المفهوم الإسلامي للتكافل الاجتماعي

نأليف: الشيخ منصور الرفاعي عبيد
عرض – محمد إسماعيل
يقيم الإسلام بمنهجه السليم في دنيا الناس التكافل الاجتماعي الذي يحقق الأمن والسلام اللذين تستريح بهما الأمة وتنطلق إلى البناء والعمل وتحقيق التقارب بين الطبقات حتي لا يكون هناك غنى فاحش ولا فقر مدقع.  والكتاب يمثل مساهمة جيدة في مجال التعريف بمفهوم التكامل الاجتماعي في الإسلام, ويقدم شرحاً وافياً ومفيداً في هذا المجال, والكتاب صدر تحت عنوان “المفهوم الإسلامي للتكافل الاجتماعي” للشيخ منصور الرفاعي عبيد, عن مكتبة الدار العربية للكتاب.
 ويعد الكتاب من القطع الكبير وبلغت عدد صفحاته أكثر من مئة وتسعين صفحة, مقسمة إلى بابين الأول تحت عنوان “من أجل رفاهية المجتمع” ويضم خمسة فصول, يتناول الأول مقارنة اجتماعية والثاني يتحدث عن أن العمل عبادة والثالث يتطرق إلى محاربة الإسلام للتسول والرابع يتوقف عند معاملات مالية حرمها الإسلام, ويتحدث في الخامس عن التكافل الاجتماعي. أما الباب الثاني, فإنه يضم أيضا خمسة فصول, يتناول الفصل الأول الزكاة والثاني والثالث تحدثا عن الأنواع التي تجب فيها الزكاة وفي الفصل الرابع تحدث عن زكاة الأسهم والسندات وفي الفصل الخامس أجاب على تساؤلات اجتماعية مهمة في موضوع الزكاة.
 ويؤكد المؤلف أن” المال مال الله..والإنسان – تبعا لذلك- مستخلف عنه(سبحانه وتعالى) في ذلك المال”, ومن منطلق هذه المقولة البسيطة في مبناها العظيمة في معناها جاء هذا الكتاب ليبين للقارئ فلسفة الإسلام في مسألة التكافل الاجتماعي, ويوضح – بصورة لا لبس فيها- قواعد ومعايير التكليف الإلهي لركن أساسي من أركان الإسلام, وهو ” الزكاة” وبيان ما هو حق معلوم للسائل والمحروم, وجميع ما يدخل في دائرة التحريم من المعاملات المالية في الإسلام. مع الإشارة إلى أخلاقيات هذا الدين القيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه,وأثر ذلك على تماسك الأمة ومتانة نسيجها.
 ولم يفت المؤلف وهو عالم وداعية إسلامي أن يشير إلى أن التكافل الاجتماعي لا يقف عند حدود الجانب المادي فقط, بل إلى المعنوي منه أيضا حيث يهتم بكرامة الإنسان ويعلي من قدر العلم والعلماء, ويعني بالبر والتقوي, ويدعو إلى عمل الصالحات والتواصي بالصبر والحق.. وفي ذات المعنى تأكيد على أن المؤمنين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
 إن القارئ المسلم الشغوف إلى المعرفة الدينية سوف يجد في هذا الكتاب إجابة مستقيمة وشافية عن كل الأسئلة التي تدور في ذهنه وتجول بخاطره لتقطع عنده شكا بيقين, وتأخذ بيده من ضلالة إلى هداية, وتضيء له نورا بعد ظلام.
 ويقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد مؤلف الكتاب: إن المجتمع الفاضل هو الذي يشع في أرجائه روح الأخوة والمحبة والتعاون, وهذه كلها تندرج تحت القول المعروف(التكافل الاجتماعي),وهو أن يحس كل واحد في المجتمع بأن عليه واجبات لهذا المجتمع يجب عليه أداؤها, وإذا قصر في أداء الواجبات الموكولة إليه فربما أدى ذلك إلى انهيار المجتمع عليه وعلى غيره.
 لهذا كان على كل شخص قادر أو ذي سلطان أو منصب أو جاه في المجتمع أن يمد يده بالخير لكل محتاج إليه, وأن تكون كل القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على المصلحة العامة ودفع الضرر ليكون البناء سليما, وفي هذا جاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
 وأشار المؤلف إلى أن الدارس لنظام الوقف يرى طيبة القلب, وسخاء النفس, والطابع الإسلامي يسيطر على تلك النفوس التي قدمت الخير, وأظهرت للعالم نظما لم تتوصل إليها أكثر الدول حضارة في مجتمعنا المعاصر, إن أرقى الدول لم تتوصل إلى مناهج يسعد الجميع في ظلها, كما خطط الإسلام ورسم لأتباعه ما به يفخرون على العالم كله شرقه وغربه.إن المسلمين تتبعوا مواضع الحاجات فوقفوا لها أوقافا, حتى إنهم وقفوا أوقافا وعينوها لعلاج الحيوانات المريضة,وأخرى لإطعام الكلاب الضالة, لأن الرحمة في قلوبهم تشمل الإنسان والحيوان حسبما نبه الإسلام ودستوره (القرآن) وهدي الرسول الكريم.
 ويرى الشيخ منصور الرفاعي إن التكافل الاجتماعي في الإسلام لا يقف عند حدود الأمور المادية أو وسائل المعيشة فقط, وإنما التكافل يتعدى إلى البر بأنواعه,والمعرفة بأسبابها المختلفة والمعنى صيانة الحق, ورعاية الفضيلة وتوفير الطمأنينة, برعاية الإنسان من كل جوانبه.. يمده بالعلم, ويسهل له وسائل المعرفة.
 إن التكافل الاجتماعي في الإسلام أصيل في إنسانيته, عام في فطرته, بار في تطبيقه, عميق في دوافعه, فطري النزعة, يستمد مقوماته من الإيمان بالله والثقة فيه, إن غايته رضاء الله سبحانه, وأمام عيني قول الحق:(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين).
 في جو التكافل الذي يسيطر على المجتمع لا تجد فئة ظالمة وأخرى مظلومة, لا ترى فئة مستغلة وأخرى مستغلة..في هذا الجو لا يمكن أن يقع التنابذ بين الناس, ومن خلاله لا يتمنى فريق زوال نعمة الفريق الآخر, بل إن أواصر الصداقة والمحبة والأخوة تسود دنيا الناس, وما أجمل تعبير القرآن حين يقول: :(وما تنفقوا من خير فلأنفسكم…). وحين يقول (من عمل صالحا فلنفسه).
 وأضاف المؤلف إن أصالة التكافل الاجتماعي في الإسلام جعلته يتساوى فيه الجميع, الحاكم والمحكوم. حدث الشعبي أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه, ضاعت منه درع, فوجدها عند نصراني, فأقبل به إلى القاضي (شريح) يخاصمه, قال على:” هذه درعي ولم أبع ولم أهب”. قال (شريح) للنصراني: ” ما تقول فيما قال أمير المؤمنين ? ” قال النصراني: ” الدرع درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب”. فالتفت (شريح) إلى علي, وقال: “يا أمير المؤمنين ألك بينة?”, فابتسم علي, وقال: “أصاب (شريح) مالي بينة”, فقضى بالدرع للنصراني, فأخذها ومشي خطوات ثم رجع, وقال: “أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء, أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه فيقضي لي, أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين, سقطت منك وأنا أخذتها”, فيقول علي: “أما إذ أسلمت فهي لك”.
 إن الخليفة لم يحاول أن يتخذ القوة سبيلا لأخذ درعه, والقاضي لم يطوع النصوص لإرضاء أمير المؤمنين,لأن سلطان الضمير أقوى من أي قوة على ظهر الأرض. ففي أي مدرسة تخرج هؤلاء.إن المدرسة الفريدة التي تخرج فيها هؤلاء هي مدرسة الإيمان الذي يعلي صوت الحق والضمير, وينادي بتطبيق العدل, ويهون على الإنسان شهواته ومطالب حياته, فلا تعجب أن ترى تلك النماذج الطيبة الرائعة تمشي بين الناس وتحيا في دنياهم ليكونوا مشاعل ضوء على درب الحياة, لقد وصف الله مجتمعهم بقوله:(محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم…).
 إن تعاليم الإسلام وقد تشربتها تلك النفوس فأقامت بها المجتمع المثالي الذي استظل بقانون الحق, مؤتلفا بالعدل, زاخرا بعمل الخير, لقد أتم بناء النفوس وإعدادها حتى صار الواحد يأتلف مع أخيه في بوتقة النقاء والطهر والعفاف, جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجته عائشة رضى الله عنها يسألها طعاما, فذكرت له ما تبقي من شاة ذبحوها ووزعوها على الفقراء ولم يبق إلا شيئا قليلا, فقالت: “وزعناها كلها إلا هذه!”, فقال صلى الله عليه وسلم:” كلها بقيت إلا هذه”..ونص الحديث هو : عن عائشة رضي الله عنها,أنهم ذبحوا شاة,فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” ما بقي منها?” قالت :” ما بقي منها إلا كتفها”.قال :” بقي كلها غير كتفها”.
 إن عناية الإسلام بالمجتمع نابعة من تقديره لكرامة الإنسان, لأنه هو الأساس في صنع حضارة العالم, وفي ازدهار الحضارة والتقدم والرفاهية..لذلك حث الإسلام أتباعه أن يتعاونوا على البر والتقوى, وأن يتواصلوا فيما بينهم بالصبر والحق, وأن يكونوا جميعا كالجسد الواحد, مثلهم كمثل اليدين, تغسل إحداهما الأخرى, وأن يقول كل إنسان:” لن أكون إلا إذا كان أخي,ولن يكون أخي, إلا إذا كنت”..ألا ما أجمل الإحساس! وما أجمل التعاون ! فلنجعل المال في أيدينا والحب في قلوبنا, ونعمل على إسعاد أنفسنا بالمال لنشعر بالأمن والاستقرار, وبهذا يفرح المؤمنون وتنتصر الفضائل.
المصدر: صحيفة السّياسة الكويتيّة ـ 3/ 9/ 1431

0 تعليق

اترك رد

المحتوى محمي !!