بقلم الأستاذ الدكتور عبد الرزاق بلعباس
يتبادر إلى أسماعنا بين الفينة والأخرى أن الوقف مؤسسة اقتصادية (economic institution)؛ مما يفترض ضمنًا أن الاقتصاد أكبر من الأوقاف أي أن الأوقاف جزئية صغيرة من جزئيات الاقتصاد المختلفة والمتنوعة. في هذه الخاطرة أود أن أناقش هذه الفكرة التي تبدو لأول وهلة بديهية من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان أو إثبات.
علينا أن نُدْرك أنّ الوقف “ظاهرة إنسانية متعددة الأبعاد” سبقت “الاقتصاد السياسي” (political economy) وسبقت “علم الاقتصاد” (economics). وعليه فمن المفترض أن يُضاف اللاحق إلى السابق لا أن يضاف السابق إلى اللاحق.
مقتضى أن الوقف ظاهرة إنسانية هو تجاوز ستار الدخان المفاهيمي الذي اختزل أبعادها المتعددة في مؤسسة اقتصادية.
هذا الاختزال المعرفي الذي لا يفي الظاهرة ما يليق بها يتطلب التحرّر من ربقة التخصص الضيق لسبر أغوار ما لم يتم التفكير فيه حتى الآن.
الفرق الجوهري بين الوقف والاقتصاد يكمن في أن الوقف كأساس للتساؤل ووسيلة للحفر في غير المفكر فيه يفتح آفاقًا أوسع من الاقتصاد الذي انتهى به المطاف إلى طريق مسدود لأسباب عديدة، على رأسها انفصاله عن العلوم الاجتماعية والإنسانية وتحوله إلى خطاب فني قائم على النماذج الكمية لإيهام عامة الناس أن الأمر معقد ولا يفهمه إلا فئة قليلة ممن يحسنون استخدام الرياضيات والإحصاء والاحتمالات.
هنا مربط الفرص وحجر الزاوية بأن أهمية حقول المعرفة من حيث الأهمية والقلة تقاس بتوسيع الأفق لتعميق التفكير وطرح حلول جديدة من شأنها أن تحسن حياة الناس اليومية؛ فالعاقل لا ينظر إلى كثرة الأتباع قبل نظره إلى حقيقة المتبوع.
لعل وباء الكورونا أتاح فرصة سانحة في هذا المجال لاستيعاب أن أحد أهم أبعاد الظاهرة الوقفية هو أن الحفاظ على الحياة – بمكوناتها الروحية والعقلية والبدنية – هو أهم شيء في الدنيا، في حين أن الاقتصاديين لم يفلحوا في الخروج من عنق الزجاجة، فعكفوا على إعادة تدوير ما بات رائجًا من أدوات التخصص صوب موجة ما يوسم بالاقتصاد الأخضر (green economy) الذي يهدف وفقًا للخطاب السائد إلى الحدّ من المخاطر البيئية وتحقيق التنمية المستدامة، وقال أحدهم علينا أن نوظف آلية توليد النقود (ex nihilo) من لا شيء للاستمثار في المشاريع البيئية بدلا من ضخها لصالح المصارف التجارية الخاصة وفي نهاية المطاف لمصلحة المجازفين في أسواق المال.
مما تعلمناه من إنعام النظر في تاريخ العلوم أن الموضات (fashions) لا تدوم وأنها تخفي ما هو أصيل في الفكر الإنساني؛ فعلينا أخذ الحيطة والحذر من هذا الأمر لأن التاريخ لا يرحم ولا يجامل أحدًا.
المصدر: موقع وقفنا – 8/ 2/ 1442 = 26/ 9/ 2020
0 تعليق