دراسة تطالب الوقف الإسلامي باستعادة دوره التنموي و الإنساني
“وقفنا ـ الأربعاء 1 ربيع الثّاني 1428”
تظهر دراسة حديثة بعنوان (أثر الوقف في المجتمع الأردني المعاصر) بان الممارسة الوقفية في المجتمع الأردني المعاصر ليست ظاهرة بارزة تستوعب مختلف شرائح
المجتمع وتعمل على تمويل الكثير من حاجاتهم الاجتماعية وإنما تنحصر في دائرة المبادرات الفردية ، و تقتصر على حاجات محدودة جداً لا تقارن بما كانت عليه حال مؤسسة الوقف في التاريخ الإسلامي.
وتخلص الدراسة التي أعدها دكتور الاقتصاد الإسلامي محمد العمري مدير المركز الثقافي الإسلامي في اربد والمحاضر غير المتفرغ في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة اليرموك، إلى أن الوقف يستطيع المساهمة بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الاسلامية ، شريطة أن تحدد هذه المصارف وفقا للحاجات الحقيقية المستجدة للمجتمع، وليس طبقا لشروط الواقفين.
فمعطيات الحياة الاجتماعية المعاصرة لا تتحمل المزيد من الإنفاق على الأضرحة والمقامات، وحبس الثروات عن التداول، وتعطيل استثمارها وإخراجها من الدورة الاقتصادي للبلاد.
وتبين الدراسة أن من مقيدات مسيرة النظام الوقفي القصور الحاصل في النظرة الفقهية والاقتصادية للوقف ، وإنزال آليات وضوابط منبثقة من تلك النظرة مقيدة للنظام في الواقع الاجتماعي منزلة ”النص” الذي لا اجتهاد فيه رغم العيوب التي أفرزها الواقع التطبيقي له ، مما أدى لانزواء النشاط الوقفي وتراجع دوره في المجتمعات الإسلامية حاليا .
وأثبتت الدراسة وفقا لسجلات ووثائق الوقف في المجتمع الأردني المعاصر، أن النظرة الفقهية السائدة عند المواطنين لطبيعة الأموال الموقوفة حصرت موجودات هذا القطاع إلى حد كبير بالعقارات وخاصة الأراضي. فيما يحتل (الوقف على المساجد) قمة سلّم أولويات الممارسة الوقفية على اختلاف مصادرها وفقا لحجج الأوقاف بسبب ارتباط مفهوم الوقف في أذهان أبناء المجتمع الأردني بالجانب الديني.
ويقول الدكتور العمري ” نحن بحاجة لتسويق الفكر الوقفي وترشيد المبادرات الطوعية للواقفين” .
وأضاف” ليس هنالك وعي وقفي في مجتمعنا المحلي لترشيد الواقفين لحاجات المجتمع حتى القضاة الشرعيين لا يرشدون الواقفين من خلال الخارطة الوقفية للبرامج الوقفية لدى وزارة الأوقاف حسب حاجات المجتمع وفقا لمراكز النقص و الإشباع .
وبين انه من خلال اطلاعه على شروط الواقفين وجد أن اغلبها ليست على درجة كبيرة من الوعي وتفتقد الى الضبط والتقنين. فمثلا القليل من الوقفيات موجهة لصندوق الطالب الفقير بإحدى الجامعات أو موجهة لطلبة الدراسات العليا لإحدى العائلات . فحالات الذين استثمروا شروط الوقفية بطريقة سليمة قليلة جدا .
وحول الحكم الديني لإعطاء الأولوية لإنفاق ريع الوقف على حاجات الناس الأكثر إلحاحا وتقديمها على بناء المساجد، قال العمري يرتبط الأجر والثواب بقدر إزالة المعاناة وبقدر الحاجة الماسة والضرورية الأكثر إلحاحا وعوزا بالمجتمع . فقد تكون الحاجة لبناء مختبر طبي أو مختبر بالجامعة أكثر منها لبناء مسجد.
وطالب العمري وزارة الأوقاف بعد تشريحها للبرامج الوقفية في قانون الأوقاف لسنة 2003 . بإيجاد مديرية برامج وقفية قائمة على التعليم وأخرى على الصحة أو البيئة إن وجد. مؤكدا أن العملية أخذت بعدا قانونيا وتشريعيا لكن ليس بعدا مؤسسيا على ارض الواقع. مثمنا وجود صيغ حديثة للاستثمار من قبل مؤسسة تنمية الاموال الوقفية .
ويدعو العمري في رسالته الدكتوراه ( أثر الوقف في المجتمع الأردني المعاصر) ، الى توسيع الوعاء الوقفي من باب مسايرة المستجدات المعاصرة التي تظهر فيها أنواع من الحقوق و الاموال لم تكن معروفة سابقا حتى يطال العمل الوقفي العقارات من المباني و الأراضي والمنقولات على اختلاف أنواعها من الآلات و الأدوات و الأثاث إضافة للنقود و الأسهم و السندات و المنافع وحقوق التأليف و براءات الاختراع وكل مستجد له قيمة مالية ويمكن الانتفاع به دون فناء عينه .
ورغم أن الأغراض الوقفية على مر التاريخ الإسلامي لم تقتصر على الناحية الدينية البحتة ممثلة ببناء المساجد وملحقاتها بل تعدت الى الوقف على الكتاتيب لتعليم الصغار وتخصيص ريع العديد من الوقفيات لخدمة الحجيج فضلا عن أوقاف المقابر و الأضرحة و المقامات وما خصص من وقفيات للتوسعة على الفقراء في المناسبات الدينية المختلفة .
و تعدت أغراض النظام الوقفي الى الإنفاق على الجوانب العلمية فكانت الأوقاف هي المصدر الوحيد غالبا لتمويل العملية التعليمية بجميع عناصرها. ولا أدل على ذلك من إنشائها للجامعات العريقة كالزيتونة في تونس والأزهر في مصر والقرويين في المغرب.
كما ساهم الوقف باعتباره صدقة جارية في مجال الرعاية الاجتماعية و الضمان الاجتماعي ، حيث ظهرت الملاجئ و التكايا ودور إيواء المسنين وخصصت أوقاف لتزويج المستضعفين من الرجال و النساء من ذوي الحاجات الخاصة وأوقاف لرعاية الأيتام وأوقاف لتحرير العبيد والأسرى ودور الضيافة الخاصة بالغرباء وعابري السبيل . وما خصص لسداد ديون المعسرين وصولا الى بناء المستشفيات والمجمعات الوقفية ذات الخدمات المتعددة على الطرقات ومد قنوات اجتذاب الماء الى المدن وحفر الآبار وتوفير أسبلة الماء .
وتختتم الدراسة بمطالبة الوقف الإسلامي باستعادة دوره التنموي و الإنساني من خلال صيغ جديدة تسهم بتلبية احتياجات المجتمع المعاصر بعد تقلص ساحات العمل الوقفي مع بداية القرن الماضي وخاصة في بعدها الإنساني و الاجتماعي نظرا لتوجه الواقفين واستقرار الذهنية على الجانب الديني .
وتقترح الدراسة لإعادة الظاهرة الوقفية في مجتمعنا الدعوة إلى إعادة النظر في الأحكام الفقهية والقانونية التي تنظم مسيرة العمل الوقفي، وبخاصة تلك الاجتهادات التي أعاقت هذه المسيرة. ورصد الموجودات الوقفية ودمجها في إطار قاعدة بيانات خاصة بها، ومن ثم إعطاؤها الخصوصية الفقهية والقانونية التي ينبغي أن تحاط بها والعمل على تعميم فكرة الوقف بصورة مستحدثة تتلاءم ومستجدات الواقع المعاصر وتقديمها للجمهور من خلال مختلف الوسائل الإعلامية والتعليمية في المجتمع.
واقترحت الدراسة أيضا الإسراع في وضع النصوص التشريعية للنظم القانونية من اجل تنفيذ البرامج الوقفية الخاصة بجهات البر لترشيد المبادرات الوقفية وحمايتها من العشوائية وعدم التخطيط، وتوجيه الوعاء الوقفي لإشباع الحاجات الاجتماعية الأكثر إلحاحا في المجتمع.
كما دعت الى التنسيق والتعاون بين مؤسسة الوقف الرسمية والجهات الأخرى التي تقوم على أعمال البر في المجتمع كالجمعيات الخيرية،وهيئات الإغاثة لترشيد العمل الخيري والتطوعي .
وفتح برامج تدريب ميدانية للعاملين في قطاع العمل الطوعي على اختلاف مستوياته والجهات المستهدفة من ورائه. والاستفادة من الكوادر المتخصصة في الاقتصاد الإسلامي في عملية تسويق وترشيد المبادرات الطوعية الخيرية وتوجيهها نحو المجالات الوقفية التي يمكن استحداثها في واقع المجتمع المعاصر.
يشار الى أن ضعف إقبال المواطنين محليا على الوقف باستثناء بناء المساجد اضعف بدوره مساهمة الوقف في الأعمال الخيرية وجعله مقصورا فقط على بناء المساجد رغم أن مهامه تمتد الى مساعدات الفقراء و المحتاجين و المرضى وإنشاء المستشفيات والمدارس وغيرها من أعمال البر .
يذكر أن 50% من إيرادات مؤسسة تنمية أموال الأوقاف تنفق على برنامج المساجد و50 % الأخرى على باقي البرامج الخيرية الأربعة(الفقراء و المرضى و التعليم و العام) بالتساوي.
ويبلغ عدد الأراضي الوقفية بحسب أرقام مؤسسة تنمية أموال الأوقاف خمسة آلاف قطعة ارض منها أربعة آلاف للمساجد والمقابر و ألف قطعة موقوفة للاستثمار في أعمال الخير مقام على نصفها أبنية قديمة بإيجارات منخفضة والنصف الآخر هو المتبقي للاستثمار .
يذكر أن إيرادات مؤسسة تنمية أموال الأوقاف ارتفعت من مليون عام 2002 الى مليونين عام 2005 وتم تنفيذ مشاريع استثمارية بقيمة (25 ) مليونا خلال المرحلة( 2003-2006 ) بينما بلغت قيمة المشروعات الاستثمارية المنفذة خلال عشرين عاما قبل إنشاء المؤسسة في الفترة الواقعة بين (1982 -2002) أربعة ملايين فقط .
[المصدر: جريدة الرأي الأردنيّة]