انتشار وقف النقود في بلاد الشام
“وقفنا ـ الثلاثاء 7 ذي القعدة 1427”
يمثل كل مؤتمر علمي دولي فرصة لمراجعة ما هو موجود في المجال المحدد للبحث وإضافة ما هو جديد، وهو ما يعكس قيمته ونجاحه بطبيعة الحال.
وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن المؤتمر الدولي الرابع لتاريخ بلاد الشام الذي عقد مؤخراً في عمان (10-14 أيلول/سبتمبر 2006) بمشاركة حوالي مئة باحث من بلاد الشام (لبنان وسورية والأردن وفلسطين) وتركيا ومصر وفرنسا والجزائر واليابان، إلخ. ويلاحظ هنا أن الجهة المنظمة (لجنة تاريخ بلاد الشام التي تمثل الجامعة الأردنية وجامعة اليرموك وجامعة دمشق) اختارت لهذا المؤتمر موضوعاً واحداً ومحدداً (الأوقاف في بلاد الشام منذ الفتح العربي الإسلامي إلى نهاية القرن العشرين) يقلّ فيه المتخصصون ويكثر فيه المنشؤون. وهكذا يمكن القول إن المؤتمر شكل إضافة نوعية إلى ما هو معروف ومنشور في بعض الأمور مثل: وقف النقود ووقف المرأة ووقفا اليهود والمسيحيين، الخ، وذلك بالاستناد إلى مصادر أصلية لم تستنفد بعد (دفاتر الطابو العثمانية، سجلات المحاكم الشرعية، إلخ).
وفي ما يتعلق بوقف النقود، على سبيل المثال، الذي يزداد الاهتمام به مؤخراً تجدر الإشارة إلى أنه برز فجأة خلال 872هـ/ 1423م في العاصمة الأوروبية الجديدة للدولة العثمانية (أدرنه) قبل أن ينتقل إلى الشرق (الأناضول) بعد فتح القسطنطينية في 1453م. وقد أثار هذا النوع الجديد من الوقف الاختلاف بين الفقهاء والأحناف في الدولة العثمانية (حيث كان المذهب الرئيس فيها في ذلك الوقت) حيث أجازه البعض وحرمه البعض الآخر. وفي الواقع نشأ ذلك الخلاف لأن وقف النقود لا يقوم على وقف الأصول الثابتة ( الأراضي والبيوت، إلخ) بل على وقف النقود ذاتها لكي تشغل كقروض للتجار والحرفيين بفائدة سنوية محددة (10- 15 في المئة) على أن يوجه العائد منها للأغراض الخيرية المعروفة (خدمة جوامع، مدارس، إلخ).
وقد اعتبر بعض الباحثين هذا النوع الجديد من الوقف بمثابة «الإسهام العثماني في الحضارة الإسلامية» وحتى «ثورة في الفقه المتعلق بالوقف». ولكن الإشكال في الدراسات الحديثة بقي في تعيين خريطة انتشار وقف النقود. فقد تزامن انتشار وقف النقود وخلاف الفقهاء حوله في اسطنبول مع الفتح العثماني للبلاد العربية، ولذلك بقي السؤال قائماً منذ عقود عدة عن انتشار هذا النوع الجديد من الوقف في بلاد الشام وغيرها.
وهكذا إذا أخذنا في الاعتبار الكتاب المرجعي الذي صدر مؤخراً للباحث المعروف في الدراسات العثمانية شوكت باموك «التاريخ المالي للدولة العثمانية» (صدر في أكسفورد عام 2000م، وفي بيروت 2004م) لوجدنا أن المؤلف ينتهي إلى القول إن «مدى الانتشار الجغرافي لأوقاف النقود في الأقاليم العربية لا يزال غير واضح، ورأى البعض أن أوقاف النقود لم تكن موجودة أصلاً في الأقاليم العربية، حيث التسليفات بالفائدة لم تكن مقبولة بنفس البساطة». ومع أن باموك يشير إلى ما نشر مؤخراً حول «توثيق وجود أوقاف نقود في حلب» (انظر كتابنا «دراسات في التاريخ الحضاري لبلاد الشام في القرن السادس عشر، دمشق 1995م) إلا أنه ترك الباب مفتوحاً بالقول «من الممكن أن تكشف الأبحاث القادمة عن أمثلة أخرى في مدن عربية أخرى، على الأقل في سورية». (ص 160).
وبالفعل، قادت الأبحاث الجديدة التي اشتغلت عليها بالاستناد إلى سجلات المحاكم الشرعية إلى اكتشاف وجود بارز لوقف النقود في القدس خلال القرنين الأولين للحكم العثماني في القدس. فقد تبين لنا وجود 65 وقفاً للنقود خلال القرنين 10-11 للهجرة/ 16-17 للميلاد، وهو ما له دلالة كبيرة نظراً إلى مكانة القدس في العالم الإسلامي (انظر: «الحياة»، عدد 4/6/2005).
ولكن الجديد الذي أضيف إلى ما نعرفه عن انتشار وقف النقود في بلاد الشام كان حول اكتشاف مثل هذا الوقف في دمشق وطرابلس والشام واللاذقية، وذلك بالاستناد إلى الورقة التي قدمها د. محمد عامر من قسم التاريخ في جامعة دمشق. وعلى رغم أن الورقة ينقصها التأصيل التاريخي إلا أنها حفلت في نهايتها بصور وقفيات عدة مأخوذة من سجلات المحاكم الشرعية التي تثبت وصول هذا النوع من الوقف إلى بلاد الشام بعد الفتح العثماني لها.
وفي انتظار المزيد من الأبحاث حول هذا الموضوع لدينا الآن أقدم وقفية من هذا النوع في دمشق تعود إلى 11 شوال 1002هـ/ 1593م. وبحسب هذه الوقفية فقد قام «الحاج جعفر بن عبدالله التاجر بسوق السباهية» (التي تقوم مقامها الآن سوق الحميدية) بوقف مبلغ وقدره 375 سلطانياً ذهبياً «تعادل 15 ألف قطعة فضة»، وعين له متولياً إدريس بن عبدالله الرومي ومن بعده تؤول الولاية على الوقف إلى شقيقه «الملا أدهم ابن عبد الله إمام جامع الحشر» (جامع السنجقدار الآن المواجه للبوابة الغربية لقلعة دمشق). وقد شرط الواقف على المتولي أن يشغل النقود على شكل قروض بفائدة سنوية قدرها 10 في المئة، ولكن اشترط عليه (كما هو الحال دائماً في هذا النوع من الوقف) ألا يقدم القروض إلا «لمن يكون قوياً ذا ملاءة وقدرة برهن منقول وكفيل قادر». أما عن العائد من هذه القروض فقد خصصه الواقف للجامع المذكور وقراءة القرآن الكريم فيه.
ويلاحظ هنا، كما في القدس، أن بدايات وقف النقود ارتبطت بـ «الأروام» أو القادمين للخدمة العسكرية والتجارة والمجاورة من المناطق الأخرى (الأناضول والبلقان) للدولة العثمانية، التي كان قد شاع فيها وقف النقود. وهكذا يلاحظ في الوقفية أن الواقف كان حريصاً على الإشارة إلى أن ما وقفه «على قول من يرى صحة وقف النقود من الأئمة الحنفية»، حيث إن شيخ الإسلام المعروف آنذاك أبو السعود أفندي (توفي 982هـ) كان قد ألف آنذاك «رسالة في جواز وقف النقود» للتأكيد على صحة هذا النوع من الوقف. ومن ناحية أخرى يلاحظ أن اسم الواقف واسم المتولي الأول واسم المتولي الثاني تدل على أنهم جميعاً من «الأروام»، أي من الذين جاؤوا من داخل الدولة العثمانية الى دمشق ليستقروا فيها سواء للتجارة أو المجاورة.
وبالاستناد الى ذلك يمكن اعتبار هذه الوقفية نقطة الانطلاق للبحث في سجلات المحاكم الشرعية في دمشق وفي المصادر الأخرى عن المزيد حول هذا النوع الجديد من الوقف لتبيين مدى انتشاره وموقف الفقهاء الحنابلة والشافعية منه.
[المصدر: جريدة الحياة]