وقف الأواني أو الزّبادي

زبديّة ـ والجمع زبادي
“وقفنا ـ الخميس 29 ربيع الأول 1427”
تسامت همّة بعض الصالحين فأنشئوا وقفا يصرَف ريعه على شراء إناء بديل عن الذي تكسّر ـ دون قصد ـ بين يدي الخدم ونحوهم. وكان الرّحالة ابن بطوطة (ـ 779) قد شاهد ـ عند زيارته دمشق قبل سبعمائة عام ـ قصّة سجّلت المهمّة الرحيمة التي يقوم بها هذا الوقف. وقد عرف هذا الوقف بوقف الأواني أو وقف الزبادي، واشتهر في عدّة

أماكن من أوطان المسلمين.

يقول ابن بطوطة: مررت يوما ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكا صغيرا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني  ـ وهم يسمونها الصحن ـ فتكسرت. واجتمع عليه الناس؛ فقال له بعضهم: اجمع شققها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني.  فجمعها وذهب الرجل معه إليه فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن. وهذا من أحسن الأعمال. فإن سيد الغلام لا بد له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك؛ فكان هذا الوقف جبرا للقلوب. جزى الله خيرا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا. انتهى قول ابن بطوطة.

عرف هذا الوقف بوقف الأواني (جمع إناء) أو وقف الزبادي (جمع زِبدية؛ وهي الإناء الذي على شكل نصف كرة ). واشتهر في عدّة أماكن من أوطان المسلمين؛ من ذلك:

ما حدّث بعض أهل مكة شرّفها الله عن وجود “وقف الزبادي” فيها، وأن ناظر الوقف يأخذ الإناء المكسور، ويعطي من كسره بدلا عنه أو يذهب معه إلى بائع الأواني فيشتري له البديل. ويقال بأنّ ناظر هذا الوقف كان يستقر في مكان بأعلى مكة يسمّى المدّعى، وهناك من يقول بأنّه كان معروفا  إلى حدّ قريب في حيّ المسفلة.

عرف هذا الوقف في بيروت ويسمى فيها «وقف الفاخورة أو وقف الكاسورة». وكان لناظره دكان خاص بالسوق، وهو مشهور في باطن بيروت.

وقد عرف هذا النوع من الوقف في  مصر. إلا أنّ المراجع لم تفصل فيه. ولكن من دلائل وجوده اهتمام فقهاء مصر في القرن العاشر الهجريّ ـ مثل زكريا الأنصاري وقليوبي وعميرة ـ بالوقف على الأواني أو الوقف على شراء الأواني لمن تكسّرت عليه.

عُرف وقف الأواني في شمال أفريقية؛ فوجد في كل من  تونس وفاس. ولعلّ ذلك بتأثير ما حكاه ابن بطوطة. وصاغ العلامة الأديب عميد كلية الشريعة بفاس ورئيس المجلس العلمي بها الحاج أحمد بن شقرون في “وقف الأواني” شعرا, وذلك في قصيدة طويلة بمناسبة أسبوع فاس لتحقيق فكرة الإنقاذ التي دعت إليها منظمة اليونسكو في إبريل 1980/1400. فقال:

((وقد أوقفوا جبر الأواني, رُبّما))

(( يُهشِّمُها طفلٌ, فتُقطع من أجْر))

(( ولكن بمال الوقف يأخذ غيرها))

(( بلا عوض منه, فيسلَم من خسْر))

 

 

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!