الوقف الخيري
زامل شبيب الركاض
“وقفنا ـ الثلاثاء 10 رجب 1428”
الوقف هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره، ويصرف ريعه على جهة بر وخير تقرباً لله تعالى، وعليه يخرج المال من ملك الواقف ويصير حبيسا على حكم ملك الله تعالى، ويمتنع على الواقف تصرفه فيه ويلزم التبرع بريعه على جهة الوقف. وحكم الوقف سنة مندوب إليها لقوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وقال صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) والوقف منه ما يكون وقفا على جهة خيرية كأن يوقف أرضاً على مستشفى أو مدرسة أو غيرها ومنه ما يكون وقفا على الأهل والضعفاء من ذريته، والذي يجوز وقفه هو كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه وكان أصلا يبقى بقاء متصلاً كالعقار وما شابهه حتى ولو كان مشاعاً لا يقبل القسمة، ولا يصح وقف المرهون وما لا ينتفع به إلا بإتلاف مثل المأكول والمشروب وأشباهه لأن الوقف تحبيس الأصل، وإذا صح الوقف زال به ملك الواقف لأنه سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة، وينتقل الملك إلى الله عز وجل، إذا كان الوقف على مسجد ونحوه، كذلك ينتقل الملك في العين الموقوفة إلى الموقوف عليه إن كان شخصاً معيناً، ويلزم الوقف بمجرد التلفظ به لأن الوقف يحصل به ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث لحديث ابن عمر رضي الله عنهما (أن عمر أصاب أرضاً من أرض خيبر فقال يا رسول الله، أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني فقال:” إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها” فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول) وهذا الحديث أصل في مشروعية الوقف.
الوقف في الشريعة الإسلامية رافد مهم في سد حاجة المحتاجين لأن حياة الناس تحتاج إلى كثير من المصادر والخدمات سواء منها ما يتصل بالعبادات كبناء المساجد وطباعة المصاحف والكتب ونشر العلم والدعوة ومنها ما يتصل بحاجاتهم الاجتماعية كبناء المستشفيات والمدارس وشق الطرق وحفر الآبار، فخير الناس أنفعهم للخلق، ويشترط في الواقف أن يكون حراً مالكاً عاقلاً بالغاً رشيداً غير محجور عليه وأن يكون مختاراً غير مكره، وأما شروط الموقوف نفسه أن يكون الموقوف (عينا) أو مالاً متقوماً معلوماً مملوكاً للواقف ملكاً تاماً أي لا خيار فيه، والموقف عليه إما أن يكون معيناً كشخص أو غير معين مثل الفقراء والمساجد والعلماء وغيرها من وجوه الخير.
ويشترط في صيغة الوقف التأبيد والتنجيز والإلزام وعدم الاقتران بشرط باطل، كما أن هنالك شروطاً لا بد من توافرها في تعيين ناظر الوقف وهي العدالة والكفاية والإسلام لقوله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيل) ووظيفة الناظر حفظ الوقف واستثماره وتحصيل الغلة من أجر وثمر وقسمتها بين المستحقين، وللواقف عزل الناظر لأنه نائبه فأشبه الوكيل وللموقوف عليه المعين وللحاكم عزل الناظر لأصالة ولايتهما كما للناظر عزل نفسه كما هو مقرر في الوكالة.
ونخلص إلى أن للوقف مكانة كبيرة في حياة المسلمين طوال التاريخ الإسلامي ففي الماضي كان الوقف يقتصر على المكتبات وحفر الآبار والأضاحي وبناء المساجد، إلا أنه في العصر الحاضر ومع تزايد الحاجة للدعم في مجالات الدعوة إلى الله عز وجل والبر والإحسان وغيرها، تتأكد أهمية تنمية الأوقاف واستثمارها بطريقة تجارية تحقق خدمة الأمة في حاضرها ومستقبلها مثل استثمار الأوقاف في مجالات البحث العلمي والخدمات الصحية والاجتماعية وإنشاء وسائل الإعلام الإسلامي في عصر الغزو الفضائي، وجعل الأوقاف رافداً لدفع عجلة التنمية وتحقيق نوع من الاكتفاء الاقتصادي في مجالات الأعمال الدعوية والخيرية.
[المصدر: جريدة الرياض]