موازنات تغيب في واقع الفكر الإسلامي
بقلم: الدكتور مبارك الذروه (*)
يستعد الكثيرون بعد أسابيع الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج، وعندما تسأل أحدهم كم مرة حججت تفاجأ أنها الرابعة أو الخامسة، ومتوسط التكلفة للحاج الواحد يصل إلى 700 دينار كويتي، وبحسبة بسيطة لعدد الحجاج الذين سبق لهم الحج أكثر من مرة نصل إلى رقم خيالي، وبتكرار الرقم على الدول العربية فقط سنصل إلى ميزانية ضخمة جداً! ميزانية تكفي لإنشاء مئات المصانع والمزارع ومحطات الكهرباء ومصافٍ للبترول ومراكز للأبحاث تقضي على البطالة المليونية في الوطن العربي، وتمدنا بسبل الخروج من النفق المظلم الذي تعيشه الأمة. كم ذهب من أموال كان الأولى أن تنفق في برامج التنمية التي تنفع المسلمين في ميادين كثيرة.
تأمل معي مثالاً آخر. في الفكر الوقفي ومثاله في الكويت (الأمانة العامة للأوقاف) يتقدم بعض الناس لبناء المساجد وطباعة المصاحف، وفي ذلك خير كثير بلا شك، ولكن لو أخبرت أحدهم عن الوقف من أجل تعليم أبناء البدون المسلمين مثلاً، أو لكفالة مخترع كويتي، أو لدعم مشروع وطني يتعلق بالتكنولوجيا، لصد عنك وسمى ذلك من العبث وضياع الوقت!
والحقيقة أن عامة الناس اليوم يفتقدون إلى فقه الأولويات والموازنات لغياب أهل الاختصاص من العلماء والطبقة المتوسطة من المثقفين والكتاب المؤتمنين على نقل مثل هذه القضايا الملحة. ملايين مملينة تصرف على بناء المساجد مع أن الأرض جعلت كلها مسجداً وطهوراً، والأولى أن تنفق تلك الملايين على احتياجات الأمة في هذا العصر. لماذا لا تنفق الأوقاف الإسلامية على إنشاء جامعة تطبيقية علمية جل دراساتها في تكرير المياه ومعالجتها كيميائياً مثلاً، أو على مركز للأبحاث التكنولوجية أو البترولية أو علوم الطاقة البديلة مثلاً!
ومن نافلة القول أن تسد الأوقاف الاحتياج الكبير لنوعية متخصصة من المستشفيات والمراكز الصحية، وإغراء الأطباء والعلماء وصناع الأدوية حول العالم وجلبهم للمنطقة… بأموال وقفية ورقابة محاسبية دقيقة، نقول هذا رغم أنه من مهام الدولة… الرعاية الصحية والتعليمية والسكنية!
فالوقف كان ولا يزال غطاء شعبياً مدنياً لمشاريع التنمية الذي لا تصله يد العابثين عبر الزمن… فمن خصائص الوقف الاستمرارية فهو لا ينقطع، ولا سلطة لأحد عليه، وما للدولة عليه سوى الإشراف فقط، فشرط الواقف كنص الشارع كما في القواعد الفقهية.
ثمة أمر آخر هو الارتباط الوثيق بين الوقف والفقه، فالفقهاء والعلماء عليهم دور مهم يتعلق بالنظر لاحتياجات الوطن الراهنة والاجتهاد وفقاً لهذا النظر، فالواقف يثق برأي الفقه والفقهاء، وما لم يقتنع الواقف في أولوية مصارف الوقف واحتياجات الوطن وجواز ذلك فلن نجد تنمية في مشاهد الحياة المعاصرة.
الدعم الحكومي طال الزمن أم قصر سيقل إلا من برامج التنمية ذات الاهتمام الحكومي الخاص، ويعضد ذلك التقارير التي تحذر من قرب النضوب النفطي، وازدياد التعداد السكاني، ومشكلات اتساع الدولة.
من هنا تلعب المؤسسات الوقفية والخيرية دوراً مسانداً ومعاضداً للنقص الحكومي. وإذا كان الوقف في الفكر الإسلامي يرتبط كثيراً بالنية وابتغاء الأجر والثواب، فإنه في المؤسسات الأميركية يرتبط كثيراً بالمنح الحكومية وحوافزها المغرية والإعفاءات الضريبية، باستثناء ما يتعلق منها بالأنشطة الكنسية، مثل مؤسسة «فورد» و«سيلكا» وغيرهما، وهو أمر جيد لدفع العمل الوقفي والخير لبرامج التنمية.
والمقصود حضور الوعي بأهمية تطوير العمل الوقفي والخيري لسد احتياجات التنمية، وتشجيع الاجتهادات الوقفية لربط الأوقاف بخطة التنمية في برامج حيوية لها أبعاد استراتيجية تتميز بالديمومة والاستمرار.
(*)الدكتور مبارك الذروه ـ كاتب كويتيّ.
المصدر: صحيفة الرأي الكويتيّة ـ 9/ 11/ 1431