لمحات من تاريخ الوقف

بقلم: د. جميل عجم مدير جمعية التوعية الإسلامية – طرابلس – لبنان

“وقفنا ـ الأربعاء 18 جمادى الأولى 1427”

 إن الوقف له أقدمية إنسانية ظهرت في أماكن ممارسة العبادات .. فالوقوف كان موجودا قبل الإسلام { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين } [سورة آل عمران 99]، ومعنى ذلك أن

الوقف كان موجودا بمعناه, فالبيت الحرام, والمسجد الأقصى كانا قائمين, وكذلك المعابد والكنائس والبيع والأديرة كانت قائمة, ولا يتصور أنها كانت مملوكة لأحد من العباد.  لكن الوقف في الإسلام لم يقتصر على أماكن العبادة فحسب, بل تجاوز ذلك إلى جميع أنواع البر والتعاون.

من أوائل أعمال الوقف في الإسلام

 

عندما نزل قول الله سبحانه وتعالى { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة, والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون } [سورة البقرة 245] قال أبو الدحداح رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أو يريد ربنا منا أن نقرضه يا رسول الله؟ قال ” فأرني يدك”, فمد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فأمسك بها وقال: ” إني أشهدك أن لي بستانا فيه ستمائة نخلة مثمرة قد أقرضتها الله سبحانه وتعالى “.

ومن أوائل الوقفيات في صدر الإسلام الأرض التي وقفها أبو طلحة رضي الله عنه حينما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اتفق عليه الشيخان يقول: ” يا رسول الله إن لي أرضا هي بيرحاء فيها بئر طيبة الماء وقد جعلتها صدقة لله عز وجل” فأرشده المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أن يجعلها في قرابته.

ومنها وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأرضه في خيبر؛ وهي أرض كانت محببة إليه لكثرة خيراتها فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم ما يصنع بها فأشار عليه بحبس أصلها وجعل غلتها في الفقراء والمساكين ففعل.

وعندما جعل عمر بن الخطاب وقفه هذا في وثيقة مكتوبة قام كل منهم بوقف أرض و جعل ريعها في الخير العام أو  لذريته منها نصيبا.

الوقف في التاريخ:

إن للثروة الوقفبة التاريخية كبير اثر في لفت النظر إلى القيمة الفعلية لضرورة الوقف، فعندما دخل سعد بن أبي وقاص إلى القصر الأبيض في المدائن جمع كل ما كان يحتويه من نفائس ومن ذهب وفضة بما فيها تاج كسرى وأسورته وأرسلها كلها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة الذي قال: إن قوما أدوا لأمناء, فأجابه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ” يا عمر لقد عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعت “. .

كما أن الثروة العقارية الواسعة التي خلفتها الحضارة الإسلامية في بلاد الشام عبر صيغة الوقف كمفهوم.

و كانت الأوقاف تعبيرا عن حركة المجتمع التي انتظم إيقاعها في المبادرة الفردية وحدها. فكانت سمة العصور السابقة عند تغير الممالك والعروش. وحينما افتتح السلطان سليم مصر وقد وجد اتساع عقارات الوقف في عهد المماليك, وما نتج عنها من ثروة واسعة أعادت التوازن الاجتماعي عيدا عن سلطة الدولة.. مما شجع على العمل الوقفي حينها .

ازدهار الوقف:

إن العصر الأموي له تاريخ عريق يتمثل فيه الوقف الإسلامي . وان في  العصر الأموي كثرت الأوقاف كثرة عظيمة واضحة, خصوصا في مصر والشام, وغيرها من البلاد المفتوحة, بسبب ما أغدقه الفتح على المجاهدين من مغانم ومدرات الأموال والحدائق والحوانيت.

وفي العصر العباسي الأول أوقفت الوقوف من الأراضي للحرمين الشريفين وللمجاهدين ولليتامى, ولفك الرقاب, إضافة إلى بناء المساجد والحصون وللمنافع العامة [1].

وازدادت الأوقاف بصورة ملحوظة زمن الزنكيين والأيوبيين ولعل ذلك يتصل بالجهاد ضد الصليبيين, إضافة إلى النشاط العلمي المتمثل بإنشاء المدارس واهتم صلاح الدين ومن خلفه بالمستشفيات, ويبدو أن جل الوقف اعتمد على الإرصاد, وصارت للأوقاف ثلاثة دواوين: ديوان لأحباس المساجد, وديوان لأحباس الحرمين الشريفين وجهات البر المختلفة, وديوان للأوقاف الأهلية [2].

وعلى مدار التاريخ الإسلامي المجيد نشأت مؤسسات خيرية من اجل مساعدة اليتامى واللقطاء والمقعدين والعاجزين بكل ما يحتاجون إليه مما تتصورون ومما لا تتصورون. فصلاح الدين الأيوبي أنه كان قد جعل أمام مدخل من مداخل القلعة المعروفة في دمشق الآن ميزابين يسيلان, أحدهما يسيل بالحليب والآخر يسيل بالماء الذي أذيب فيه السكر لحاجة أمهات الأطفال. وأسّس المطاعم الشعبية المفتوحة؛ التي عُبر عنها في البلاد الإسلامية بكلمة “التكايا ـ جمع تكيّة ـ ” . ينضج فيها الطعام بمذاق طيب وبنوعية نظيفة, ويبتغى فيها أن لا يشعر الفقير بأي معنى من معاني الدونية أو معنى الطبقية التي يصنف فيها دون مستوى الآخرين.

وفي زمن المماليك, توسعت الأوقاف, وكثرت بشكل ملحوظ في بلاد الشام ومصر, ….و حظيت الأوقاف أثناء حكم الدولة العثمانية بالمقام اللائق, وأقبل المسلمون على العمل بها, ويكفينا دليلا أن عدد الأوقاف المقامة في اسطنبول وحدها خلال مائة عام بين 1453 م-  1553 مقد بلغ 2515 وقفية باستثناء أوقاف السلاطين على الجوامع والمدارس والمستشفيات التي كان لها إيرادات ضخمة [3].

وعلى العموم فقد ذكر عدد من المؤرّخون مثل المقريزي وابن خلدون وصاحب شذرات الذهب وغيرهم أنّه: ما من فقير يذهب إلى بلدة من البلاد, هو غريب فيها وهي غريبة عنه, إلا وتنادي بيوتاتها التي وقفت لهذا الأمر أن أقبل إليّ فمرحبا بك.

ضرورة الوقف لاستمرار تمويل المشاريع:

إن أهمية الأوقاف تكمن في استدامة التمويل والعمل وتطويره. لذلك فان الحاجة  تظهر في ضرورة إنشاء وقف لمؤسسات العمل الأهلي, فعليها أن تضع نصب اهتمامها إنشاء وقفيات لاستدامة تمويلها. ودعم حاجات المجتمع  القائمة على مؤسسات العمل الأهلي الدينية والإسلامية في كافة المجتمعات.

الوقف  وسيلة للتنمية الاجتماعية :

الواقع أن الوقف الإسلامي عبر الحضارة الإسلامية قد أسس لنمطية الحياة الاجتماعية والاقتصادية بما يوفر الأمن الاجتماعي في مختلف مراحله.. وشكل وسيلة للخدمات الإنسانية وسد العوز عن البائسين . فمنذ أن نشأ الوقف أيام النبي صلى الله عليه وسلم مرورا بجميع العهود والممالك الإسلامية وصولا إلى القرن التاسع عشر نهايات الدولة العثمانية أو قبله بقليل, كل تلك الأزمنة تعتبر فترة ذهبية للوقف في تطور فقهه ومؤسساته, وتوسع ممتلكاته, وتنوع عجيب في خدماته إلى حد مذهل, يحتاج وصف هذا الأمر إلى أبحاث خاصة وليس هذا موضوعنا. . إنما نريد أن نسلط الأضواء على هذه القضية لأهمية إظهار العمل المؤسساتي للوقف بشكله المتطور الذي يستوعب الحياة بكل مضامينها . فالوقف بمشاريعه يغني عن المؤسسات الخدماتية اليوم بل هي من صناعته؛ فمجالات الوقف تثبت قضايا مماثلة له في ميدان ركب الحضارة , حيث المنشآت الإنسانية في الغرب، فالوقف هو الدافع للآخرين حيث منه اخذوا وسيلة  للعمل وفق  السبق الحضاري. علما انه تشريعي في فقهنا .   حيث ثبت لنا أنه يشكل بديلا عمليا لشركات التأمين لتحقيق ضمان اجتماعي حقيقي.

 

[1] الدوري: تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري: ص 57.

 

[2] أبو زهرة: محاضرات في الوقف ص 67.

 

[3] حلاق, الدكتور حسان: أوقاف المسلمين في بيروت في العهد العثماني ص 18.

 

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!