من نتائج الخلل في عمل نظّار الأوقاف
نشرت جريدة الجزيرة (السعودية) تحت عنوان: (الأوقاف من سبيل للخير إلى سبيل للشحناء والبغضاء ) الرسالة التالية بقلم الباحث الأستاذ: صالح بن غرم الله الغامدي
سعادة رئيس تحرير جريدة الجزيرة الموقر..
أشكر لصحيفتكم الغراء الاهتمام بالشؤون الإسلامية وتخصيص زاوية ثابتة للفتاوى وملحق أسبوعي يعنى بالشؤون الإسلامية وأعمال الهيئات وإتاحة الفرصة للرأي المستنير باستكتاب مجموعة من المشايخ للكتابة في هذه الصحيفة.
وقد لفت انتباهي موضوع ذو صلة ببحث أقوم بإعداده حول بعض مسائل الوقف ولفت انتباهي مقالة للكاتب بالصحيفة الأستاذ سلمان العُمري في عدد الجزيرة رقم 12118 الصادر يوم الجمعة 30-10-1426هـ.
وقد توافق مع ما أنا بصدد بحثه وعايشته على بساط الواقع ويعيشه الكثير من الأهالي إن لم يكونوا يعانون منه ألا وهو موضوع الاختلاف على الأوقاف نتيجة الخلل في عمل ناظر الوقف أو مخالفة نصوص الواقف والمشكلة عادة ما تنبع من هذين العنصرين، مما يؤدي إلى الشقاق والخلاف والمنازعة والفرقة بين الإخوان وأبناء العمومة وتبدل الحال من سبيل للأجر ودوام المنفعة إلى طريق للخصام والتنازع أو عدم مشروعية الوقف والإجحاف بحق بعض الورثة.
ولقد كانت مشروعية الوقف ثابتة بالكتاب والسنّة والإجماع وعمل الصحابة فمن الاستدلال بكتاب الله على مشروعية الوقف عموم قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} (92) سورة آل عمران، وقوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ} (110) سورة البقرة، وفي معنى الوقف الوصية قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ} (البقرة -180).
ومن الاستدلال بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). وعن ابن عمر أن عمر أصاب أرضاً من أرض خيبر قال: (يا رسول الله أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنْفَسُ عندي منه فما تأمرني به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (إن شئت حَبَّسْتَ أصلها وتصدقت بها). فتصدق بها عمر، أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب، قال فتصدق به عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمول فيه وفي لفظ متأثل مالاً). رواه الجماعة. وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن أبا طلحة قال: (يا رسول الله إن الله تعالى يقول{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} (92) سورة آل عمران، وإن أحب أموالي إليَّ بيرُ حاءَ وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال: (بخٍ بخٍ ذلك مال رابح (مرتين) وقد سمعت ما قُلتَ وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) فقال أبو طلحة أفعلُ يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) متفق عليه.
وقد أخذ المسلمون الوقف رغبة في اتصال أعمالهم الصالحة بعد مماتهم، وإيماناً وتصديقاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.. صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). والوقف مرفق شرعي يجب أن تصرف غلته في جهات البر والإحسان بعد حجز ما يمكن أن يكون من مقتضيات إصلاحه وترميمه وعمارته بما يستلزم ضمان استمرار استغلاله بالصرف على الجهات المعنية للصرف عليها من غلته ودفع أجر من يقوم عليه بصفة النظارة والولاية إن لم يكن ثمَّ ناظر متبرع بذلك.
وقد ذكر أهل العلم في وجوب الأخذ بشرط الواقف فقالوا: (إنَّ شَرْطَ الواقف كشرط الشارع) وذكر المحققون من أهل العلم أن معنى هذا أن شرط الواقف كشرط الشارع في الاستدلال لا في الاعتبار فلو شرط شرطاً باطلاً فلا يجوز الأخذ به بخلاف شروط الشارع فهي شروط صحيحة معتبرة لا يجوز التردد في الأخذ بها بل هي لازمة.ويجب أن يختار للنظارة على الوقف من تتوافر فيه صفات الأمانة والتقوى والصلاح والقوة والبصيرة، وأن يعمل بتقوى الله ومراقبته في السر والعلن في كل تصرف يتعلق بهذا الوقف، ومن الواجب عليه قيد وتسجيل واردات الوقف ومصروفاته، ويجب أن يكون تصرفاته في الوقف مستندةً على حصول الغبطة والمصلحة في ذلك.
ثم إن مشاكل الوقف ووصية الموقفين في مجتمعنا شائكة فنرى أحياناً أن وصية الواقف قد تشتمل على وقف جنف كالوقف على البنين دون البنات فيجب على القاضي أن يحكم ببطلان ما في الوقف مما لا يتفق مع المقتضى الشرعي في وجوب العدل بين الأولاد.
والوقف من حيث وجوب بذل العناية والاهتمام به لبقاء أصله وتوزيع غلته كالوصية، وقد قدم الله تعالى الوصية على الدين مع أن الدين أولى بالتنفيذ على التركة من الوصية، وذلك إشارة إلى وجوب الاهتمام بها والعناية بتنفيذها فقال تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (12) سورة النساء، والوقف في معنى الوصية من حيث العناية والاهتمام به، ذلك أن الدين له أهل يطالبون بسداده والوصية – والوقف بمعناها – جانب المطالبة بإنفاذها ضعيف لانتفاء مصلحته أو قلتها، فجاء تقديمها في النص الإلهي على الدين إشارة إلى وجوب الاهتمام بها واستشعار المسئولية لإنفاذها، مع أن الوصية لا تنفذ إلا بعد سداد الديون من التركة وفي هذا خلاف بين أهل العلم وهذا هو الراجح.
كل ذلك يعني بذل الاحتياطات الكاملة للحفاظ على الوقف أصلاً وغلَّة وصرفاً على الجهات المعيَّنة في وثيقة الوقف استمراراً لجريان الصدقة للواقف. فكل مخالفة أو مجاوزة أو تهاون في شؤون الأوقاف فالمسؤولية عن ذلك على الناظر على الوقف، بذلك قال تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} (181) سورة البقرة، والتجاوز والمخالفة في معنى التبديل.
وختاماً لقد قامت وزارة الشؤون الإسلامية بمجهود في إقامة بعض الندوات الوقفية إلا أنه عاب عليها عدم التطرق للأوقاف الأهلية وتخصيصها بندوات مستقلة والاستغراق في موضوعات لا تعني المجتمع بالشيء الكثير كندوة الوقف على المكتبات كذلك لم تعمد الوزارة إلى التعريف بمناشطها واستغلالها للأوقاف لتساعد الناس في الارتقاء بالعمل الوقفي المحدود (الأهلي) إلى الأعمال الوقفية الجماعية المنظمة والخروج من مأزق المشكلات العائلية والتناحر على غلال الوقف، ثم أتمنى أن يلزم القضاة نُظار الأوقاف بالسجل والقيود الدفترية والمحاسبة لتسجيل إيرادات الأوقاف ومصروفاتها، وأخيراً شكراً للصحيفة وللكاتب على تطرقه لموضوع حيوي مهم، والله أسأل أن يوفق الجميع لكل خير.
[المصدر: جريدة الجزيرة]