الفتوى رقم (67) مسائل ذات أهمّيّة حول ما يوقف على الصائمين في المساجد

في الوقف على إفطار الصائمين في المساجد عون على صلاة الجماعة في المساجد، والصوم. ولكن نتج عن بعض صور تطبيق هذا الوقف المبر
ور ـ قبل خمسة قرون ـ إشكالات جعلت من نزلت به يستفتي ابن حجر الهيتمي (ـ 974) رحمه الله في ثلاث عشرة إشكال؛ منها: جواز إفطار الغنيّ من هذا الوقف، وتفضيل من يوزعه بين الناس، وإخراج من أخذه من المسجد وبيعه أو التصدّق به أو نحو ذلك؛ مما ينبغي أن يهتمّ به الواقفون عند كتابة الوثائق الوقفية.

(ملاحظة: الموضوع منقول بالنص من كتاب “الفتاوى الكبرى الفقهية” من تأليف ابن حجر الهيتمي ( ـ 974) الذي نشرته المكتبة الشاملة عن طبعة دار الفكر ببيروت.)
… [3/292] سُئِلَ [يعني ابن حجر الهيتمي]:
في وَقْفٍ على فُطُورِ الْمَسْجِدِ هل يَحِلُّ لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ أَمْ يَخْتَصُّ بِالْفَقِيرِ، وَهَلْ يَحِلُّ لِلْمُفْطِرِ الْمَعْذُور،ِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُقِيمِ بِالْمَسْجِدِ التَّفْضِيلُ بين آحَادِ الناس، وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُهُ من الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ من صلى فيه، وَهَلْ يَحِلُّ لِلْعَبِيدِ وَالصِّغَارِ وَمَنْ لاَ يُصَلِّي. وإذا أَخَذَ بَعْضُ من صلى في الْمَسْجِدِ شيئا وَخَرَجَ بِهِ لِغَيْرِ من صلى فيه من غَنِيٍّ أو فَقِيرٍ، أو لِمَنْ لاَ يُصَلِّي لَكِنَّهُ حَضَرَ الْمَسْجِدَ هل يَجُوزُ ذلك أو شَيْءٌ منه. وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ أَخَذَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِمَنْ لاَ يَصُومُ، أو يَصْرِفَهُ في حَوَائِجِهِ وَأَغْرَاضِهِ، أو يَبِيعَهُ أو يُبْقِيَهُ لِسُحُورِهِ، أو يَتَصَدَّقُ بِهِ؟
 بَيِّنُوا لنا ذلك؛ فَقَدْ وَقَفْنَا على جَوَابَاتٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ لم يَتَحَرَّرْ لنا ما التَّحْقِيقُ فيها. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ من الْوَقَائِعِ عِنْدَنَ؛ فَبَيِّنُوا لنا حُكْمَهَا وَابْسُطُوا لنا الْكَلَامَ فيها. أَثَابَكُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْجَنَّةَ.
فَأَجَابَ [رحمه الله] بِقَوْلِهِ:
لاَ يَتَّضِحُ الْجَوَابُ عن ذلك إلاَّ إنْ عُلِمَ لَفْظُ الْوَاقِفِ؛ لأَنّ أَحْكَامَ الأَوْقاف مَنُوطَةٌ بِأَلْفَاظِ الْوَاقِفِينَ دَائِمًا إلاَّ إذَا عَرَفْتَ مَقَاصِدَهُمْ؛ كَأَنْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ زَمَنِهِمْ بِأَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، فَتَنْزِلُ عليها أَلْفَاظُهُمْ.
 وَحِينَئِذٍ فما ذُكِرَ من الْوَقْفِ على الْفِطْرِ في الْمَسْجِدِ إنْ كان لِذَلِكَ عَادَةٌ مُطَّرِدَةٌ في زَمَنِ الوقف (((الواقف))) وَعَلَمَ بها الْوَاقِفُ كان وَقْفُهُ مُنَزَّلاً عليها؛ لِتَصْرِيحِ الأَئِمَّةِ بِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ. فَحِينَئِذٍ ما قَصَدْت بِهِ من الِاخْتِصَاصِ بِالْفَقِير، أو الصَّائِمِ، [3/ 293] أو الأَكْلِ في الْمَسْجِدِ، أو أَنَّ ما يُعْطَاهُ يَأْكُلهُ فَوْرًا، أو لاَ يُعْطِيهِ غَيْرَهُ، أو غَيْر ذلك؛ يُعْمَلُ بِالْعَادَةِ فيه من غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولاَ إشْكَالٍ. وَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ عَادَةٌ لِذَلِكَ فلاَ بُدَّ لنا من نَظَرِ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ لِنُرَتِّبَ عليها مُقْتَضَاهَا.
وَبِفَرْضٍ أَنَّ الْوَاقِفَ لم يَقُلْ إلاَّ: “وَقَفْتُ كَذَا على من يَفْطُرُ في رَمَضَانَ في مَسْجِدِ كَذَا”؛ فَحُكْمُ ذلك الْمُتَبَادَرُ منه اغْتِنَامُ فَضِيلَةِ تَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ وَفَضِيلَةِ تَعْجِيلِهِمْ لِلْفِطْرِ، وَحِينَئِذٍ فلاَ فَرْقَ بين الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ. وَيَتَقَيَّدُ الإِعْطَاءُ بِمِنْ في الْمَسْجِدِ، وَبِالصَّائِمِ حَقِيقَةً؛ فلاَ يُعْطَى لِمَنْ أَفْطَرَ لِنَحْوِ مَرَضٍ، ولاَ لِمَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ وَإِنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ، وَيُعْطَى مُمَيَّزٌ صَامَ، وَقِنٌّ كَذَلِكَ. وَيَجِبُ على من أُعْطَى شيئا أَنْ يُفْطِرَ بِهِ، ولاَ يَجُوزُ له أَنْ يَخْرُجَ بِهِ من الْمَسْجِدِ، ولاَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِسُحُورِهِ، ولاَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِغَيْرِ من هو في الْمَسْجِدِ، ولاَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فيه بِغَيْرِ الْفِطْرِ عليه؛ كُلُّ ذلك تَقْدِيمًا لِغَرَضِ الْوَاقِفِ وَتَحْقِيقًا لِمَا قَصَدَهُ من عَظِيمِ ثَوَابِ تَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ وَتَعْجِيلِهِمْ لِلْفِطْرِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
المصدر: موقع وقفنا ـ 8/ 9/ 1439 = 24/ 5/ 2018

 

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!