفكريا وسياسيا بارزا خلال فترة الجهاد وما بعده.
ولقد لعب معظم علماء المنطقة أدورا رائعة في العمل الخيري الطوعي بكل أنواعه وأشكاله، فكانوا يشفعون للمساكين عند السلاطين، ويقومون بدور التوسط في قضايا الصلح، والشهادة على أحكام القضاء (30)…
وأصبح لديهم دراية ومعرفة بما يلزم من خطوط ورسم وتزيين وإخراج للنص … وتطورت مع ذلك معرفتهم بصناعة الأدوات والمعدات المستخدمة في هذا الفن من قلم وحبر وأوراق وأختا م … ، وأصبح لهم سوق للوراقين لا يقل رواجا ـ في رأيي المتواضع ـ عن أسواق الوراقين ببغداد ودمشق وأستانبول، بل أن العالم المقتدر منهم في العلم والتصنيف كان يلازمه وراق في حله وترحاله (31). وإنّ تجارة الكتب في هذه البلاد ـ أي إفريقيا جنوب الصحراء ـ كانت “تدر أرباحا تفوق سائر البضائع” (32)، وكيف لا؟ إذا ما علمنا أن سلاطين المنطقة وحكامها وأعيانها من الخواص كانوا يبذلون الغالي والنفيس في شراء أنواع من الكتب في المنطقة وخارجها، ويدعمون نسخها، ليوفروا بذلك لأهل بلادهم طرفا من مناهل العلم والثقافة الإسلامية وقفًا في سبيل الله (33). وعلى أساس هذه الخلفية المجملة جاء تأسيس وقف الجامعة الإسلامية بالنيجر ليعبر عن السير قدما على منهاج علاقة الوقف التاريخية الفاعلة والمتفاعلة بمراكز الإشعاع التعليمية في العصور المختلفة لتاريخ أفريقيا جنوب الصحراء.
الحواشي:
(6) يذكر المؤرخون “أن عقبة بن نافع الفهري بعد أن نزل بغدامس سنة 46هـ أراد أن يوغل جنوبا ، فأسـتخلف علـى جيشه زهير بن قيس البلوي ، ثم سار بنفسه مع أربعمائة فارس وأربعمائة بعير وثمانمائة قربة مـاء حتـى قـدم ودان وفتحها ، ثم واصل زحفه جنوبا فاستولى على مدينة فزان ، ومضى جنوبا حتى أتى على قصور كوار فافتتحهـا إلـى أقصاها ، (وأقاصي كوار هي جنوبي بحيرة تشاد الحالية)” ، أورد النص د. على أبوبكر في كتابه الثقافة العربيـة فـي نيجيريا من 1750ـ1960م عام الأستقلال (، بدون تاريخ ومكان النشر) ، نقلاً عـن : Barth: Travels in central .Africa, vol iv, p 580 7
(7)لمعرفة المزيد عن هذه الممالك الإسلامية ودورها في نشر الثقافة الإسلامية واللغة العربية ، انظر على سيل المثـال : الثقافة العربية في نيجيريا … ، مصدر سابق ، ص 19ـ63 ، وانظر أيضا: حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا ، . د شيخو أحمد سعيد غلادنثي ، المكتبة الإفريقية ، ط1993 ، 2 /م 1414هـ ، ص 21ـ26.
(8) د. إبراهيم طرخان ، إمبراطورية غانة الإسلامية ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، 1970م ، ص 45.
(9) انظر: عبد الرحمن السعدي ، تاريخ السودان ، باريس: الناشر دوداس وبنوه ، ص 6.
(10) أصله من مسيجد تصغير كلمة مسجد ، وأحياًنا يسمى “مسيد” ، وحذفت الدال أو الجيم بحكم اللهجات المحلية ، وهو في الغالب مصلى للصلوات الخمس دون صلاة الجمعة. وهذه التسميات مشهورة في السودان وتشاد.
(11) د. محمد صالح أيوب، الدور الاجتماعي والسياسي للشيخ عبد الحق الترجمي في دار وداي في تشاد (1853 ـ 1917م)، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية، 2001، ص 113.
(12) تاريخ السعدي ، مصدر سابق ، ص 58.
(13) انظر: إمبراطورية غانة الإسلامية، مصدر سابق، ص 44.
(14) انظر: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ، أحمد الأمين الشنقيطي ، ط 2 ، بعناية فؤاد سيد ، القاهر ة: مطبعة السنة المحمدية، 1958م ، ص 517، بتصرف.
(15) د. فضل خلود الدكو، الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم ـ برنو، منشورات كلية 15 الدعوة الإسلامية ، ط 1، 1998م، ص 150ـ152، بتصرف. وذكر الدكتور علي أبو بكر في صدد دعم أهل العلم والعلماء ، مرجع سابق: “أنه أسلم علي يديه أهل برنو وأنه علم الملك … وأن الملك أهدى له مائة من الإبل ومائة مثقال من الذهب ومثلها من الفضة، ومائة من الرقيق تقديرا لأعماله”، ص 53ـ54.
(16) الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم ، مصدر سابق، ص 56.
(17) الهادي المبروك الدالي ، التاريخ الحضاري لإفريقيا فيما وراء الصحراء (من نهاية القرن الخامس عشر إلى بدايـة القرن الثامن عشر الميلادي)، ليبيا: الزاوية، مطابع الوحدة العربية، ط 1، 2000 ، ص 163ـ180. انظر: تاريخ السودان، مصدر سابق، ص 168، بتصرف.
(18) انظر: الحركة الفقهية ورجالها في السودان الغربي من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر الهجري، عبد الرحمن محمد ميغا، رسالة دكتوراه، المغرب: الرباط ، دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية العليـا، 2004 ـ 2005م، ص 167.
(19)انظر: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ، مصدر سابق، 519.
(20) الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم ، مصدر سابق ، ص 159.
(21) انظر: الملامح الحضارية والعلمية للسودان الغربي في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلادي، د. منصـور فاي، حوليات الجامعة الإسلامية بالنيجر، العدد الثالث، المغرب: البوكيلي للطباعة والنشر، 1997م، ص 23ـ30.
(22) انظر: التاريخ الحضاري لإفريقيا فيما وراء الصحراء …، مصدر سابق، ص 163ـ180.
(23) انظر: تاريخ السودان، مصدر سابق، ص 62، بتصرف.
(24) انظر: تاريخ الفتاش، محمود كعت، ص 122.
(25) لمعرفة المزيد عن سيرة هذا العالم ومؤلفاته، انظر: “أحمد بابا التنبكتي وجهوده في الفقه المالكي، محمد عبد الرحمن ميغا، رسالة لنيل درجة (الماجستير)، المغرب: الرباط، دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية، 1999 ـ 2000م.
(26) مخطوط، نسخه مصورة منه بالمركز الإفريقي لإحياء التراث الإسلامي بالجامعة، ص 17.
(27) انظر: رسالة في التعريف بالمصطفى التورودي من أعلام الثقافة الإسلامية الإفريقية في القرن الثالث عشر الهجري، تأليف الشيخ عبد الله بن القاضي محمد الحاج، تقديم وتحقيق د. عبد العلي الودغيري، المغرب: سلسلة نصوص ووثائق (10)، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، 2003م ، 23ـ24.
(28) لمعرفة المزيد عن هذه الإمارة الإسلاميّة أنظر:
1989.Jean Boyd; The Caliph’s Sister; London,
وانظر أيضا:
LIIAL: 1977London; Murray Last; “The Sokoto Caliphate”;
ولقد كتب الشيخ عثمان مؤلفًا نثرا ونظما أكثر من مئة مؤلف باللغة العربية، وبلغت مؤلفات أخيه عبد الله نحو المئتين، وزادت مؤلفات ابنـه محمد بلُّو على المئة … وأكثر هذه الأعمال ما يزال مخطوطًا حبيس المكتبات ودور المخطوطات.
(29) لهذه السيدة الفاضلة العديد من المؤلفات المنثورة والمنظومة في مختلف الفنون، كُتبت في معظمها باللغة العربية والبعض الآخر باللغات المحلية، وللإطلاع على ذلك، انظر:
The Collected Works of Nana Asma’u” Daughter of Usman dan Fodiyo (1793-1864)”, by Jean Boyd and Beverly B. Mack, Sam ;Bookman Publishers, Ibadan-Nigeria, Nigerian edition, 1999.
وانظر أيضا: “فهرسة المخطوطات العربية ـ مشروع بحث شمال نيجيريا”، عثمان سيد أحمد إسماعيل، دار جامعة الخرطوم للنشر، 1984م، ص 25ـ26.
(30) لمعرفة المزيد عن أدوارهم، انظر: الحركة الفقهية ورجالها في السودان الغربي ، مصدر سابق ، ص 245ـ247.
(31) ضوابط الكتابة وأدواتها في مصادر المعلومات من المخطوطات المكتوبة بالحرف القرآني “عجمي”: (المخطوط 31 المكتوب بلغة هوسا نموذجا)، محمد ناصر داود صالح، ورقة مقدمة إلى أعمال الندوة الدولية حول ” : المخطوطـات العربية الإسلامية بغرب إفريقيا: صيانتها ونشرها”، جامعة عثمان بن فودي بصكوتو ـ جمهورية نيجيريا الفدرالية ، في الفترة من 07ـ13 يونيو 2010م، ص 3.
(32) الحسن بن محمد الوزان الفاسي (المعروف بليون إفريقيا)، وصف إفريقيا، الطبعة الثانية، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة، (بدون تاريخ نشر)، ص 167.
(33) ومن أمثال هؤلاء: السلطان منسا موسى ومنسا سليمان من حكام ملِ ، وحكام آل آسكيا من حكام سنغي وغيرهم من حكام الإمارات الإسلامية المختلفة. انظر على سبيل المثال: الثمرة الجنية في أساس تاريخ أعيان السودان الغربية، (مخطوط)، الحاج محمد مرحبا الإمام، رقم 212، معهد البحوث والعلوم الإنسانية، قسم المخطوطات العربية والعجمية، نيامي ـ النيجر. جاء فيه (ورقة 11) على لسان القاضي أبو بكر بغيغ: “هاكم كتاب ابن عطاء جاءنا به من مصر أمير المؤمنين الحاج محمد أسكيا، وأمرنا بنسخه ثلاثمائة نسخة … ويليه شرح ترجمة رسالة أبي زيد القيرواني الذي كتبه بيده الأمير اسكيا محمد داود ، وهذا أعظم الأمثال لحرصكم على العلم بالإقبال …”. ولقد أوقـف السلطان الحاج محمد أسكيا أوقافًا في مكة المكرمة والمدينة المنورة عبارة عن قصر وستة بساتين ـ لم تزل موجودة ـ في العام 912هـ أثناء رحلة حجه المشهورة، أما القصر فهو وقف لأهل بلاده … ودار الأيتام وإصلاح ما ضاع منه، وأما البساتين فلفقراء المدينة وأقاربه وأهل مملكته … ولإصلاح أصولها، انظر ورقة 15ـ17. أحال الباحث إلى الملحق رقم 4. وهذا الملحق غير منشور هنا.
المصدر: موقع دائرة الأوقاف في حكومة الشارقة ـ 6/ 2/ 1438 = 6/ 11/ 2016
0 تعليق