الوقف الجنف
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه ونور ضريحه : هذه كلمات , جواب عن الشبهة التي احتج بها من أجاز وقف الجنف والإثم , ونحن نذكر قبل ذلك صورة المسألة , ثم نتكلم على الأدلة , وذلك : أن السلف اختلفوا في الوقف الذي يراد به وجه الله على غير من يرثه , مثل الوقف على الأيتام , وصوام رمضان , والمساكين أو أبناء السبيل , فقال شريح القاضي وأهل الكوفة : لا يصح ذلك الوقف , حكاه عنهم الإمام أحمد وقال جمهور أهل العلم : هذا وقف صحيح , واحتجوا بحجج صحيحة صريحة , ترد قول أهل الكوفة , فهذه الحجج التي ذكرها أهل العلم , يحتجون بها على علماء أهل الكوفة , مثل قوله : ” صدقة جارية ” ومثل وقف عمر وأوقاف أهل المقدرة من الصحابة على جهات البر , التي أمر الله بها ورسوله , ليس فيها تغيير لحدود الله . وأما مسألتنا فهي : إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه , وفر من قسمة الله وتمرد عن دين الله , مثل أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النخل , ولا تأكل منه إلا حياة عينها ; أو يريد أن يزيد بعض أولاده على بعض , فرارا من وصية الله بالعدل , أو يريد أن يحرم نسل البنات , أو يريد أن يحرم على ورثته بيع هذا العقار , لئلا يفتقروا بعده , ويفتى له بعض المفتين أن هذه – البدعة الملعونة – صدقة بر تقرب إلى الله , ويقف على هذا الوجه قاصدا وجه الله , فهذه مسألتنا , فتأمل هذا بشراشر قلبك , ثم تأمل ما نذكره من الأدلة . فنقول : من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر : تغيير شرع الله ودينه , والتحيل على ذلك بالتقرب إليه , وذلك مثل أوقافنا هذه , إذا أراد أن يحرم من أعطاه الله من امرأة , أو امرأة ابن , أو نسل بنات أو غير ذلك , أو يعطي من حرمه الله , أو يزيد أحدا عما فرض الله أو ينقصه من ذلك , ويريد التقرب إلى الله بذلك مع كونه مبعدا عن الله فالأدلة على بطلان هذا الوقف , وعوده طلقا , وقسمه على قسم الله ورسوله أكثر من أن تحصر . ولكن من أوضحها دليل واحد , وهو أن يقال لمدعي الصحة : إذا كنت تدعي أن هذا مما يحب الله ورسوله , وفعله أفضل من تركه , وهو داخل فيما حض عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة الجارية وغير ذلك , فمعلوم أن الإنسان مجبول على حبه لولده , وإيثاره على غيره , حتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال الله تعالى : إنما أموالكم وأولادكم فتنة . فإذا شرع الله لهم أن يقفوا أموالهم على أولادهم , ويزيدوا من شاءوا , أو يحرموا النساء والعصبة ونسل البنات , فلأي شيء لم يفعل ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! , ولأي شيء لم يفعله التابعون , ولأي شيء لم يفعله الأئمة الأربعة وغيرهم ؟ أتراهم رغبوا عن الأعمال الصالحة , ولم يحبوا أولادهم , وآثروا البعيد عليهم وعلى العمل الصالح , ورغب في ذلك أهل القرن الثاني عشر ؟ أم تراهم خفي عليهم حكم هذه المسألة ولم يعلموها , حتى ظهر هؤلاء فعلموها ؟ سبحان الله ما أعظم شأنه وأعز سلطانه ! .
(المصدر: الدرر السنية)
0 تعليق