الراجحي .. الثامن ضمن الأغنى عربياً أوقف ثلث أمواله
تقدّر ثروته بـ(5.8 مليار دولار). وضعته قائمة مجلة “فوربس” الأمريكية السنوية لعام 2010 لأغنياء العالم في المرتبة الثامنة عربياً والتاسع والعشرين بعد المائة عالمياً.
“التجارة كعلم تبدأ من الصفر، والعمل عادة ينشأ من الضعف” .. “مالٌ ليس في بلدك، ليس لك ولا لولدك” .. بلدٌ بدون زراعة ليست بلداً”
“أرى أن الموظف الذي يكون سبباً في تشغيل غيره أفضل من الفلاح في مزرعته”
“اللهم ارزقني وارزق بي، اللهم ارزقني وارزق مني”
“والله ما أنفقت يوماً للزكاة مليونا إلا وعوضني الله سبحانه مليونين”
“أقبل بالربح القليل مع العمل الكثير المستمر، فمن الممكن أن تجمع ثروة من بعده، نحن من هللات وقروش بعد توفيق الله سبحانه بنينا”
تلك جمل من أقوال رجل الأعمال الشيخ صالح بن عبد العزيز الراجحي مؤسس ومالك مصرف الراجحي الذي وافته المنية في 12-2-2011 الموافق 9-3-1432هجرية بعد صراع مرير مع المرض وعمر ناهز الـ95، وبفقده تكون الأمة الإسلامية قد فقدت رجلاً نادراً استطاع أن يجمع بين كونه رجل أعمال من الطراز الأول وبين كونه أحد أبرز رموز الخير في المنطقة العربية.
ويجد المرء في سيرة حياته التي سطرت في كتاب “صالح بن عبد العزيز الراجحي.. مسيرة حياة” وأعدها كل من د. سليمان الميمان، وأيمن الحنيحن ود. سلوى بهكلي نموذج الرجل المتوازن بين المادة والروح حيث أن أعماله الشاقة والمتنوعة لم تكن لتصرفه عن أعمال البر والخير وأداء الواجبات الدينية.
وصنف ضمن قائمة مجلة “فوربس” الأمريكية السنوية لعام 2010 لأغنياء العالم في المرتبة الثامنة عربياً والـ129 عالمياً بثروة قدرت بـ(5.8 مليار دولار).
من بائع خردوات إلى مالك كبرى الشركات
كانت بدايته في منطقة “المقيبرة: وهي من المقابر القديمة وأقيم وكان فيها سوق تجاري مهم لكنه هدم في سنة 1383هـ” حيث وقف الراحجي وهو لا يزال شاباً صغيراً يبيع بعض الأقفال والمفاتيح والخردوات البسيطة من الصباح حتى المساء ليحصل في نهاية اليوم على سبعة قروش ومع أنها لم تكن لتكفي سداد إيجار البيت التي التزم بها مع تغيب والده عن المنزل لعدة أشهر إلا أنها كانت كالغنيمة بالنسبة له.
وفي أحد الأيام رجع إلى بيته فوجد أمه تبكي، فسألها عن سبب بكائها قالت له: يا ولدي إن صاحب البيت يريد طردنا منه لأننا لم ندفع الإيجار ووالدك مسافر وليس لنا أحد يدفع الإيجار، لكن هذه الحادثة مثلت لصالح الراجحي نقطة مهمة في حياته أعطته دفعة قوية للعمل حتى يتخلص من هذا المأزق.
في اليوم التالي توجه إلى السوق ووجد امرأة تبيع الزنابيل ولم يكن لديه نقود، طلب من المرأة أن تبيعه زنبيلاً مقابل رهن يدفعه إليها، وبعدها كان يحمل اللحم والبطيخ والخضر للناس مقابل ريال ونصف في اليوم وكأنه كان يدرب نفسه على الجلد والمثابرة والصبر في سبيل الحصول على الرزق الحلال.
ولم يكن يستنكف من عمل ما لم يكن حراماً وكان يرى أن هذه الأعمال تكفيه عن الناس وما توجبه الحاجة إليهم من الخضوع لهم والتقيد بهم.
ومن قصصه مع الملك عبد العزيز أنه كان ماراً في موكب مهيب من الديرة إلى قصر المربع ورمى إليه بكيس من النقود كما كان يفعل مع من يمر عليهم، وكان صالح الراجحي حينها في سن المراهقة حيث تعفف ولم يأخذه، فأمر الملك عبد العزيز موكبه بالوقوف وقال لأحد خدمه: قل لهذا الشاب أن الملك يقول لك خذ كيس النقود، ولما ذهب إليه الخادم أشار الراجحي بيديه إلى السماء وقال للخادم: أنا أطلب من الذي أعطاه أن يعطيني ولم يأخذ كيس النقود.
وبدأ حياة الصيرفة مبكراً وعمره قرابة 16 عاماً، حيث ذهب ليتدرب عند قريبَين له كانا يشتغلان بالصرافة، حيث جاء ببساطه ومده في صف الدكاكين في الصفاة “أشهر موقع في مدينة الرياض وهي مكان لتنفيذ الحدود” وخلالها فقه أمور الصرافة في زمن وجيز أهله لذلك الصبر الشديد الذي تميز به.
وخلال تلك المرحلة حصل على بساط صغير من خيش ثم من فراء من شعر ا لإبل عليه بعض النقود كان يجلس فيها منذ الشعاع الأول للشمس حيث يأتي إليه الناس لصرف نقودهم وتغيير بعض العملات، ومن عجيب أمره أنه كان ينام مبكراً بلا سهر أو سمر.
بعد هذا العمل المضني اجتمع له قرابة ثلاثة آلاف ريال ليتحول الصندوق الصغير إلى دكان يزاول فيه الشيخ مهنة الصرافة، لكنه لم يسلم في تلك المرحلة ممن رموه بالتعامل الربوي ومن تدخل الهيئات التي منعته من الجلوس في السوق والعمل بالصرافة، لكن العلامة الشنقيطي أفتاه بحل معاملاته المصرفية.
وكان يطوف على مصالحه ويشرف على أعماله ويرقب مسار تجارته، لا يهدأ إلا إلى عبادة ولا يضيع وقته فيما لا غناء فيه، إذ كان من أحرص الناس على وقته كأنما يسابق الوقت يخشى أن يسبقه إلى الغيب فيفوته.
وكرجل اقتصادي يعرف أن الزراعة هي جزء مهم من أي اقتصاد وطني، فقد كان مولعاً بالزراعة أيما ولع، يقول عن نفسه “كنت في البداية أميل إلى الأراضي والبناء، ولكن منذ ست سنوات بدأت اهتماماتي المكثفة بالزراعة ا لتي كنت أحبها منذ صغري”.
ولديه فلسفة اقتصادية في هذا الجانب، إذ يرى أن الزراعة لا تخضع للجدوى الرقمية وحسب، فهي مشروعات طويلة الأجل بعيدة المدى، وكان من آثار اهتمامه بذلك أن امتلك نصف أسهم “هادكو” وثلث أسهم “نادك” وهما شركتين كبيرتين في الخليج.
الوقت معيار للحكم على الرجال
أساس النجاح بعد رعاية الله وتوفيقه تحديد الغاية التي يسعى إليها الإنسان حتى لا يتفلت منه وقته ولا يتشتت عليه فكره، ولتحقيق الغاية فلا بد من الاهتمام بالوقت، وقد كان من مفاتيح الشيخ صالح الراجي أنه كان حريصاً على وقته ولعل هذا من أهم أسرار رجال المال والأعمال التي تميزهم عن غيرهم.
وقد كان يجعل الوقت معياراً للحكم على الرجال الذين يتعامل معهم، فإما أن يتم صفقته معهم حسب التزامهم بالوقت واحترامهم له أو تذهب الصفقة عليهم ضحية التفريط فيه.
واشتهر عن الشيخ صالح إقدامه على العمل التجاري مهما عظم حجمه، إذا كان درس أمره واقتنع به، وكان إذا لاقى صعوبة في تنفيذ بعض المشاريع يكمل ويثابر ويجهد نفسه حتى ينتهي منه.
وفي الوقت نفسه كان متابعاً لأهم الأخبار المتعلقة بالجانب الاقتصادي، يقول عنه ابنه ناصر “الشيخ صالح متعاقد مع إحدى الوكالات العالمية الإخبارية، يتابع من خلالها الأسواق العالمية، والعملات والذهب والفضة حيث كانت تطبع له وكان من أوائل التجار الذين أدخلوا وكالة الأنباء العالمية رويترز لمتابعة الأخبار”.
ويقول عنه د. عبد الرحمن آل الشيخ وزير الزراعة السابق “كان لديه وضوح في الرؤية، ينظر إلى الموضوع ويقلبه في عقله على كافة الوجوه، ويعرضه على ما لديه من خبرة بالسوق وحاجاته، ومتطلبات الناس والعملاء، ثم ينظر إلى أقرب الطرق إلى تحقيق الهدف، والوسيلة الملائمة لبلوغه فإذا ما تمت الصورة في عقله لم يتردد في اتخاذ القرار إيجاباً أو سلباً”.
وكان للشيخ عادة جيدة في التعامل مع موظفيه، إذ كان لا يتعجل في الحكم على من عامله بل يدعه يخطئ ويصيب مع الإشراف والتوجيه والمتابعة الحكيمة حيث يترك المخطئ يتعلم ويرتقي حتى ينال المهارة المطلوبة تلقائياً مع مرور الوقت ويكتسب الخبرة اللازمة لإنجاح العمل.
ورفع شعار “الخبرة تسبق التخصص” ونقل عنه الشيخ ثنيان بن فهد الثنيان قوله “لقد كان للفكر الثاقب والرؤية السديدة في استثمار الإنسان بوصفه أهم عامل من عوامل النجاح خير معين للشيخ صالح الراجحي في مسيرته، حيث جند الطاقات واستقطب أفضل الكفاءات الوطنية المدربة المؤهلة، وتعامل مع جميع العاملين بمبدأ الشراكة في النجاح والتطوير إسهاما في تعزيز اقتصاديات الوطن”.
والعجيب في صالح الراجحي أنه كان يحرص على أن يستثمر أمواله داخل المملكة يرعاها وينميها، وأصبح منهجاً معروفاً لديه أن معظم أمواله واستثماراته هي في الداخل، ولعله بذلك أحد التجار القلائل الذي ينتهجون هذه السياسة، ووفقاً لتصريح رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية عبد الرحمن الجريسي في 12 يوليو 2004م فإن “هناك أكثر من عشرة تريليون دولار يمتلكها سعوديون في الخارج”.
طاعة الوالدين ومجالسة العلماء
من العوامل التي ساعدت في تكوين الشيخ صالح الراجحي “صحبة العلماء الربانيين وتحري الحلال” حيث أرشده والده إلى حفظ القرآن صغيراً ووجهه إلى حلقة أهل العلم فتربى في مدرسة الشيخ محمد بن إبراهيم وصحب الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ الشنقيطي رحمه الله وكان يراجعهم في أموره التجارية والمالية.
وتتفق الروايات على إحسانه بأمه وبره بها وطاعته وحجه عنها بعد وفاتها وبذله ما استطاع من الصدقات صلة لها وبراً بها بعد موتها، وبالرم من شدة والد الشيخ صالح وصلابته إلى أن الشيخ صالح لم يؤثر عنه أنه خالف أباه في شيء على الأغلب.
وكان يرعى جناب أبيه ويجله إجلالاً عظيماً فيحضر إليه قبل سفره ويستأذنه في الخروج إلى وجهته التي يريد ويسأله إن كان يريد شيئاً من ابنه ليحضره له من البلد التي ينوي السفر إليها، وكان يقو “أبي ابرك لي من عملي”.
وأما فلسفة الخير لديه فكانت عجيبة، إذ كان يبعث من عنده رجالاً يطوفون في القرى والأحياء بحثاً عن الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام الذين يعيشون على هامش الحياة ولا يلتفت إليهم أحد من الناس، فيأتون بأسمائهم وعناوين مساكنهم وأحيائهم ويرفعون للشيخ تقاريرهم، وكان للشيخ غرام خاص بتوزيع الزكوات والصدقات بنفسه.
ومن ضمن اهتماماته الخيرية دعمه لطباعة كتب أهل العلم ووقوفه إلى جانب العلماء، فقد نقل عنه أنه طبع كتاب المغني لابن قدامه وهو من أمهات الكتب الفقهية إلى جانب مجموعة من “الكافي” وكان من الداعمين الرئيسيين للشيخ ابن باز رحمه الله وكان لا يرد له طلباً.
الوقف الذي لا ينتهي
في عام 1417هجرية أوقف الشيخ صالح أوقافه المعروفة وهي من أفضل ما يملكه من عقارات ومزارع، وقال عندها: الحمد لله الذي وفقني لتقديم هذا العمل الصالح قبل وفاتي، وجاء بعدها إلى المحكمة وأثبت الوقف بصكوك شرعية وكانت قيمته في ذلك الوقت تزيد على ملياري ريال، فيما قدر الوقف في الوقت الحالي بـ(15 مليار ريال سعودي).
ومن نص الوقف المذكور عنه أنه وجه بصرفها على اثني عشر مصرف منها نشر القرآن الكريم والدعوة إلى الله والإنفاق على طلبة العلوم الشرعية وطباعة الكتب الإسلامية وإنشاء ودعم المدارس الإسلامية والتيسير على المعسرين والصرف على المنكوبين إلى جانب الأيتام والأرامل والفقراء.
وعين الشيخ صالح مجلس وصاية على الوقف حتى يضمن قيامه بالدور المطلوب منه، وذكرهم بوجوب تقوى الله في السر والعلن وتحريما كان أنفع للميت وأعظم مصلحة للمسلمين، وبذلك يسن سنة حسنة لمن بعده من التجار ورجال الأعمال الذين يجمعون بين خيري الدنيا والآخرة.
تربية الأولاد بالقدوة
اعتمد في تربية أولاده على القدوة أكثر من التوجيه الكلامي، وأنشأهم على الجدية والالتزام والتواضع ورسخ في أذهانهم الاعتماد على أنفسهم بدلاً من الاعتماد على أبيهم، وأدخل جميع أولاده في مدارس الرياض وهي من أفضل المدارس.
تقول عنه أحد بناته “كانت حرية الاختيار شيئاً رئيسياً لدى الشيخ عند تزويج بناته، فللبنت أن ترفض أو تقبل من يتقدم إليها دون ضغط أو تأثير”.
لبنة في استعادة دور الوقف التاريخي
حصلت أوقاف الراجحي على جائزة الشيخ فهد الأحمد الدولية للعمل الخيري في العام 2011 بدورتها الثانية وذلك في فرع التفوق للمؤسسات الخيرية.
وقد شكلت الأوقاف عصب النهوض الاجتماعي والحضاري للأمة الإسلامية منذ نشأة الإسلام وحتى اليوم، وظلت صمام الأمان لاستقلال المؤسسات الدينية وعلى رأسها الجامع الأزهر وجامعة الزيتونة وغيرها من المحاضن التربوية والعلمية التي ظلت تخرج العلماء ولا زالت، لكن فاعليتها غابت عن التأثير في الساحة الإسلامية بسبب سيطرة الدولة على المؤسسات التعليمية الدينية.
وتمثل أوقاف الراجحي أنموذجاً للعمل المؤسسي الذي قام به مبكراً وعمد إلى جعل جزء مهم من أوقافه على مسألة دعم التعليم ونشر الكتب، وهو بذلك يضع حجر أساس إلى جانب من سبقوه في ترسيخ هذا المبدأ حتى تعود للأوقاف مكانتها ودورها الريادي في توفير البيئة الملائمة لتخريج وتأهيل الكوادر التي ساعدت في نهوض الأمة الإسلامية عبر التاريخ.
وفيما يتعلق بالعقارات التي تم أوقفها صالح الراجحي لأعمال الخير فهي تبلغ تسعة مجمعات كبيرة في كل من الرياض وجدة ومكة المكرمة، وتتضمن عدد كبير من المعارض والشقق السنية والفلل والمكاتب الإدارية وورش سيارات متكاملة، ومن المجمعات التابعة لإدارة أوقاف صالح الراجحي ومستثمرة بالكامل مجمع العروبة بلازا بالرياض ومجمع العليا مول بالرياض.
وتم تأسيس إدارة أوقاف الشيخ صالح عام 1997 ميلادية وتتبعها الإدارة الزراعية التي تشرف على ثلاثة مشاريع زراعية داخل المملكة تنفرد بغرس النخيل وذلك لإنتاج أجود أنواع التمور وأفضل أصناف الفسائل ويزيد عددها عن ربع مليون نخلة بين غرس حديث ونخيل مثمر يضم أكثر من خمسين صنف من مختلف أصناف النخيل.
وبلغ إجمالي الدعم المخصص للأعمال الخيرية بإدارة الأوقاف للفترة من 1418هجرية وحتى 1428هجرية في الداخل والخارج (231 مليون ريال سعودي).
المصدر: إسلام أون لاين ـ 17/ 3/ 1432.