أنماط التوظيف الاجتماعي للوقف في رمضان
“وقفنا ـ الخميس 3 رمضان 1426”
تكشف لنا وثائق الأوقاف – التي سجلت وقائع الممارسة الاجتماعية لنظام الوقف على مر التاريخ – عن أن ” شهر رمضان ” قد حظى باهتمام كثير من الواقفين على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية، وتباين أوضاعهم الاقتصادية، كما تكشف تلك الوثائق أيضاً عن أن المبعث الرئيسي لاهتمامهم بهذا الشهر هو كونه شهر أداء فريضة الصوم، فضلاً عن أنه موسم حافل بكثير من المناسبات ففيه أنـزل القرآن، وفيه ليلة القدر، وفيه الحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء. وبالرغم من تعدد صيغ تخصيص ريع الوقف وتنوع
مجالات إنفاقه في رمضان إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن تخصيص شئ من الريع لإنفاقه في هذا الشهر لم يكن مقتصراً فقط على ماله صلة بالصيام؛ كتوفير فطور الصائمين أو سحورهم، وإنما اشتمل على أغراض أخرى هي من أبواب البر والمنافع العامة التي يستحب الإنفاق عليها في المواسم والأعياد بصفة خاصة، وفي الأحوال العادية بصفة عامة، ولكن العناية بها في رمضان بالذات لها مغزاها المرتبط بأفضليته التي سبقت الإشارة إليها.
وعلى أية حال فإنه يمكن تصنيف صيغ التوظيف الاجتماعي للوقف في رمضان في ثلاثة أنماط رئيسية هي كالآتي :
نمط التحويلاتالنقدية،وهو أن ينص الواقف على تخصيص مبالغ نقديةمن ريع وقفه لإنفاقها خلال شهر رمضان المبارك؛ على الفقراء والمساكين وذوي الخصاصة،ومثال ذلك ما نص عليه محمد باشا سليمان أبو النجا في حجة وقفيته – بمصر – التي يرجعتاريخها إلى سنة 1369 هـ / 1950م - وهو أن يصرف للفقراء والمساكين من ريع الوقـف 7جنيهات ( يومياً ) على مدار أيام شهر رمضان و 90 جنيهاً في آخر يـوم من رمضانسنوياً(4).
والتخصيص الوارد في هذا المثال – وأمثلته كثيرة – هو عبارة عنعطاء نقدي لتلك الفئات بلا مقابل، ودون تكليفهم بأداء أية خدمة، وهدفه هو إعانتهمليتمكنوا بأنفسهم من تدبير بعض ضرورياتهم خلال الشهر الكريم.
وهناك نوع آخر منالتخصيص النقدي الذي اشترط بعض الواقفين إنفاقه في رمضان، ولكن مقابل قيامالمستحقين بأداء خدمة ذات طابع رمزي، أو شعائري أو ثقافي، والأمثلة على ذلك كثيرة : منها ما ورد في حجة وقف السلطان سليمان بن سليم الأول العثماني على التكيةالسليمانية – بدمشق- وعلى المسجد الملحق بها وهو أن ” ُيِرتب إمامان من أهل الصلاح… يحضر واحد منهما بنوبة كل وقت من الصلوات الخمس المكتوبة والتراويح المسنونةالمندوبة، ويُدفع إلى كل واحد منهما كل يوم سبعة دراهم(5).
ومنها ما ورد – أيضاً – في حجة الحاجة نازنده بنت مصطفى أغا،زوجة والي بغداد في سنة 1814م التي نصت على أن يرتب في المسجد الذي أنشأته ” واعظشهر رمضان ويعطي خمسمائة قرش، وممجد ليالي رمضان ويعطى مائة قرش، وقراء القرآن فيشهر رمضان ويعطون ألف قرش(6).
ومنها كذلك ما ورد في حجة وقف شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينةالمنورة – على ساكنها أفضل الصلاة والسلام – وهي تعد من أقدم وأهم المكتباتبالجزيرة العربية بوجه عام، وفي المملكة العربية السعودية بوجه خاص، ويرجع تاريخإنشائها إلى عام 1270 هـ ( 1852م ) وقد شرط لثلاثة من حفظة الكتب ( أمناء المكتبة ) ” أن يعطى كل واحد منهم عند دخول شهر رمضان شهر الغفران إثنا عشر ريال فرانسويهعيناً أجرة القدم(7).
ومن ملاحظاتنا على ” التحويلات النقدية ” كصيغة للتعبير عناهتمام الواقفين برمضان أن هذا النمط لم يكن شائعاً، ويبدو أن الواقفين كانوايفضلون تخصيص عطاءات عينية – وليست نقدية – أو تقديم خدمات مجانية في مجالاتالتعليم والصحة والسكن .. الخ ) من خلال بعض المؤسسات المختصة بتقديم تلك الخدمات،أو بتوفير منافع عمومية أو رعاية اجتماعية خاصة لبعض الفئات.
2 – نمط المساعداتالعينية،وهو أن ينص الواقف على الصرف من ريع وقفهلشراء بعض السلع والحاجات – كالأطعمة والأشربة والملابس – وتوزيعها خلال شهر رمضانعلى فئات متنوعة من عامة الناس، مع إعطاء أولوية الاستحقاق لكبار السن والعاجزين عنالكسب والضعفاء والأيتام ومقيمي الشعائر في المساجد والتكايا والرباطات، والمشايخالملازمين للمساجد، وللمساكين، وحتى للسجناء.
وبالتأمل في تفاصيل ما نص عليه بعضالواقفين من شروط خاصة بالإنفاق في رمضان يتبين لنا مدى الحرص على تقديم مساعداتجيدة كماً ونوعاً، لتلك الفئات في هذه المناسبة، وقد تفاوتت إسهامات الواقفين فيهذا المجال، كل حسب مقدرته الاقتصادية، ومكانته الاجتماعية ورغبته في فعل الخيرات،والأمثلة على ذلك كثيرة من الوقفيات القديمة ومن الأحدث نسبياً، وفيما يلي بعضنماذج منها تبين أصناف المساعدات من الأطعمة والأغذية المختلفة:
أمن أوقاف مصر في العصر المملوكي، ما وردفي حجة وقف السلطان حسن، وهو أن ” يصرف في كل يوم من أيام شهر رمضان ثمن عشرةقناطير من لحم الضأن، وثمن أربعين قنطاراً من خبز القرصة، وثمن حب الرمان، وأرزوعسل، وحبوب وإبزار، وتوابل، وأجرة من يتولى طبخ ذلك وتفرقته، وثمن غير ذلك ممايحتاج إليه من الآلات التي يطبخ بها، فيطبخ ذلك في كل يوم من أيام الشهر المذكورزيادة على ما هو مرتب في ليالي الجمع(8).
ومن هذا النص يتضح مدى الاهتمام الكبير الذي أولاه ” السلطان ” لشهر رمضان، وحرصه على التوسعة على الناس فيه، كما يتضح مدى إدراكه العميقلاستغلال هذه المناسبة للوصول إلى قلوب رعيته، ومشاركتهم في الاحتفاء بها، والأهممن هذا وذاك – في نظرنا – هو حرصه على التماس رضا الله تعالى عليه ونوال مثوبتهومغفرته في هذا الشهر الكريم على الدوام والاستمرار في حياته ومن بعد مماته، الأمرالذي جعله يختار صيغة الوقف أو ” الصدقة الجارية ” ويربطها بفريضة الصوم.
بمن أوقاف دمشق في مطالع العصر العثماني ماورد في حجة وقف السلطان سليمان بن سليم الأول العثماني، على تكيته بمدينة دمشق وهويشبه ما ورد في حجة السلطان حسن السابق ذكرها؛ من حيث مضمونه ودلالته.
فقد شرطالسلطان سليم ” أن يطبخ في ليالي رمضان المبارك الشريف ويومي العيدين وليلةالبراءة؛ الأرز المفلفل، والحلو المزعفر ” وعين لكل مرة ” ثلاثة وتسعين مناً منالأرز النقي، وللطعامين المرقومين لكل مرة ستة وعشرين مناً، وثلاثة أداني من السمنالبقري، وللمزعفر منها كل نوبة ثمانية وعشرين مناً من العسل الحرى …”.
وحتىيضمن جودة تلك الأطعمة وتقديمها للفقراء بطريقة لائقة فإنه نص على توظيف أشخاص تكونمهمتهم : تنقية الحنطة والأرز حسبما تستريح أسنان الطاعم عند صدمة دقاق الحجارة عندتناول المطاعم، ويعطى لكل منهم كل يوم درهمان ” أما تقديم الطعام فيقوم به ” ثلاثةرجال لحمل الطاسات المحشوة بالطعام إلى فقراء الأنام الحاضرين – بالتكية – غدواًوعشياً، ويعطى لكل منهم كل يوم درهمان(9).
جـمن أوقاف تونس ما ورد في تقرير الشيخ الورتاني عن تفقده لأوقاف الساحل التونسي في 18 ربيع الأول 1292 هـ – 24 إبريل 1875، وهو أن زيتون فطر الصائمين بجامعي القصبة والزاوية كان مغاراً عليه فاسترجع،وأن من مصروف الحبس الكبير للمنستير ثمن خبز لفطر الصائمين بالجامع الأعظم(10).
وقد نصت الست فاطمة عثمانة – وهي من أشهر المحسنات الواقفاتفي تونس – أن يصرف من ريع وقفيتها ما يكفي لشراء طعام وشراب المساجين المحبوسين فيسجن القصبة(11) ، ومنطرائف وقفيات تونس في رمضان ما شرطه بعض الواقفين للصرف على ” توفير الزلابيةلمؤذني جامع الزيتونة في ليالي رمضان(12) ؛ ربما لمساعدتهم على أن يكون صوتهم جلياً جهيراً حتى يسمعهمالناس بوضوح، وبخاصة في وقت الإفطار ووقت الإمساك.
3- نمط الدعم العينيللمؤسسات المدنية،وفي مقدمتها المدارس ومكاتبالسبيل، والأربطة، والخنقاوات، والتكايا والملاجئ.وقبل أن نورد بعض النماذجالتي توضح مدى اهتمام الواقفين بما أسميناه المؤسسات المدنية ” فإنه يجب أن نلاحظأن ” الوقف ” كان هو المصدر الأساسي – وكاد أن يكون الوحيد – لدعم تلك المؤسساتابتداء من نشأتها مروراً بإدارتها وتمويلها وضمان بقائها واستمرارها في أداءوظائفها . وقد كان هذا الدعم متواصلاً طوال شهور السنة، ولكن ” شهر رمضان ” كانمناسبة مهمة لكي تتلقى المدارس والمكاتب والتكايا … الخ مزيداً من المخصصات منريع الأوقاف في صورة نقـدية في قلـيل من الحالات أو ” عينية ” في أغلبها .
كمانلاحظ – أيضاً – أن كل مؤسسة من تلك المؤسسات لم تكن في الماضي تعمل بمفردها أوبمعزل عن غيرها في الواقع الاجتماعي، وإنما كان بينها قدر عال من التساند الوظيفيطوال أيام السنة، وفي شهر رمضان على وجه خاص، الأمر الذي أدركه الواقفون وأخذوه فياعتبارهم وهم يخصصون ريع وقفياتهم ويوزعونها على مصارف الإنفـاق المتعددة، ونادراًما نجد ” مدرسة ” – مثلاً – أو مكتباً لتعليم القرآن، أو تكية قائمة بذاتها مستقلةعن غيرها، وإنما كانت في أغلب الحالات مشتركة مع مؤسسة أخرى أو أكثر ضمن إطار وظيفي – اجتماعي واحد، وكثيراً ما تطالعنا المصادر التاريخية بمجموعات متكاملة ومتجاورةمن تلك المؤسسات كأن يكون المسجد الجامع ملحقاً به مدرسة ومكتباً وتكية، أو تكونالخانقاة مشتملة على زاوية أو مسجد للصلاة، ومدرسة، وسبيلاً لتوفير المياه الصالحةللشرب وهكذا.
وهذا – التساند أو التكامل – الوظيفي هو الذي أعطى تلك المؤسساتبعدها الاجتماعي وعمَّق مغزاها المدني، وقـد أسهم الوقف في ذلك بالدور الأكبر،واحتل ” رمضان ” مكانة متميزة كمحفز معنوي لتوفير مزيد من الدعم المادي، ولتوثيقالتكامل الوظيفي بين تلك المؤسسات التي حظيت بمزيد عناية خاصة في ليلة السابعوالعشرين وهي ليلة القدر التي هي ” خير من ألف شهر “.
وثمة أمثلة كثيرة على ما ذكرناه ومن ذلك الآتي :
أ- المدارس :منها المدرسة الباسطيةبالقدس، وكانت مخصصة للأيتام، وكان – كل يتيم يتقاضى حسب المعلومات المتوفرة عن سنة ( 834 هـ ) 15 درهماً شهرياً، وكان يعطى 30 درهماً بدل كسوة بمناسبة رمضان وعيدالفطر المبارك(15).
ومنها مدرسة الحديث النبوي التي أسسها خاير بك سنة 908 هـفي عهد السلطان الغوري بمصر، وجعلها ملحقة بمسجده، وخصصها لتعليم الحديث الشريفيومياً خلال شهور رجب وشعبان ورمضان، على أن يعطي ” معلوماً ” لقارئ يقرأ الحديثيومياً طـوال الشهور الثلاثة من صحيح مسلم(16).
ومدرسة الأمير صرغتمش – بالقاهرة – الذي نص في وثيقة وقفهعليها أن يرتب مزملاتي مهمته جلب الماء من السبيل الموجود في المدرسة يومياً،نهاراً في أيام الفطر، وليلاً في رمضان، ويشترط في المزملاتي أن يكون خيراً متديناًيتمتع بصحة جيدة، ويصرف للمدرس في كل شهر ثلاثمائة درهم نقرة، ومن الزيت والطيبخمسة أرطال، ومن الصابون خمسة أرطال، كما يصـرف في رمضان – عـلاوة على ما سبـق – خمسة أرطال سكر(17).
وكذلك مدرسة الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل، التيأنشأتها ووقفتها بمدينة المنصورة – بمصر – ووقفت عليها ما يكفي للإنفاق على تعليمالبنين والبنات فيها، واختصت شهر رمضان بأن اشترطت ” شراء كساوى لماية وعشرينتلميذاً وتلميذة، من ذلك ستون تلميذاً ذكراً وستون تلميذة أنثى بشرط أن يكون المايةوالعشرون المذكورون من المسلمين الفقراء، وتكون كسوة كل واحد من الستين تلميذمشتملة على بنطلون وزكته وصديري من الجوخ الوسط، وطربوش، وقميص ولباس بفته، وجزمةوشراب، وربطة ياقة، وتكون كسوة كل واحدة من الستين تلميذة الإناث مشتملة على فستانمن الحرير الوسط، وقميص من البفتة الشاش، ولباس من القماش الدبولان، وجزمة وشراببشرط ألا تقل قيمة كل كسوة من الماية والعشرين المذكورة عن جنيهين اثنين مصري – حسبأسعار بداية القرن العشرين – وأن يكون إعطاء الكساوى المذكورة للتلامذة والتلميذاتعلى الوجه المسطور في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم من كل سنه لكل واحدمنهم كسوته بيده، في محفل ( يحضره ) نائب عن ناظر الوقف وناظر المدرسة والمدرسينبـها (… ) كما يشتري كساوى لموظفي المدرسة جميعاً، بحيث يشتري لكل موظف بها مسلمكسوة تعادل ملبوسه المعتاد، وتعطى له كسوته في الوقت الذي يعطي فيه للتلاميذوالتلميذات(18)، أي في ليلة السابع والعشرين من رمضان.
ب – ” المكاتب ” وكانت تعرف بمكاتب السبيل،نظراً لارتباطها بوجود أسبلة مياه – وهي من إنشاءات الأوقاف أيضاً – وكانت منتشرةفي المدن والحواضر الإسلامية على نطاق واسع عبر مختلف العصور، وبصفة خاصة فيالعصرين المملوكي والعثماني، وظلت منتشرة حتى مطالع العصر الحديث، ونسوق عليهامثالاً واحداً وهو ” مكتب قولة “- باليونان – الذي أنشأه محمد علي باشا ووقفه فيسنة 1232 هـ – 1817 بغرض تحفيظ القرآن، وجعله بالقرب من المدرسة والكتبخانة اللتينأنشأهما ووقفهما في ” قولة” أيضاً .
وقد اشترط محمد على أنه في ” صباح ليلةالقدر الواقعة في 27 من شهر رمضان المعظم من كل سنة … يشتري لكل صبي من الخمسينصبياً – الذين يتعلمون بالمكتب – قفـطان ألاجه قيافة، وجبة وديزلك، وطربوش، وحزام،ومنديل رأس، وجوز مركوب وكسوتهم وإكرامهم، والذين يحفظون القرآن الكريم من صبيانالمكتب المذكور يعطي لكل منهم بدلة هدوم، وخمسين قرشاً ” إكراماً ” لهم وتشويقاًلغيرهم(19).
د – الخانقاوات والأربطة والتكايا والملاجئ(20) ، وجميعها كانت من المؤسسات الاجتماعية المدنية، التي أنشأتهاالأوقاف، ومولتها بما تحتاج إليه من مصروفات ونفقات على مدار السنة، وقد أولاهاالواقفون اهتماماً زائداً على ذلك في شهر رمضان بالذات؛ وحتى تتمكن من التوسعة علىالمستفيدين منها وهم من الفقراء والعجزة وكبار السن المنقطعين .
[ المصدر:موقع الإسلام]