معالي الشيخ ابن خنين:كتم الوقف أشد من تغييره!!

 ألقى معالي الشيخ عبدالله بن محمد بن خنين عضو هيئة كبار العلماء محاضرة عن الوقف في الجامع الكبير بالرياض. ونشرت مجلة الدعوة تقريرا عنها في عددها 2131 الذي صدر يوم الخميس 15 من صفر 1429. نعيد نشره فيما يلي:

متابعة – سليمان الصالح:
الوقف له أهمية كبيرة وعظيمة في المجتمع المسلم، والمسلمون ينفردون بهذا التنظيم الذي يؤدي وظائف مهمة في إعانة المسلمين وتقوية الإسلام وينال به صاحبه المثوبة والأجر عند الله• وفي محاضرة مهمة له بالجامع الكبير حذّر معالي الشيخ عبدالله بن محمد بن خنين من خطورة الاعتداء على الوقف مبيِّناً مشروعية هذا الوقف وأدلته من الكتاب والسنّة، وصور الاعتداء على الوقف والتي منها تبديل صيغة الوقف وتغيير مصارفه أو كتمه وقال الشيخ الخنين إن الاعتداء على الوقف بسلبه أو تبديله أو تغييره أو كتمه أو تغيير مصارفه، إنما هو جريمة ترتكب في حق المسلمين والمجتمع الإسلامي الذي يستفيد من هذه الأوقاف• وأشار الشيخ ابن خنين إلى أن من أسباب الاعتداء على الوقف تساهل النظار واهتمامهم بحفظ الوقف ورعايته وإصلاحه•
أهمية الوقف في المجتمع المسلم
يؤكد فضيلته في البداية أن الوقف له أهمية كبيرة ومكانة عظيمة في المجتمع المسلم لما يؤديه من وظائف مهمة في إعانة المسلمين وتقوية الإسلام ولما يحققه من قصد الواقف من المثوبة الجارية له عند الله عزَّ وجلَّ• وعرَّف فضيلته الوقف بأنه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة فالأصل يبقى حبساً محبساً لا يتصرف فيه والمنفعة مسبلة تؤدي وظيفتها التي عيّنت لها وفي الوجوه التي ينص عليها الواقف• ومشروعية الوقف ثابتة بكتاب الله عزَّ وجلَّ وبسنّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبإجماع وفعل الصحابة رضوان الله عليهم• أما دلالة المشروعية من القرآن: فقد جاءت نصوص عامة تؤكد على فعل الخيرات وعلى أن ما يفعله المرء المسلم من خير يجده عند الله عزَّ وجلَّ تاماً موفوراً• ومن هذه النصوص قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } (92) [آل عمران]• ولما نزلت هذه الآية وسمعها أبو طلحة رضي الله عنه قال: “إن أحب أموالي إليَّ بيرحاء وقد جعلتها صدقة لله عزَّ وجلَّ أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث تشاء• فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “اجعلها في الأقربين فجعلها في أقاربه وفي بني عمومته”• وهذا دليل على حرص الصحابة على المسارعة في الخيرات وأبو طلحة واحد منهم وهو الذي أوقف هذا الوقف يرجو بره وذخره عند الله عزَّ وجلَّ• وقد أمر الله عزَّ وجلَّ في قرآنه بالإنفاق من طيبات كسب الإنسان ومن وجوه ذلك أن يوقف من طيب كسبه في سبيل الله ليحقق المثوبة له عند الله وليحقق غرضاً اجتماعياً فيه تقوية المسلمين وتقوية الإسلام• كذلك جاءت السنّة ببيان مشروعية الوقف ومن أبرز ذلك وأبينه ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضاً في خيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أحب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فقال: فتصدَّق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث وتصرف في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل• وقال: ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف• وهكذا ما جاء من الأحاديث دالاً على فضل الصدقة والحث على فعل الخير كله يدخل في هذا السياق في بيان مشروعية الوقف• ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث•••”، وذكر منها “صدقة جارية•••” والوقف في حكم الصدقة الجارية والوقف من حيث مشروعيته سنّة وليس واجباً ومن فعله فهو مثاب عند الله عزَّ وجلَّ ومن تركه فإنه لا يلحقه إثم في ذلك• ولكن منذ أن يوقف الإنسان وقفاً فإنه يكون لازماً ويثبت بمجرد القول وإن لم يحكم به حاكم• أما الوقف الذي يعلق على الوفاة فإن هذا له حكم الوصية وليس له حكم الوقف• فالوقف يكون منجزاً ينجزه الإنسان في حياته ولا يعلقه بالوفاة• أما الوصية فإن الإنسان يعلقها بالوفاة فهي لا تلزم إلا بعد وفاته، فالوقف بمجرد أن ينتهي الواقف من لفظه يلزم ولا يحق له الرجوع فيه ولا تعديله بينما يحق للموصي أن يرجع عن وصيته• ومما يدل على مشروعية الوقف الإجماع، فقد انعقد الإجماع على مشروعية الوقف لما نقله العلماء الثبوت عن الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم على صحة الوقف ومشروعيته وعملوا بذلك ولم يعرف عنهم مخالفة•
مصارف الوقف لا تحد
أما مصارف الوقف فيكون فيما فيه تقوية الإسلام ونفع المسلمين ولم يحدها الشارع بحد إنما كل وجه بر لا يخالف الشرع وفيه نفع للإسلام والمسلمين، فيجوز أن تجعل غلال الوقف عليه، وأفضل الوقف أنفعه للخلق وما يوجه لتقوية الإسلام والمسلمين• فالمسلم الذي يريد أن يوقف عليه أن ينظر فيما ينفع المسلمين وليس من الضروري أن يكون سائراً على نهج من قبله فيما يتعلق بمصارف الوقف ومن ذلك في وقتنا الحاضر حلقات تحفيظ القرآن، وتشييد المساجد وبنائها وصيانتها وأجهزة علاج المرضى ومساكن للفقراء ونحو ذلك من المصارف• فينبغي أن نفهم مصارف الوقف بهذا النفس ولا نحد أنفسنا بما كان يفعله آباؤنا، فبعض الناس ما زال يجعل غلة وقفه تصرف في الحج أو الأضاحي• وقد كان للوقف وظيفة عظيمة في تاريخ الإسلام ونصرة الإسلام وفي تحقيق المثوبة الجارية للموقف• فالوقف لا بد أن يكون له وظيفة إيجابية واقع المسلمين وحالة الناس واحتياجهم• وصيغ الوقف تكون قولية أو تكون فعلية كأن يقول حبست أو سبلت ونحوه مما يحقق معنى إرادة الواقف، وقد يكون ذلك بالفعل كأن يخصص أرضاً للصلاة ويفتح أبوابها للمسلمين للصلاة فيها أو أرض تخصص لإقامة أحد المشروعات الخيرية ونحو ذلك•
جريمة الاعتداء على الوقف
وتحدث فضيلة الشيخ ابن خنين عن الاعتداء على الوقف مبيِّناً أن الهدف السامي الذي يحققه الوقف، يجب على المسلمين أن يحترموه، فالوقف كما تبيَّن له وظائف عظيمة في المجتمع المسلم، ولا بد أن يعلم الجميع أن الاعتداء على الوقف سواء بسلبه أو أي صور من صور الاعتداء يعتبر جريمة عظمى وخطراً عظيماً لأن الاعتداء على الوقف يعني قطع الطريق على تحقيق الأهداف المرجوة من هذا الوقف الذي تم الاعتداء عليه، ومن هنا جاءت النصوص عامة وخاصة بالوعيد الشديد لمن يعتدي على الأوقاف ومن ذلك قول الله عزَّ وجلَّ {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (188) [البقرة] • والوقف هو مال من أموال الناس قد خصصه صاحبه ليكون قربة له عند الله عزَّ وجلَّ وتكون غلاته في خدمة الإسلام والمسلمين، والمعتدي على الوقف يهدم هذه الأغراض النبيلة السامية• ومن النصوص أيضاً في صور الوصية {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } (181) [البقرة]• وهذا نهي صريح عن تبديل الوصية والوقف مثلها أو أولى فالاعتداء على الوقف بالتغيير أو التبديل منهي عنه وهذا يبين خطورة تعريض الوقف للتبديل وهو أحد صور الاعتداء على الوقف•
صور الاعتداء على الوقف
وبيّن الشيخ ابن خنين صور الاعتداء على الوقف وذكر منها تبديل صيغة الوقف وتغيير مصارف الوقف إما بتعطيل لها وإما أن يزاد فيها ما ليس منها، وإما أن ينقص من غلة الوقف أو من مصارفه• ومن صور الاعتداء على الوقف كتم هذا الوقف والمقصود هنا بعض الورثة الذين يكتمون وقفاً أوقفه مورثهم، فإذا وجدوا ورقة كتبها المورث وتركها تجد مثل هؤلاء يخفون هذه الورقة أو تمزيقها ثم يتصرفون في الوقف بالبيع وهذا خطر عظيم لأن كتم الوقف أشد إثماً من تغييره، فإذا كان الله عزَّ وجلَّ نهى عن تغيير الوقف فكيف بكتمه الذي هو أشد• ومن صور الاعتداء على الوقف الاستيلاء عليه والتصرف فيه تصرف المالك له وهذه الصورة شائعة بكل أسف في بعض المجتمعات الإسلامية وهذا عمل مشين وينطبق عليه {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (188) [البقرة]• ومن هذه الصور الخيانة من قبل متولي الوقف وهذا أمر منكر ومنهي عنه قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } (58) [النساء]• ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم” والذي يقصر في أمر الوقف من الذين يتولونه خانوا الأمانة• ومما يسبب الاعتداء على الأوقاف تساهل النظار وإهمالهم في حفظ الوقف ورعايته وإصلاحه كي يبقى صحيحاً منتجاً يغطي غلاله التي أوقف لأجل نفعها، وهذا التساهل من هذا الناظر هو اعتداء فناظر الوقف إما أن يقوم بحماية هذا الوقف على الوجه الصحيح أو يبلغ القاضي بأنه يستطيع أن يقوم بهذه المهمة لكي تعيِّن المحكمة ناظراً آخر على هذا الوقف• والحل في مثل ذلك يعني في تساهل النظار وخيانتهم إن يتم مراقبتهم والرقابة أمر مهم للغاية وتكون الرقابة قبلية ومع التصرف وتكون بعد التصرف وكلها أمور مهمة أن يراقب النظار في تصرفاتهم على الأوقاف من قبل القضاء ومن قبل الجهات الإشرافية على الأوقاف• وكل ذلك داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أصل من أصول الإسلام• فالولاية على الأوقاف تحتاج مواصفات ولا بد أن يكون ناظر الأوقاف قوياً وأميناً لحماية الوقف وأن تكون هناك قواعد إجرائية يضمن معها حسن تصرف الناظر• ومن ضوابط وقواعد الوقف أن العين التي توقف لا بد أن تشتمل على منفعة دائمة لأنه إذا لم يكن لها منفعة دائمة فما الفائدة من الوقف فلا يصح وقف ما لا نفع فيه• ومن هذه الضوابط أن يكون الوقف على جهة بر لأن المقصود بالوقف الثواب عند الله والنفع للآخرين، فلا يجوز الوقف على جهة معصية أبداً وإلا انقلب إلى هذه، فالوقف على جهة غير بر هو وقف باطل ولا يصح كالوقف على الغناء ونحو ذلك• ومن الضوابط في هذا الباب أن يكون الوقف ناجزاً فلا يصح الوقف المؤقت كأن يقول أحدهم وقفت داري لمدة شهر ثم تعود إليَّ ولا يجوز أن يعلق الوقف بالموت فما دام أوقف بالقول أو الفعل فلا ينتظر حتى يتوفى لكي ينجز هذا الوقف بل ينجز في الحال، والأوقاف إما أن تكون خيرية كبناء المساجد ودور القرآن وغيرها وإما أن تكون أهلية ينفق منها على الأهل والأقارب ونحو ذلك•
المصدر: مجلّة الدعوة ـ 22/ 7/ 1431

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!