مقالات

تمويل الثقافة: البحث عن حل

بقلم: فضيل الأمين
إشكالية التمويل والاستقلال المالي كأساس لبناء ثقافة مبدعة وحرة تخدم المجتمع وليس السلطة كانت وستبقى إحدى التحديات الكبرى أمام حرية وتطوّر ونمو الثقافة.
وإذا كان بقاء الثقافة والمثقفين أسرى للسلطة السياسية أمر غير مستساغ بل قاتل لكل شيء ثقافي وفني وإبداعي فلابد إذن من التخلص من الحبل السري وهو أيضا حبل المشنقة الذي يحكم تلك العلاقة.
إذا لا قلنا للتمويل الحكومي المباشر للحركة الثقافية والفنية فلا بد من طرح البديل.
وإذا كان البديل في بلدان العالم الأول هو الاعتماد على نظام الأوقافEndowments  وعلى متبني الفن Patron of the Art سواء كانوا أفرادا أم مؤسسات ربحية أو غير ربحية. فإن هذا البديل ليس غريباً عنا في تاريخنا العربي والإسلامي. فمؤسسة الأوقاف ليست غريبة ولا دخيلة على مجتمعاتنا.
فالوقف نظام نشأ قديماً وتطوّر في ظل الحضارة الإسلامية وشهد تطوراً وتنوعاً عبر التاريخ.
المشكلة أن مفهوم الوقف تكلس وتحجر وتقلّص خلال القرون الأخيرة الماضية ليصبح ممارسة محصورة في أطر الشعائر والممارسات الخدمية المحدودة. وتم اختزاله في معاني بناء المساجد ودور العبادة وتحفيظ القرآن وأعمال البر الخدمية فقط. وغاب غياباً كلياً عن مختلف جوانب الحياة الأخرى الاقتصادية والصحية والتعليمية والثقافية والعلمية.
وفي الوقت الذي تطوّر فيه مفهوم وتطبيق الوقف في العالم الغربي استمر انحساره في عالمنا الإسلامي حتى انتهى، وهو الذي استحدث ابتدأ لتحرير المجتمع ومؤسساته من سلطان المؤسسة السياسية الحاكمة، إلى وزارة أو هيئة تابعة للحكومة.
نظام الوقف في أسسه الإسلامية لم يؤسس ابتدأ لكي يُربط بوزارات سياسية مهما كان مسماها، هيئة أوقاف، وزارة أوقاف، وزارة أوقاف وشؤون دينية…
نظام الأوقاف في معناه الأساسي هو تعبير المجتمع عن نفسه عبر إنشائه ودعمه وتمويله لمؤسساته الاقتصادية والاجتماعية والصحية والفنية والثقافية والتعليمية بعيداً عن التسييس والاستغلال والتوظيف.
جامعة الأزهر قامت على الأوقاف وأصبحت منارة عالمية، وكذلك الجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى في العالم الإسلامي قبل أن تصبح مهمة بناء المدارس والجامعات والمؤسسات الخدمية والثقافية مهمة حكومية مركزية، عندما استقال منها المجتمع أو استلبت منه.
رافق هذا التراجع المستمر لدور الوقف في المجتمع العربي والإسلامي تقليص وتهميش لمفهومه ومجالاته.
ففي ليبيا كما هو الحال في عالمنا العربي والإسلامي، لا تكاد تقطع شارعاً إلا ويصادفك مسجد جديد أو آخر في طور البناء وكأن المساجد الحالية قد اكتظت بالمصلين واشتدت الحاجة إلى المزيد. ولكن ذلك ليس هو السبب. السبب هو اختزال مفهوم فعل الخير ونيل الثواب وإقامة الوقت على القادرين في بناء المساجد أو حفر الآبار أو صيانة المقابر أو إطعام الفقراء فقط.
أما إقامة المدارس الخاصة وخلق أوقاف لها أو الجامعات أو مؤسسات البحث العلمي أو المؤسسات الثقافية فهذا أمر يبدو للأغلبية أنه لا علاقة له بالدين ومن ثم لا علاقة له بالأجر وبذلك هو فعل لن يُدخل المرء للجنة. وتم اختزال معاني العبادة والأجر والثواب في مفهوم الشعائر وما هو متعلق بها فقط.
هل ندرك المعنى الواسع للصدقة الجارية؟
المؤسسات الصحية صدقة جارية
المؤسسات التعليمية صدقة جارية
المؤسسات العلمية صدقة جارية
المؤسسات الثقافية صدقات جارية
المؤسسات البحثية صدقات جارية.  وهكذا..
انظروا إلى الجامعات في العالم التي تجاوزت أعمارها مئات السنين وانظروا مئات الآلاف بل الملايين الذين تخرجوا أو درسوا فيها عبر التاريخ.
أليست تلكم صدقات جارية؟
انظروا إلى المستشفيات التي تديرها المؤسسات الخيرية والتي تعتمد على الأوقاف. أليست تلكم صدقات جارية؟
انظروا إلى مؤسسات البحث العلمي
انظروا إلى مؤسسات الفن والأدب والثقافة التي تنتج أجيالا من الأدباء والعلماء والفنانين والمبدعين؟
أليست تلكم صدقات جارية؟
والوقف لا يعني قيام شخص غني بالتبرع بإنشاء وقف فذلك هو الاستثناء. فهو ليس حصر على الأغنياء فقط.
نظام الوقف الحقيقي يعتمد على تكاثف الجهود والطاقات والقدرات والإمكانيات ومشاركة اكبر عدد ممكن في البناء. وكلما زاد عدد المساهمين كلما ازدادت وقويت استقلالية المؤسسة وتخلصت من ابتزاز الفرد أو القلة.
فلنحرر مفهوم نظام الوقف من مفهومه الضيق ونعيد له مكانته وهيبته ودوره في المجتمع.
ولكي لا تصبح كلماتنا جوفاء وأدعو أخواتي المثقفات وإخواني المثقفين الليبيين لوضع حجر أساس عبر إنشاء أول وقف ثقافي ليبي مستقل لدعم الثقافة والأدب والفن في ليبيا وسأكون أنا أول المساهمين.
عبر أمثلة عملية يمكن أن نعيد تشكيل العقل المجتمعي لتحل قيم المشاركة والمبادرة والحرية محل قيم الخوف والكسل والتواكل والتفسير الضيق للدين وننطلق لبراح المستقبل الذي لن يبنيه إلا الرواد.
وبالله التوفيق.
المصدر: صحيفة ليبيا اليوم ـ 15/ 11/ 1431

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى