مقالات

ماذا لو بقيت أوقافنا في أيدينا؟

بقلم: سمير أبو الهيجاء
يعرف الفلسطينيون -كما يعلم العرب والمسلمون- أن فلسطين كلها وقف، لا يجوز التصرف به أو التنازل عنه. غير أن في هذا الوقف أوقافا محددة المعالم، تشمل مقدسات ومؤسسات ومرافق وأبنية وعقارات وغير ذلك، هي الشأن الذي نخصص له هذا التقرير. والوقف شرعا هو وَقْف وحَبْس وتأبيد العقارات والحوانيت والأراضي وغيرها على وجه من وجوه البر والخير التي لا تنقطع حتى ولو كان الوقف ذُرّيًا. وقد اختار الدكتور الشيخ عكرمة صبري -مفتي القدس والديار الفلسطينية سابقا- تعريف ابن قدامة للوقف معتبرا أنه أدق التعريفات وأرجحها: “تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة”. أي حبس الوقف ومنع التصرف به لغير الغرض الذي حبس لأجله، وجعل ثمار هذا الوقف الذي حبس سبيلا ينال خيره عامة المسلمين.

****
في ظل تشتت القيادة السياسية والدينية في فلسطين بعد النكبة وانهيار المؤسسات الدينية والاقتصادية والسياسية وأجواء التشريد والتقتيل، واصلت المؤسسة الإسرائيلية مسيرة السيطرة على كل شيء، فصادرت الأراضي في الجليل والمثلث والنقب والساحل والوسط، ولم تتوان للحظة عن قتل كل من تسوّل له نفسه العودة إلى وطنه وأملاكه. وقد أصدرت قوانين ظالمة تهدف إلى السيطرة على الأرض، أسوأها (وهو ليس الوحيد) قانون أملاك الغائبين، أو ما يعرف بقانون الحاضر الغائب.
وحسب دراسة أعدها مركز الدراسات المعاصرة، فإن المؤرخ اليهودي “بيني موريس” تحدث عن هذه الفترة بإسهاب فيما يُعدّ شهادة تُدين السلطات الإسرائيلية كما كشفت الوثائق التي سُمح بالإفراج عنها. ومنها على سبيل المثال جلسات الحكومة بين سنوات 1949-1951 عن كيفية ضم منطقة المثلث ومصادرة الأراضي العربية. فقد عملت الحكومة الإسرائيلية بعكس ما أعلنته سنة 1950 على لسان من سمي بوزير الأديان “ي. د. هكوهن” الذي قال في السادس من أيار 1950: “بالنيابة عن حكومة إسرائيل المؤقتة أصدرت التعليمات للدائرة المختصة في وزارتي لحماية أماكن السيادة والمقابر التي هجرتها الطائفة الإسلامية عندما تركت البلاد”. ففي سنة 1950 سنت الحكومة قانون أملاك الغائبين، الذي بموجبه كلفت الحكومة وزارة المالية بتعيين لجان أمناء في يافا وحيفا وعكا وغيرها من البلدان لإدارة شؤون المقدسات والأوقاف الإسلامية، وعلى مدار سنوات طويلة نفذت معظم لجان الأمناء السياسة الحكومية لتصفية المقدسات والأوقاف الإسلامية بكل الطرق والوسائل، ولقد عينت الحكومة مجموعة من “القضاة الشرعيين” عكف بعضهم على إزالة قدسية المقابر التي حررت من القيّم على أملاك الغائبين، بهدف بيعها، كما عقد بعض هؤلاء القضاة صفقات مبرمجة ظاهرها المعلن الرحمة ومصلحة المسلمين وباطنها من قبله العذاب، وهذا ما أكده تقرير مراقب الدولة، الذي كشف عبث لجان الأمناء وأبعاد المؤامرة على الأوقاف الإسلامية (لدينا وثائق وأسماء القضاة ومتولي الأوقاف المعنيين بالتفصيل. والصحيفة تحتفظ بحقها في نشرها إذا ما رأت في ذلك خدمة لمصلحة أوقاف المسلمين أو عند الضرورة).
الوقف الإسلامي – دجاجة تبيض ذهبا
عندما نتحدث عن وقف إسلامي قد يظن القارئ الكريم أن الحديث يدور عن مقبرة قرية أو قطعة أرض بالقرب من المسجد، لكن الحقيقة أن مساحة الوقف الإسلامي في فلسطين تشكل نحو 16/1 من مجمل مساحة فلسطين التاريخية، وهنا نورد مثالا عن حجم الأوقاف في بلد واحد، كما ورد في دراسة مركز الدراسات المعاصرة: “وحتى نعلم حجم الأوقاف التي صودرت في بلادنا يكفينا مثالا مدينة صفد. فقد وصلت الأوقاف فيها حدا ترتب بسببه إنشاء لجنة أوقاف محلية لمتابعتها وذلك لكثرتها. فقد ورد في برتوكولات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ليوم الخميس الثالث من ربيع الثاني 1341هـ الموافق تشرين الثاني 1922 برئاسة الحاج أمين الحسيني ما يلي: (قرار رقم 276….نوع القرار: 336، وقف4/9):
مضمون القرار: “تُلي كتاب مفتي صفد، المتضمن اقتراحه تشكيل لجنة أوقاف محلية في صفد لكثرة أوقافها، فتقرر تشكيل لجان الأوقاف في: حيفا وصفد والرملة وطبرية والناصرة وجنين والسبع….”.
الأمر الذي يكشف الحجم الكبير للأوقاف في المناطق المذكورة، فأين ذهبت هذه الأوقاف…؟ ويبدو من دراسة ملف سجلات المجلس الإسلامي الأعلى أن الكثير من الأراضي الوقفية قد مسحت وضبطت في ملفات وسجلات المجلس الإسلامي الأعلى، ولا يزال قسم كبير من هذه الوثائق طي النسيان والكتمان، أكل بعضها الفئران وران على قسم آخر العفن. ولم تتوان المؤسسة الإسرائيلية كذلك عن السعي الحثيث لـ”شراء” البيوت القديمة في المدن الساحلية؛ حيفا وعكا ويافا واللد والرملة، وقد أصدر مجلس لجان الأحياء في عكا القديمة بيانا بيّن فيه الخطر الكبير النازل بالمواطنين وسياسة التفريغ التي تسعى المؤسسة الإسرائيلية لفرضها في المدن الساحلية، ذات الآثار الوقفية البارزة، كذلك فإن السلطات لا تزال تنظر إلى الأوقاف على أنها أملاك بور يحق لها التصرف فيها كيف تشاء، ضاربة بمشاعر المسلمين عرض الحائط غير آبهة بهم مطلقا. فمثلا أغلقت السلطات الإسرائيلية مسجد الغابسية بحجة أنه ملك لدائرة نهب الأراضي المسماة “دائرة أراضي إسرائيل”. وهذا قمة الصلف والاستهتار. وفي هذه المناسبة لا بد أن ننوه إلى الدور البلطجي لهذه المؤسسة في المصادرات وتغيير الخرائط الرسمية والمعالم الوقفية والملك العام.”
****
ومع بداية النكبة الفلسطينية عام 1948م سيطرت المؤسسة الإسرائيلية على الأغلبية الساحقة من الوقف الإسلامي في الداخل الفلسطيني، وجعلته هدفا لآلتها التدميرية، وحسب التقدير فقد هدمت مئات المساجد، وجرفت مئات المقابر الإسلامية، فيما صادرت أغلب ما تبقى من أراضٍ وعقارات وقفية عن طريق “قانون أملاك الغائبين” وغيره من القوانين الإسرائيلية التي سنّت في هذا الخصوص، فيما حوّلت عددًا من المساجد المتبقية إلى كنس يهودية أو إلى مطاعم أو خمارات أو متاحف، ومنعت أية أعمال ترميم لهذه المساجد، كما واستمرت في عمليات انتهاك حرمة المقابر، بالنبش والحفر، وإقامة المباني العامة والشقق السكنية على قسم مما بقي من المقابر. وتضيف الدراسة: وقد اتبعت المؤسسة الإسرائيلية خطة مكونة من ثلاثة أهداف للتعامل مع قضية الأوقاف وهي:
1- التدمير: فقد تعمدت المؤسسة الإسرائيلية إهمال الأوقاف والمقدسات وذلك بغية تدميرها، ضاربة عرض الحائط بكل الأعراف والمواثيق الدولية، فعلى سبيل المثال لا الحصر رأينا المؤسسة الإسرائيلية تحوّل مقبرة عين غزال إلى مكبِّ نفايات ضخم، أتى بعد عقود متتالية على شهود المقابر، كذلك الأمر في مقبرة الخيرية التي تحولت إلى مكب نفايات ضخم للمنطقة الوسطى من البلاد، ما أدى إلى دمار شامل للوقف في المناطق وعلى ذلك قِسْ… وليس هذا وحسب بل وانظر إلى المساجد التي تركت ومنع أهلها من الاقتراب منها، ومثال ذلك مساجد صفد، ما أدى إلى انهيار بعضها ودمارها وتحويلها بعد ذلك إلى مناطق أثرية، كما هو الحال في يافا واللد وقيسارية وحيفا والقدس، أو إلى مطاعم كما في قيسارية أو إلى متاحف كما هو الحال في عين حوض.
2- المصادرات: لم تتورع المؤسسة عن مصادرة الأوقاف، وبخاصة الأملاك الوقفية، وفق سلسلة من القوانين سنتها خصيصا من أجل المصادرات، حيث سنحت الفرصة للسلطات الإسرائيلية للعمل على مصادرة الأوقاف دون رقيب أو حسيب، فكانت مصادرات الأملاك الوقفية في غربي القدس ويافا ونتانيا وحيفا وصفد والساحل، وقد استثمر ريع هذه الأملاك لصالحها هي فقط.
3- والهدف الثالث هو تحويل بعض الأوقاف إلى مناطق أثرية سياحية ذات مدخول مادي يصب في خزينة الحكومات الإسرائيلية فقط، كما هو الحال في أوقاف يافا وصفد وحيفا واللد والرملة وعكا، حيث كونت شركات خاصة مثل شركة تطوير عكا ويافا والبلدة القديمة في القدس وهكذا.. من أجل هذا الهدف تجبى الأموال لتصب في ميزانيات وزارات مختلفة كالمالية والسياحة.
ولقد تجاوزت السياسة الرسمية الإسرائيلية جميع الأعراف الدولية وصمّت أذنيها عن شريعة السماء وران على عقلها الجمود الكلي واتخذت غياب المتولين على الأوقاف سببا للاستيلاء على أملاك الوقف باعتبارها “أملاك غائبين”، وتشريع قوانين رسمية في هذا المجال كقانون وضع اليد من قبل اللص الذي سموه “القيّم على أملاك الغائبين”.
يشار إلى أنه في ظل هذه الغطرسة السلطوية التي بدأت منذ النكبة عام 1948، في ظل فرض الحكم العسكري على الداخل الفلسطيني، استمر ذلك إلى ما بعد عدوان 1967م، واحتلال سائر فلسطين ووقوع شرقي القدس والمسجد الأقصى تحت الاحتلال الإسرائيلي، وفي ظل هذه الظروف كان من الصعب التواصل مع ما تبقى من أراضٍ وقفية ومساجد ومقابر وكنائس، بهدف صيانتها.
وقف إسلامي كلُّه
إن نقطة انطلاقنا في التعاطي مع الأوقاف والمقدسات هو أن فلسطين أرض مقدسة بالكامل وبموجب قدسيتها تصبح هذه الأرض وقفية بالكامل، ولذا فإنّ هذه الوقفية تنعكس من حيث القداسة على كامل التراب ليس بكونه ترابًا بل لقدسية هذه الأرض، قال تعالى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة) (المائدة: 21).
فأرض فلسطين هي أرض وقف إسلامي ينسحب عليها ما انسحب على أرض السواد في العراق عندما فتحت في عهد الخليفة الراشد عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه. ومعلوم أن أرض فلسطين فتحت صُلحا. وقد قال ابن الأثير في “الكامل” إن أرض الشام فتحت صُلحا إلا قيسارية (قيسارية والساحل حتى غزة) افتتحت عنوة، وقال الماوردي في “الأحكام السلطانية” في الأرض المفتوحة صلحا إنها تكون للمسلمين ويُقر أهلها عليها بالجزية والخراج المعلومَيْن: “أن يصالحهم على مُلك الأرض لنا –أي المسلمين– فتصير بهذا الصلح وقفا من دار الإسلام، فلا يجوز بيعها ولا رهنها ويكون الخراج أجرة لا يسقط بإسلامهم، فيؤخذ خراجها إذا انتقلت إلى غيرهم من المسلمين”.. وعلى هذا يعلق الأستاذ محمد عثمان شبير فيقول: “… وبناء على هذا الحكم الذي قدره الفقهاء، فإن أرض فلسطين التي فُتح بعضها عنوة وبعضها صُلحا قد دخلت في دار الإسلام منذ ذلك الفتح وطبقت عليها أحكام الإسلام…”.
ولأن قسما كبيرا من أرض فلسطين حوزية (أميرية)، فإنها بذلك تكون (أي أرض فلسطين) أرضا وقفية بغالبيتها بحكم الوقف الذري من جهة حوزيتها.
والأرض الحوزية، اصطلاح أطلقه متأخرو الأحناف ويسمونها أيضا الأرض الأميرية، وهي الأرض التي مات عنها صاحبها أو أربابها بلا وارث أو آلت إلى بيت المال أو فتحت عنوة أو صلحا أو لم تملك لأهلها بل بقيت رقبتها للمسلمين إلى يوم القيامة، ولعلها سميت حوزية لأن الإمام (رئيس الدولة الإسلامية) حازها (أي ضمها) لبيت المال ولم يقسمها، وأما ما فتح عنوة وقسم بين المسلمين فإنه يكون عشريا، وأقر أهله عليه خراجا يؤدونه إلى بيت المال، كحال أرض السواد في العراق، فإنه يكون ملكا لأهله عند الحنفية، أما الأرض التي فتحت عنوة وبقيت رقبتها للمسلمين فهذه عند المالكية -وهو قول الحنابلة- تكون وقفا على المسلمين بمجرد الاستيلاء عليها. وقيل لا تكون وقفا إلا بلفظ الإمام، وهي رواية أحمد، وقد ذهب الإمام الماوردي وأبو يعلى وابن القيّم إلى أن هذا الوقف هو وقف اصطلاحي.
الأوقاف الإسلامية في الداخل الفلسطيني تتعرض إلى انتهاكات ممنهجة:
انتهجت المؤسسة الإسرائيلية سياسة عنصرية تجاه مقدساتنا، والتي بدأت تنفيذها كجزء لا يتجزأ من نكبة فلسطين، فعلى أثر نكبة فلسطين عام 1948م أزالت المؤسسة الإسرائيلية أكثر من 1200 مسجد عن الوجود، وعلى أثر ذلك انتهكت المؤسسة الإسرائيلية حرمة ما تبقى من المساجد والمقامات والمقابر، حيث حولت ما تبقى من مساجدنا التي بنيت قبل عام 1048م إلى مطاعم وخمارات ومتاحف وكُنس وحظائر لتربية المواشي، كما جرفت آلاف المقابر التي أقيمت قبل عام 1948م وبنت على أنقاض عظام موتانا الفنادق والأحياء السكنية وشقت الشوارع وأقامت المتنزهات العامة. وقد أصبح الحديث عن أن الأوقاف والمقدسات الإسلامية في البلاد تعرضت ولا تزال تتعرض للانتهاكات بشكل منظم ومنهجي أمرا معروفا للقاصي والداني، وبات واضحا أن هناك سياسات عليا تطبق بهذا الصدد، وذلك يتمثل بعدة خطوات عملت السلطات على تنفيذها للنيل من المقدسات مثل ؛ وضع الأراضي والأملاك الوقفية تحت حماية القيّم على أملاك الغائبين.
وكانت المؤسسة الإسرائيلية قد أصدرت قانون أملاك الغائبين في 14 حزيران سنة 1950.ووفقا لهذا القانون الوضعي الجائر فقد أزيلت –وفقا للقانون- ملكية المسلمين عن القسم الأكبر من الأوقاف، كما نزعت ملكية الكثيرين من الفلسطينيين لأراضيهم. وقد منح القانون القيّم ( لص الأوقاف) صلاحيتين: تحديد من هو الغائب وصلاحية نقل الملكية التي في حوزته. وأكد القانون أن قرار الضم لا رجعة فيه حتى لو اكتشف أن القرار خاطئ، وقد اعتبر غائبا كل من ترك قريته أو مدينته بعد التاسع والعشرين تشرين الثاني من السنة 1947، ووفقا لهذا القانون فقد نهبت ولا تزال تنهب أراضي المسلمين وأوقافهم دون حسيب أو رقيب.ويلمس بوضوح مدى عنجهية القانون في التعامل مع الأملاك الوقفية، ومثال على ذلك ما حدث في مقبرة “إجزم” وتقسيمها إلى قسائم للبناء.
وقد جاء كذلك إنشاء ما يسمى “سلطة التطوير” لسنة 1950 والتي يحق لها أن تبتاع الأملاك التي في حوزة القيّم ولا يحق لها ملكية ما تشتري إلا للدولة أو للصندوق القومي اليهودي أو للسلطة المحلية.( قضية أرض وقف شهاب الدين في الناصرة على سبيل المثال).
وقد بررت المؤسسة الإسرائيلية مصادرة الأوقاف في أن هذه الأراضي كانت تدار باسم المجلس الإسلامي وأن أعضاء هذا المجلس غائبون، على الرغم من أن المسلمين بقوا كمجموعة في الداخل والوقف مسجل لمنافعهم العامة. كما صادرت المؤسسة الإسرائيلية الأوقاف الملحقة التي غاب متولوها، ولم ينج من المصادرة سوى الأوقاف الملحقة التي لم يغادر متولوها أماكن سكناهم.
ثم جاء قانون امتلاك الأراضي والتعويض لسنة 1953.وقد أقر هذا القانون جميع عمليات البيع السابقة من قبل قيم الأملاك المتروكة، وقد مكن هذا القانون القيّم في السبعينيات من أن ينزع ملكية المسلمين على أوقافهم وأن تحول أموال الأوقاف إلى ما يسمى وزارة الأديان لتلبية حاجات الوزارة وليس حاجات الجماهير العربية المسلمة.
لم تكتف المؤسسة الإسرائيلية بهذه الأساليب الهمجية العنصرية، بل عمدت إلى تعيين لجان أمناء طبقت سياستها الرسمية لتقضي على ما تبقى من أوقاف أهلية أو خيرية.
المحاكم الشرعية والأوقاف المهجورة
بعد تعيين لجان أمناء على الوقف الإسلامي والتي هي في الحقيقة لجان أمناء على مصالح المؤسسة الإسرائيلية، عقدت الصفقة تلو الصفقة لبيع المقابر. وقد عملت السلطة على استغلال “قضاة شرعيين” ( الأسماء والوثائق بالتواريخ في ملف التحرير) لاستصدار فتاوى شرعية تجيز نبش القبور ونقل رفاتها. وقد استعانت كذلك بفتاوى من خارج البلاد، حتى أن خبيرا نصرانيا أفتى في جواز البناء على المقابر، وبذلك انتهك الكثير من المقابر وبيعت وبني عليها، وأصبحت كما يقال، في ” خبر كان”
تجدر الإشارة إلى أنه كان لمحكمة الاستئناف الشرعية موقف مغاير، حيث عرضت عليها مسألة مقبرة “البرية” في قشلة يافا. وقد جاء في فتوى لرئيس محكمة الاستئناف سماحة القاضي الدكتور أحمد ناطور، بعد أن استعرض حيثيات الفتوى بشأن نية شركة بناء إقامة مبنى على أرض المقبرة:
” إننا نبين أن لمقبرة “البرية” في باحة قشلة يافا كافة – حرمة قائمة دائمة، لا تزول ولا تزال إلى أن تقوم الساعة، يحرم مطلقا استخدام أرضها للبناء أو الزرع لأن لها حكم المقبرة دائمة الحرمة.هذا وينبغي على كل أحد أن يمتنع عن المساس بأرض هذه القبور لأن الحرمة باقية، وحفظها والحفاظ عليها إنما هو واجب لازم وملزم للأفراد والمؤسسات، إسلامية كانت أو كتابية أو غيرها،
لأن حفظ مقاصد الشريعة وعقيدة المؤمنين واجب على كل احد. وما الإخلال بها إلا تعديا على الدين وتجاوزا للشرع”.
القاضي الناطور: نزع الشرعية والملكية عن الأوقاف باطل
وحول موقف محكمة الاستئناف الحالية من ملف الأوقاف الإسلامية فقد قال سماحة القاضي الدكتور أحمد الناطور مُلخصًا حلقات سيطرة الدولة على أملاك الأوقاف الإسلامية:
“لمّا كان من أول هموم قادة إسرائيل، السيطرة تمامًا على كل مساحة أرض قد احتلها جيشها إثر حرب 1948، علاوة على السيطرة على الموارد الاقتصادية لأكبر الأقليات عداءً للدولة من وجهة نظرها، فقد شرعت إسرائيل منظومة من القوانين التي توخّت من خلالها الإجهاز على الأرض وما عليها ونقل ملكيتها إلى أيدٍ يهودية. من أهم هذه القوانين، قانون أملاك الغائبين لسنة 1950. وكي لا يفوّت المشرع الإسرائيلي أية فرصة في انتزاع الأموال المنقولة وغير المنقولة من اللاجئين الذين كانوا وراء خطوط الهدنة، فقد ضمّن تعريف الغائب أنه “كل شخص كان بين التاسع والعشرين من نوفمبر لسنة 1947 وبين اليوم الذي نشر فيه……… كان مالكًا ملكًا داخل الدولة أو كان منتفعًا أو واضع يده عليه، لنفسه أو بواسطة غيره، وكان في أي زمن من هذه الفترة المرقومة، مواطنًا أو من رعايا لبنان، مصر، سوريا، السعودية، شرق الأردن، العراق، اليمن، أو كان موجودا في إحدى هذه الدول أو في أية بقعة من فلسطين تتعدى حدود الدولة، أو كان مواطنًا فلسطينيًا قد غادر مكان سكناه الدائم في فلسطين، إلى مكان خارج فلسطين، قبل الفاتح من سبتمبر 1948…..”.
ومع أن الأوقاف الإسلامية لم تُذكر في القانون صراحة، فإن الدولة اعتبرتها أملاك غائبين، ووضعتها في قبضة القيّم على أملاك الغائبين- كأمانة في بداية الأمر، ثم وهبته رقبتها – أي حق الملكية فيها، بحيث أزالت عنها كل حكم شرعي أو صفة قداسة، وذلك وفقًا للتعديل الجاري سنة 1965.
لقد جاء هذا التعديل وبالًا على الأوقاف الإسلامية بعد أن رفع عنها صفة الوقف، خاصة وأنه جاء بأثر رجعي على غير العادة في التشريع.
إضافة إلى ذلك فقد جرى الاستناد إلى فتاوى شرعية صدرت في العقود الأولى من قيام الدولة من أجل تسويغ التصرف بأوقاف لم يضع القيّم يده عليها، ومنها العديد من المقابر في طول البلاد وعرضها. وكانت الآلية المتبعة آنذاك، بالادعاء بأن المقبرة صارت مندرسة، وأنه قد انقطع الدفن فيها أو أنه يتعذر الحفاظ على حرمتها، بذلك فقد صارت وقفًا عامًا، ثم يجري الإذن ” باستثمارها” والتصرف بها. لقد جرت العادة آنذاك في تكييف هذه الآلية بالاعتماد إلى ” المصلحة “، وكذلك إلى قول عابر للعلامة ابن عابدين في باب الجنائز، لا يبنى عليه في هذا الحال شيء، وهو أنه “إذا بلي القبر وصار ترابًا جاز زرعه والبناء عليه”.
ومع أننا نفهم هذا القول بشكل مغاير تمامًا لم اعتبروه مسوغًا لإباحة المقابر، فإن الممارسة الفعلية كانت بخلافه تمامًا، فمقبرة مأمن الله التي أفتي بأنها مندرسة سنة 1964، أي ستة عشر سنة بعد جلاء المسلمين عن غرب القدس، من غير أن يعاينها القاضي – صاحب الفتوى فقد ثبت بالدليل القاطع أن قوله هذا كان مخالفًا للواقع، حتى بعد مرور اثنين وأربعين سنة بعد تلك الفتوى، حين أخرجت هياكل عظمية كاملة في حفريات ما يسمى بمتحف التسامح.
ومع أن بعض الأكاديميين الإسرائيليين مثل “لايش” يعتبر هذه الفتاوى أنها هي الحكم الشرعي الصحيح، وما يخالفها فهو مغلوط شرعًا، لأنها وفق ادعائه تعتمد إلى المصلحة، كمصدر من مصادر التشريع، فإن المستهجن في الأمر، هو قدرة هؤلاء على قلب المفاهيم واستخدام الأسانيد في غير محلها تمامًا. فالمصلحة في الشرع الحنيف هي جلب منفعة أو دفع مضرة، ويعنى بذلك المحافظة على مقصود الشرع: ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسبهم ومالهم. معناه، أن تفويت هذه الأصول، إنما هو مفسدة ومضرّة.
لذا، فإن المصلحة، ليس المراد بها ملاءمة الطبع أو منافرته، بل هو تقدير ما به يكون الصلاح والفساد، وهذا معيار تابع للشريعة ذاتها وفقًا لقياس المقاصد الخمسة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. أي أن معيار المصالح في الشرع منضبط بالحياتين: الحياة الدنيا والحياة الآخرة معًا- ولا مجال للفصل بينهما لأن مصلحة الدنيا مرهونة بمصلحة الآخرة. يفهم من ذلك كله أن المصلحة المقصودة هي مصلحة أمة المسلمين وفقًا للمعايير المذكورة، وليست مصلحة أصحاب الفنادق والفيلات من غير المسلمين.
اعتبارا من سنة 1987 بعد صدور فتوانا لحماية مقبرة الجماسين- وأبدية حرمتها، اعتمادًا إلى أن حرمة المقابر الإسلامية هي حرمة أبدية لا تزول ولا تزال، وأن الإفتاء بخلاف ذلك إنما هو إضرار بمصلحة المسلمين، فقد اعتبر ذلك القرار وما تلاه من فتاوى تمنع الاعتداء على المقدسات، نقطة تحول ظاهرة في موقف المحكمة الشرعية في هذا الباب، إلى أن صدر المرسوم القضائي رقم (1) عن رئيس محكمة الاستئناف، الذي يحرم تماما الإفتاء بإباحة المقابر والمساجد مهما مرّ عليها الزمان.
لقد صارت المحكمة الشرعية منذ ذلك العهد قلعة للدفاع عن المقدسات الإسلامية، وقد نجحت فعلًا في حماية مقابر الجماسين في يافا، وأم التوت والنبي يمين وغيرها من المقابر، وتعتبر من أهم الفتاوى الصادرة في العالم الإسلامي لحماية المقدسات، حتى تبناها العديد من الفقهاء ومنهم مفتي الأردن ومفتي الديار الفلسطينية وغيرهم.
إلى هنا أقوال القاضي ناطور…
وبعد فإن ملف الأوقاف الإسلامية في فلسطين التاريخية يبقى مثالا صارخا على نهب الحقوق والظلم الواقع على المسلمين، من خلال حرمانهم من أوقافهم وسلبها من ايديهم، وكذلك من ريع هذه الأوقاف، وهو ريع هائل تنهبه سنويا المؤسسة الإسرائيلية، ولو وصل على المسلمين لتمكنوا من قلب موازين حياتهم، من بناء مؤسسات ومدارس ومرافق عامة، بل لكان يمكن أن تدخل هذه الأوقاف على الفرد المسلم الواحد مبلغا شهريا يتجاوز 15000 شيكل. وللقارئ أن يتخيل ما فقده المسلمون من ضياع أوقافهم. فإن 16/1 من مساحة فلسطين التاريخية التي تزيد على 2,700,000 كم، تعني أن مساحة أراضي الأوقاف (ناهيك عن المباني والمنشآت والمرافق المختلفة) تصل إلى أكثر من 168,000كم. ورغم أن المؤسسة الإسرائيلية ترفض التصريح بحجم ريع الأوقاف الإسلامية إلا أنها تقدر بمليارات الدولارات منذ 1948 ولغاية اليوم…
المصدر: صحيفة صوت الحق والحرية الفلسطينية ـ الأحد 22/ 6/ 1433

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى