الوقف ودوره التكافلي
د. محمد المجالي:
هذا الدين العظيم الذي ارتضاه الله لنا، وأكمله وأتم به النعمة، لا يمكن تقسيمه وتبعيضه وتجزيئه؛ فهو نظام متكامل، تجتمع فيه الموجهات الإيمانية مع التطبيق العملي في اتجاه العبادة والمعاملة والسلوك. هو دين إيجابي دافئ لا سلبي أو بارد، تسهم فيه مبادئ الأخوة والمحبة والتكافل والتعاون، بل إن العبادات على فضلها العظيم إنما هي تهذيب للسلوك، وتصحيح للنفس والسمو بها، وربطها بالعلائق السامية لا الدنيوية. فمعاني التضحية والإيثار والتواضع هي للنفوس الأبية الكبيرة، بينما البخل والجشع والطمع والأنانية صفات خسيسة لنفوس دنيئة، لا يمكن أن يخالطها الإيمان الكامل ومشاعر الأخوة والمحبة.
هذا الدين تأثيره الإيجابي بنظمه المختلفة المتكاملة؛ فلا يمكن فصل نظامه السياسي عن الاقتصادي أو الاجتماعي أو التربوي أو الأخلاقي أو الإيماني. قد يكون لكل واحد منها أثره الجيد، ولكنه ليس الأثر الأفضل والأكمل بدون النظم الأخرى؛ فتطبيقات النظام الاقتصادي بمعزل عن الإيماني أو الاجتماعي قد يكون فيه خلل وتهرب واحتيال، وكذا بقية الأنظمة.
ونحن نعيش في أزمان ضاق فيها الحال نتيجة لسياسات اقتصادية متخبطة، وضعف لأمانة المسؤولية بشكل عام، الأمر الذي أفرز حالة من التردي الاقتصادي وبالتالي الاجتماعي، لا بد أن نلجأ إلى مراجعة بعض الموارد التي يمكن للناس أنفسهم أن يوظفوا فيها مشاعر التزامهم بدينهم.
فالزكاة وحدها كفيلة بالتقليل من مظاهر العوز والفقر، وإضفاء صفة المجتمع المتراحم. وكثيرون لا يُخرجون زكاتهم. كما أن مفهوم الصدقة بشكل عام لم يبلغ درجة متقدمة. وكذا الوقف الذي هو من آكد مسالك التضامن والأخوة والتكافل والتعاون بين المسلمين، بأن يوقف (أي يحبس) أحد المسلمين أصلا ما لتعود منفعته على المسلمين؛ فيوقف بيتا أو أرضا أو مصلحة من أجل المسلمين، بالصيغة التي يُنص عليها، إذ شرط الواقف كنص الشارع، ويتولى الوقف جهة ما، تديره وتحرص على تنميته ورعاية شروط الواقف.
ولقد كان الوقف قديما من أروع صور التكافل والحضارة الإسلامية؛ مساعدة للفقراء وطلبة العلم، وشؤون الطب والخدم والزراعة، وشؤون الدولة العامة. بل وتفنن المسلمون في الوقف إلى درجة العناية بالحيوان والبيئة.
والوقف من أروع القربات إلى الله تعالى وأنفعها، خاصة عند عدم وجود الورثة، أو عندما يكثر مال المسلم، شريطة أن لا يؤثر سلبا على الورثة. وترجع مشروعية الوقف وفضله إلى عموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له”. وجاء حديث آخر فيه تفصيل أكثر، ففي سنن ابن ماجة قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما نشره أو ولدا صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته”.
ومن الأوقاف التي حدثت زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقد أصاب أرضاً بخيبر، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها وقال: يا رسول الله: أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس منه، فبم تأمرني؟ فقال: “إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها”. فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث، وتكون منافعها وثمارها في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل. ومن الوقف أيضا بئر رومة؛ إذ يروي عثمان بن عفان رضي الله عنه: “أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء عذب غير بئر رومة. فقال: “من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟”. قال عثمان: “فاشتريتها من صلب مالي”، إذ اشترى عثمان البئر وجعلها وقفاً على المسلمين.
ومن أمثلة الأوقاف أيضا ما روي أن مجموعة من الصحابة، منهم خالد بن الوليد رضي الله عنه، احتبسوا أدراعهم وأعتادهم في سبيل الله، وأن عدداً من الصحابة تصدقوا ببيوتهم، وجعلوها وقفاً في سبيل الله. وقيل إن أول وقف في الإسلام كان مسجد قباء. ومن الأوقاف زمنه صلى الله عليه وسلم، وقف سبع بساتين في المدينة كانت لمخيريق، الرجل اليهودي الذي أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين عزم على القتال مع المسلمين في غزوة أحد. وهكذا كان الصحابة متفانين في تصدقهم الخيري العام، وأحيانا من أحب أموالهم إليهم.
وبعد أن اتسع نطاق الأوقاف، أصبحت الدولة ترعى شؤونه. وكان هذا زمن الأمويين. ومن يرجع إلى المراجع في التاريخ الإسلامي، يرى عجبا من هول حجم الأوقاف وتنوعها، وكيف أسهمت في رخاء الدولة الإسلامية وتقدمها العلمي والحضاري. وهو الأمر الذي نحتاجه هذه الأيام.
وأنقل عن موسوعة “ويكيبيديا” في الإطار الاجتماعي فقط ما يلي: أوقاف لليتامى واللّقطاء لإيوائهم ورعايتهم وختانهم، وأوقاف مخصصة لرعاية المقعدين والعميان والشيوخ والعجزة، وأوقاف لإمدادهم بمن يقودهم ويخدمهم، وأوقاف لتزويج الشباب والفتيات ممن تضيق أيديهم وأيدي أوليائهم عن نفقاتهم. وفي بعض المدن دور خاصة حبست على الفقراء لإقامة أعراسهم، وأوقاف لإمداد الأمهات المرضعات بالحليب والسكر. ويذكر المؤرخون بإعجاب شديد أن من محاسن صلاح الدين الأيوبي أنه جعل في أحد أبواب القلعة بدمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزابا يسيل منه الماء المحلى بالسكر، تأتي إليهما الأمهات في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر. وأوقاف لإنشاء دور للضيافة والاستراحة (الخانات)، وأوقاف لقضاء الديون عن المعسرين، وأوقاف للقرض الحسن، وأوقاف لتوفير البذور الزراعية، ولشق الأنهار وحفر الآبار. ومن أهم المنشآت الاجتماعية التي نشأت في المجتمعات الإسلامية، بفضل الاهتمام بالوقف، أسبلة المياه الصالحة للشرب (السقايات). وكان من تقاليد الوقف أن تلحق الأسبلة بالمساجد، وغالباً ما تكون وسط المدينة أو على طرق القوافل، لتكون في متناول الجميع. وشاع الوقف لهذا الوجه من البِرِّ في سائر أنحاء العالم الإسلامي، لعظيم فضلها وثوابها.. إلخ. وقل مثل هذا في الجانب الصحي أو الأكاديمي أو الحربي.
إن الأمة بحاجة إلى إحياء مفهوم الوقف؛ فلا الأفراد عندهم الوعي والتوجه الذي ينبغي، ولا الجهات الحكومية نالت مصداقية عند الأفراد ليتقدموا في اتجاه العمل الخيري ومنه الوقف. والأصل في المسلم أن يبادر ولو تأخر الآخرون؛ فالعلاقة بينه وبين ربه لا مع الناس. وأعجب أن يكون العمل الخيري في بلاد غير المسلمين أكثر وأعظم، وليت ثرياً من أثرياء المسلمين يفعل ما فعله مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس، الذي أوقف 6.3 مليار دولار لرعاية الفقراء في أفريقيا، بينما تستثمر مليارات المسلمين خارج بلدانهم. وليس غريبا أن تكون خسائر المسلمين في الأزمة الاقتصادية الأخيرة قد بلغت 2.5 تريليون دولار، محقت وزهقت بركتها لأنها في الغالب ربوية، ولأن الجشع تملكها، ولأن الشعور بأنه مال لله نحن مستخلفون فيه أمر غاب عن كثيرين.
جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن جمعية نشطة، هدفها إعداد جيل الصلاح والإصلاح، تعلن عن برنامج “وقف أهل القرآن: قرآني حياتي”؛ لعلها بذلك تحيي الوقف من جهة، والأمة بقرآنها من جهة أخرى.
المصدر: صحيفة الغد الأردنية – 12/ 4/ 1435 = 22/ 2/ 2013