البنك الوقفي: هل هي فكرة قابلة للتطبيق؟
بقلم: الدكتور أحمد مهدي بلوافي(*)
سُعدنا يوم الأربعاء 26 صفر 1439 = 15 نوفمبر 2017 باستضافة معهد الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز لفضيلة الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن اليحي؛ أستاذ الفقه في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم في اللقاء العلمي الأسبوعي ـ حوار الأربعاء ـ الذي يعقده المعهد منذ ما يقارب الثلاثين عاماً.
في البداية أُحَيي القائمين على هذه الفعالية على الدَّأَب والاستمرار في تنظيم هذا النشاط طوال هذه السنين، وعلى التنويع في استضافة المشاركين، وأُثَنِّي بالتحية للأخ الكريم الدكتور فهد على حماسه والتشبث بقناعته لما يطرح ومنذ بضع سنوات، إلا أنه بعد العرض الذي تفضل به، والنقاش “الساخن” والصريح الماتع ـ وهذه ميزة هذا اللقاء ـ الذي أَتْبَع ذلك أثار لدي تساؤلات جوهرية إخال أنها من الأهمية بمكان لتأخذ حظها في المعالجة بشكل أعمق مما تفضل به الدكتور في العرض أو الكتاب قبل الدخول في تفاصيل وجزئيات مهمة من غير شك إلا أنها تأتي في مرحلة تالية ـ فيما أحسب. هذه التساؤلات هي:
1 ـ هل يمكن الجمع بين البنك والوقف؟
للبنك كمؤسسة فلسفته وطبيعة عمله، وللوقف كمفهوم وتطبيق فلسفته ونظامه وممارسته الخاصة به. هل الجمع بينهما ممكن وقابل للتطبيق؟ وإذا كان الأمر كذلك هل سيؤدي الجمع بينهما إلى إقامة كيان “جديد” كما يطمح الباحث “يُحَقِّقُ مقاصد الشريعة في الوقف بشكل أشمل” ويستفيد في الوقت نفسه من “مزايا نموذج البنك التجاري” كما هو معمول به في الأنظمة والتشريعات السائدة؟ أم أن الأمر سيحيد بالفكرة ذات اليمين (صَوْب الوقف) مما يُخرِج المصرف عن طبيعته؟ أو ذات الشمال (صَوْب عمل المصارف الصِّرف) مما يُخرج الوقف عن البيئة والدائرة التي نشأ في ظلها وترعرع في كنفها؟ أظن أنها مسألة جديرة بالتأمل قبل الدخول في الجزئيات؛ كجواز التأقيت في الوقف، ووقف النقود، وتداول أسهم البنك، والتكييف الفقهي للوديعة المصرفية وما يرتبط بذلك من جواز الاستدانة للوقف. ومن الأهمية بمكان في مثل هذا المقام استحضار تجربة المصارف “الإسلامية” التي أبانت ـ فيما يبدو ـ أن المصرف التجاري يأبى أن يتخلى عن طبيعته التمويلية الصِّرفة(1) ومنبته الربَوي؟ مما يتطلب التفكير في إطار مؤسسي آخر يحقق الغرض المحمود الذي يسعى الباحث ومن يرى رأيَه إلى تحقيقه من جراء المطالبة بتأسيس بنك للأوقاف، حتى نتجنب الدوامة والإشكال الواقعين فيه باعتمادنا ـ شبه الكلي ـ على نموذج المصرف التجاري في صناعة التمويل الإسلامي؛ ولا أدل على ذلك من الجهد والجدل الكبير الذي أُثير ـ وما يزال ـ حول الوعد الملزم في عقد المرابحة(2) ثم الآن “التعليق في العقود” ومدى إمكانية استخدامه من قِبَلِ مؤسسات التمويل الإسلامي ـ خصوصاً المصارف ـ للخروج من إشكالات الضمان والتملك في السلع والخدمات. ولا تَسَلْ بعد ذلك عن الانتقال من المرابحة التي مبناها من حيث الأصل طلب السلعة؛ أي أنّ السلعة مُرادة ومقصودة في جوهر العقد وأصل نشأته وتطبيقه غير المصرفي، إلى التورق الذي تقوم فلسفته ـ من حيث المنشأ والأصل ـ على طلب “الورِق”(3)؛ أي السيولة؛ وما دور السلعة إلا كدور “الحريرة” التي ذَمَّ التعامل المستند إليها حَبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما(4).
2 ـ إلى أيّ جهة إشرافية يتبع هذا الكيان؟
إذا قلنا إنه بنكٌ تجاريٌ فإنّ النظم والقوانين المعمول بها تفرض أنه يتبع البنك المركزي (مؤسسة النقد العربي السعودي في حال المملكة)، وإذا وقفنا على الشق الآخر “الوقف” فإنّ الأمر يتطلب أن يكون للجهات المسؤولة عن هذا القطاع رأيٌ ودورٌ فيما يتعلق بالأعمال المرتبطة بالوقف، وإذا أضفنا إلى ذلك البعد الخيري ـ أو “القصد الخيري” بعبارة المؤلف (اليحيى، 1434هـ، ص. 8)(5)، “وغير الربحي” (اليحيى، مرجع سابق، ص. 26 في تعريف المؤلف لهذا الكيان) فإن جهة ثالثة أو رابعة ستلاحقنا وهي؛ وزارة العمل والتنمية الاجتماعية (العمل الخيري)، أو وزارة التجارة (مشروع الشركات غير الربحية)، كما هو الشأن في المملكة، وربما في غيرها. فهل سيوزع “دم” هذا الكيان بين هذه الجهات؟ أم أنّ الأمر سَيُفْصَلُ فيه لصالح جِهةٍ واحدة وهي البنك المركزي بحكم أنّ فكرة إقامة المشروع تريد الاستفادة القصوى من مزية قبول الودائع ـ وربما “خلق الائتمان (credit creation)” ـ لدى المصارف التجارية، وهذا ما ذهب إليه المؤلّف مع اقتراحه بإضافة “جهة شرعية” تشترك مع البنك المركزي في الإشراف شريطة أن تكون “على دراية بالعمل المصرفي”، أو أن “تنشأ هذه اللجنة في البنك المركزي” (اليحيى، مرجع سابق، ص. 60)(6)، وإذا فُصِل في الأمر على هذا الأساس فهل سيستفيد العاملون في هذا الكيان من جميع المزايا المادية التي تقدمها المصارف للعاملين فيها خاصة أصحاب المناصب العليا؟ أم أنّه سيمثل استثناءً من أجل التقليل من النفقات حتى نحقق أكبر عائد وغلة للوقف؟ وماذا عن أثر خضوع البنك لمقررات بازل (Basel requirements) وغيرها من وسائل الرقابة الاحترازية (prudential regulation) التي تَتبعها سلطات الإشراف المالية للرقابة على هذا النوع من المؤسسات، فهل ستحد من خيارات البنك في اختيار نوعية الأصول (quality of assets) مما سيؤثر من غير شك على الاستثمار “الأرقى” و”الأجدى” الذي يَتَعَشَّم المؤلّف أن يتحقق جراء استخدام صيغة البنك التجاري لاستغلال جزء من أموال الأوقاف؟ أم أنّ البنك سيجد نفسه محكوماً بخيارات محدودة في ظل ما هو سائد من أنظمة وترتيبات؟ ومما يمكن الاستئناس به في هذا المقام ما تعانيه المصارف الإسلامية من إشكاليات محدودية الصيغ والأدوات المقبولة شرعاً والمناسبة اقتصادياً ونظامياً في إدارة سيولتها.
3 ـ هل تمثل الأدوات التي تستخدمها المصارف الإسلامية في توظيف أموالها الصيغ “الأرقى” و”الأجدى” لتحقيق عوائد أعلى للوقف؟
في ثنايا التبرير للمشروع والحديث عن أهميته وأهدافه ذكر المؤلّف ـ حفظه الله ـ “استثمار الوقف بالوسائل والأدوات المالية الأرقى والأجدى اقتصادياً”؛ لأنها “تحقق العائد الأعلى للوقف” (اليحيى، مرجع سابق، ص. 6). فهل الأدوات التي تستخدمها المصارف الإسلامية تتحقق فيها هذه الخصائص والمميزات؟ أم أن الكيان الجديد سيجد نفسه يدور في فلك صيغ محدودة ليست هي “الأرقى” ولا “الأجدى” لا فقهاً ولا اقتصاداً ـ كما مضى بيانه؛ وذلك لمعضلة إدارة مخاطر السيولة الكبرى المعروفة التي قد يكون أحد مسبباتها “مزية قبول الودائع” قصيرة الأجل!!
هذه مجرد تساؤلات وملحوظات ليس الغرض منها التقليل من الفكرة بقدر ما أَنها تمثل “هواجس” عَنَّتْ لمقيدها على هامش الحوار المشار إليه أعلاه ومن خلال الاطلاع على الكتاب وعلى الورقة التي بعث بها المؤلف للمشاركين في حوار الأربعاء، من أجل شحذ همم صاحب الفكرة حتى يتم التعرض لمثل هذه القضايا الجوهرية بشكل واضح ومفصل أكثر مما تَمَّ تدوينه في الكتاب، لأنه لم يتضح ـ فيما بدا لي ـ ؛ لا في عرض الباحث الذي تفضل به في الحوار، ولا في ما كتب إن كان قد استمزج آراء الجهات الإشرافية المعنية بالموضوع لأن ذلك سيوفر الجهد وسيضبط مسار المراحل القادمة من المشروع لكي يتحول من مجرد فكرة إلى مشروع قابل للتطبيق.
وفي الختام أود التنبيه على أن التساؤلات أعلاه دُوِّنَت وهي مستصحبة ما أكد عليه صاحب الفكرة بأنها؛ أي فكرة إنشاء بنك للأوقاف تُمثِّل إحدى القنوات “الجديدة” لاستيعاب جزء من موارد الوقف، وليس المراد منها قولبة جميع الأوقاف القائمة في هذا الكيان، كما أن التساؤلات تستصحب أن أي تجربة تتعرض في بدايات أمرها إلى أخطاء ستتعلم منها من غير شك، وليس المراد أن تطبق الفكرة بشكل مثالي خالٍ من العثرات؛ فالنقص ملازم لأعمال البشر، ومن ثم فإن هذه “الهواجس” منصبة على التفكير الجدي في بدايات المشروع، وعلى المآل الذي يمكن أن يؤول إليه المشروع بعد مضي فترة من الزمن على سير عمله إن كتب له ذلك.
والله أسال التوفيق والسداد للجميع، وهو الهادي إلى سواء السبيل
جدة يوم الخميس 05 ربيع الأول 1439 = 23 نوفمبر 2017
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي والتعليقات:
(*) باحث وأستاذ الاقتصاد والتمويل الإسلامي المشارك، معهد الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز.
(1) لأن غالب القوانين والتشريعات تفرض ذلك مما يجعل الأدوات الاستثمارية المتاحة تتراوح بين القرض والاقتراض على أساس الفائدة (الربا)، أو عبر أدوات ظاهرها الارتباط بنشاط الاقتصاد الحقيقي (real economy)، ومآلها الصورية ما يجعل القاعدة الفقهية المأثورة في الفقه المالكي “ما خرج من اليد وعاد إليها يُعد لغواً”، مَاثِلةً بشكل كبير في مثل هذه المعاملات.
(2) وقد كان لسعادة الدكتور محمد أنس الزرقا مشاركة في حوار الأربعاء يوم 22 ذي الحجة 1438 = 13 سبتمبر 2017 في هذه القضية بورقة حملت عنوان “بلى للمرابحة المصرفية الحقيقية ـ ولو مـُلزِمةً”، وكان مما علقت عليه في حينه بتعليق مكتوب أُرسل لسعادة الدكتور الزرقا “لن أدخل في مناقشة تفصيلات الورقة الفقهية بقدر ما أنطلق مما يمكن أن أطلق عليه “باعث القلق” لدى الدكتور الزرقا وغيره لما آلت إليه حال المصرفية الإسلامية مما جعل الكثير من ممارساتها يقترب من الممارسات التقليدية من خلال عقود التورق وأضرابه. هذا المنطلق أراه من الأهمية بمكان من أجل فحص مدى إمكانية تحقيق المرجو من الطرح الذي نحته الورقة. فهل إذا طبقنا الوعد الملزم في المرابحة ستكون المصرفية في الوضع المأمول الذي يحقق مقاصد الشرع ومصالح المكلفين؟ أعتقد أنه سيكون أقل سوءاً من الوضع القائم إلا أنه لن يحقق هذا الهدف … [وذلك لأسباب] منها؛ طبيعة المصرف التجاري والبيئة القانونية والتشريعية التي تحكم مسار عمله تأبى إلا أن يعمل هذا النوع من المؤسسات في ظل العقود الربوية أو العقود القريبة منها. ومن هنا فربما نحتاج إلى أن نتجاوز هذا النوع من المؤسسات إلى المطالبة بمؤسسات متخصصة قد يكون المجال فيها أرحب وأوسع لتطبيق ممارسات أفضل… “، مما يبين أن الهاجس المرتبط بتعليق آمال كبرى على منظومة المصرف التجاري ليس قاصراً على المقترح الذي تفضل به أخي الدكتور فهد وختمت تعليقي الذي بعثت به للدكتور الزرقا :”هل يعني ما سبق [من ملحوظات] التوقف عن العمل القائم والتخلي عنه؟ كلا، ليس الأمر كذلك وإنما محاولة لفت الأنظار إلى أهمية اتساع نطاق محاولات الإصلاح بدل الدوران في “الحلقة المفرغة” للمنظومة المصرفية التجارية القائمة التي يبدو أن طبيعتها تأبى الفكاك عن الربا إن بشكل صريح ومباشر، أو بشكل تحايلي غير مباشر. ويبقى الأمر ـ في ظل الظروف السائدة ـ كما قال الأستاذ الزرقا “اتقوا الله ما استطعتم” بالعمل على ارتكاب أخف الضررين، وأهون الشرين كما تقرر ذلك القاعدة الأصولية التي استنبطها علماؤنا [وعملوا بها]”، وهذا ما أود التأكيد عليه ها هنا بأن المبتغى هو تبادل الرأي لاختيار أحسن الأساليب وأنسبها وليس للتثبيط أو وأد الأفكار ولا المحاولات التي تختلف فيها وجهات النظر. ومن الجدير بالذكر أن “التوجس” من هيكل نموذج المصرف التجاري القائم قد سبقني إليها بعض الاقتصاديين المسلمين، ومنهم الدكتور محمد العصيمي الذي يسجل في هذا الصدد :”إن إصلاح الفلسفة التي يقوم عليها هيكل البنك التجاري أولى من تعديل عقوده مع المتعاملين …”، [كتاب “موت النقود”، تأليف جُويل كرتزمَن، ترجمة محمد العصيمي، بنك البلاد ودار الميمان للنشر والتوزيع، 1433 = 2012، ط 1، ص. 10)]؛ لأن العصيمي يعتبر ذلك من قبيل القضايا الكلية التي ينبغي أن تُصْرف الهِمَم بالتركيز عليها أكثر من القضايا الفرعية.
(3) وهنا أيضاً يجب التفريق بين التورق البسيط أو الفقهي المعروف، وبين المُنَظَّم أو المصرفي الذي يُستخدم كأداة تمويلية من قبل المؤسسات المالية الإسلامية. هذا الأخير هو المعني بما يرد من ملحوظات في ثنايا التعليق، وهو الذي ذهب مجمع الفقه الإسلامي الدولي إلى تحريمه في دورة الشارقة عام 1430 = 2009، في القرار رقم 179 (5/19) .
(4) ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل باع من رجل حريره بمائة ثم اشتراها بخميس فقال: “دارهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينها حريره”. وفي رواية أخرى أُثِرَ عنه -رضي الله عنه- قوله: ” اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريره”، وقوله: “إن الله لا يخدع. هذا مما حرم الله ورسوله”، وذلك عندما سئل عن “بيع الحريرة”. [المصدر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد السابع – رجب إلى شوال لسنة 1403هـ: http://www.alifta.net/Fatawa/fatawaDetails.aspx?BookID=2&View=Page&PageNo=1&PageID=1022، وموقع الشيخ عبدالكريم بن عبدالله الخضير-حفظه الله-: http://shkhudheir.com/scientific-lesson/1324453969].
(5) من كتاب “البنك الوقفي” الذي نشره كرسي الشيخ راشد بن دايل كمشروع بحثي تبناه الكرسي في العام الدراسي 1434 -1435 = 2013م. وهو متاح على الرابط التالي:
https://repository.salaamgateway.com/images/iep/galleries/documents/201605310731449629.pdf. ومن الجدير بالذكر أن جميع الصفحات المشار إليها في ثنايا التعليق ترجع إلى هذه النسخة من الكتاب.
(6) وهذه المقترحات التي تفضل بها الباحث ـ حفظه الله ـ تحتاج إلى مزيد تأمل وبحث في ضوء تجربة هيئات الرقابة الشرعية القائمة في صناعة التمويل الإسلامي بأشكالها المختلفة؛ المركزية وغير المركزية، والداخلية والخارجية حتى ننطلق من حيث انتهت لا من حيث بدأت بتجاوز الإشكالات التي مَرَّت بها، والاستفادة من الممارسات الجيدة التي تمَخَّضَت عن عملها. ثم هل تقبل البنوك المركزية أن ينازعها عملية الإشراف غيرها؟ وذلك لما قد يترتب على تلك “المنازعة” من صعوبة بالغة في التنسيق واتخاذ القرار خاصة إذا تعرض المصرف لإشكالات، وهذا ما حصل في بعض البلدان عندما كانت جهات الإشراف موزعة على أكثر من طرف، وعندما تعرضت بعض مؤسساتها لإشكالات واجهت تلك السلطات صعوبة السرعة في اتخاذ القرار المناسب، فتعلمت من تلك التجربة الدرس بأن ضمت الأعمال في جهة إشرافية واحدة.
المصدر: موقع وقفنا ـ 23/ 3/ 1439 = 11/ 12/ 2017