حكاية وقف/ عبد الرحمن الفاضل أوقف نخيل »الخور« و»العبيدلي« لمسجدين في المحرق
نشرت صحيفة الوطن البحرينية ما يلي:
الوقف عطاء مستمر وأجر دائم لمنفقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولما كانت صفة الديمومة والاستمرارية من الصفات اللازمة للوقف كان حتماً أن تجري على بعضه سنة التبدل والتغير والتحول التي لا فكاك عنها في أغلب الأحوال والأمور، فإنك ترى الشيء يتحول من شيء كان عليه إلى أمر آخر، ويتغير من مكان إلى آخر، ومن طبيعة إلى أخرى مغايرة. وهو أمر محمود إن كان للأفضل ممدوح القائم عليه والساعي فيه. وسنتناول في هذه المقالات مجموعة حكايات لأوقاف تصدق بها أهل الإحسان فظلت قائمة سنوات طوال، تحولت مع مرور السنوات عما كانت عليه سابقاً إلى ما آلت عليه الآن.
وحاجات الناس العامة للوقف تتنوع بحسب المكان والزمان، ومنها الوقف بإنشاء المساجد ورعايتها والقيام بشؤونها امتثالاً لقول الله تعالى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.. الآية} وقول النبي (ص): {من بنى مسجداً لله تعالى يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة} رواه البخاري ومسلم. ومن أجل أن يقوم أصحاب الوظائف الدينية بواجباتهم على أفضل وأكمل وجه؛ كان الوقف عليهم من الأمور اللازمة.
وحوى التاريخ الكثير من الشخصيات والأعلام، منهم من محي أثره، ونسي من ذاكرة التاريخ، فلم يبقَ له أثر، وفي المقابل منهم من خلده التاريخ في الذاكرة، يتناقل الناس أخباره. ومبعث ذلك التخليد ما سطره أولئك من أعمال عظيمة. والآثار التي خلدت ذكرى أولئك في أبواب شتى وجوانب متعددة، فمنهم الآخذ منها بحظ وافر ومنهم المقل.
ومن تلكم الشخصيات الشيخ عبد الرحمن بن راشد الفاضل – طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته – رجل ينتسب إلى إحدى العوائل العريقة والكريمة في البحرين وهي عائلة الفاضل. استوطن أفرادها مدينتي المنامة والمحرق منذ القدم.
كانت لعبد الرحمن الفاضل بصمات لامعة في تاريخ البحرين غيرت مجرى الأحداث؛ حيث كان له دور فاعل في استرداد البحرين وإرجاعها إلى حضنها الطبيعي بعد استيلاء فهد بن سليمان بن عفيصان عليها.
من الكلمات التي قيلت فيه: ”من رجال البحرين المعدودين المشهورين بعلو الهمة وعظيم الجسارة والإقدام على عظائم الأمور”. وكان المشايخ عبد الله، وسلمان آل خليفة أخواله؛ لأن أمه كانت كريمة المرحوم الشيخ أحمد بن محمد الفاتح، فورث عبد الرحمن عن جده الجسارة والإقدام وعلو الهمة.
وهو واحد فيما نحسب – والله حسيبه – ممن قال فيهم الرسول الكريم: ”إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية… الحديث” فغفر الله له، وأنزل شآبيب الرحمة على قبره، وأسكنه منازل البررة، وجعل الفردوس الأعلى مسكنه آمين.
من أوقافه رحمه الله نخلان أوقفهما على مسجدين من مساجد مدينة المحرق؛ الأول المسجد الذي بناه ويعرف باسمه، والثاني جامع المحرق الجنوبي، جاء في حجة الوقف التي دونها مبارك بن خليفة الفاضل ما يلي: جرى في 14 ذي القعدة 1270هـ بعد الهجرة ثبت لدي ما ذكر في هذه الورقة نقلاً؛ لئلا يخفى حرره الفقير إلى الله شرف بن أحمد خادم الشرع في البحرين. ”بسم الله الرحمن الرحيم: قد حضر لدي مبارك بن خليفة آل فاضل وأقر واعترف بطوعه ورضاه أن النخيل المسمى الخور والنخل المسمى العبيدلي أنهما وقف من عبد الرحمن بن راشد الفاضل، وأن مخارج ثمرتهم تباع ويعطى منها مسجد الجامع الكائن في المحرق؛ للإمام مائة قران (عملة قديمة استعملها الفرس). وكذلك مسجد عبد الرحمن بن راشد مائة قران ما بين المؤذن والإمام؛ ثلثين للإمام وثلثاً للمؤذن. وكذلك درس رمضان مائة قران. وأضحية ثلاثين قراناً. ومائة قران للأرحام. ويعطى من الرطب للفقراء والمساكين. وسعف للمساكين. والباقي لعمار النخل والمسجد. شهد بذلك محمد بن عبد الرحمن. أملاه الفقير راشد بن عيسى”. نقلتها من الأصل حرفاً بحرف وأنا الفقير إلى الله عيسى بن راشد في ربيع الأول سنة 1327هـ. ”وأنا الفقير إلى الله أحمد بن عبد الله مطلع على الورقة الأصلية عن إقرار العم مبارك بن خليفة عن جدي عبد الرحمن بن راشد، وعرضت الورقة للشيخ عيسى المذكور ينقلها من سبب عادمة صحيح أحمد آل فاضل ختمه في الورقة”.
إن الوقف المشار إليه هو عبارة عن بستاني نخل؛ حيث إن المنطقة كانت تعرف آنذاك بكثرة بساتين النخيل والثمار الأخرى. الأول وهو الخور يقع في مقابة، والثاني وهو العبيدلي يقع في الزنج؛ حيث تملكت أسرة آل فاضل الكثير من بساتين النخيل في الزنج.
ظل الوقف قائماً بدوره يتعاقب على التمول من ثمرته وريعه أئمة ومؤذنو جامع المحرق الجنوبي وهو جامع الشيخ حمد، ومسجد الواقف عبد الرحمن الفاضل، إضافةً إلى المعينات الأخرى التي نص عليها في حجة الوقف.
ومع مرور الزمن لم يعد بستان النخيل على حاله السابق حيث يستفاد من ثمرته كمصدر عيش يرتزق منه الموقوف عليه، بل أصبح أرضاً فضاء معطلة لا ريع لها البتة لسنوات طويلة. وحرصاً من الإدارة على استثمار وقف نخل العبيدلي الكائن بالزنج قامت بوضع التصاميم الهندسية لمشروع رائد في المنطقة، هو عبارة عن عمائر سكنية ضخمة ومحلات تجارية. وترجو الإدارة أن تكون حققت مراد الواقف على الوجه الذي ينتفع به ويصل إليه ثواب عمله وهو في قبره. وهي من وجه آخر حافظت على ديمومة الوقف وبقائه إلى أن يرث الواحد القهار الأرض ومن عليها.
وهو أيضاَ جهد يثاب عليه الناظر ويشكر عليه؛ إذ متطلبات الأمانة تستوجب القيام على مصالح الوقف ورعايته وصيانته وتنميته واستثماره بما يعود على الموقوف بالنفع الأكمل.
أهم مضامين حجة الوقف:
أولاً: حرص النظار والمتولون على الأوقاف على تثبيت الوقف لدى أهل العلم أو القضاة؛ فواضح من صدر حجة الوقف أن مبارك بن خليفة الفاضل أتى الشيخ راشد بن عيسى وأقر واعترف لديه بما تحت يده من وقف.
ثانياً: تعاهد الأوائل على نقل الحجج الوقفية وغيرها من الصكوك إذا أشرفت النسخ الأصلية على التلف والانعدام؛ فتاريخ إقرار الناظر كان بتاريخ 14 ذي القعدة 1270هـ، ثم نقلت من جديد في ربيع الأول سنة 1327هـ. أي بعد مضي سبعة وخمسين سنة.
ثالثاً: يظهر من حجة الوقف أن الواقف: عبد الرحمن بن راشد الفاضل لم يكن حياً في سنة 1270هـ، وهي السنة التي تم فيها الإقرار بوقف النخل، والتاريخ المذكور يقرب لنا على حد ما الفترة التي توفي فيها.
رابعاً: العرف الجاري عند الناس في ذلك الوقت أنهم يبدؤون محرراتهم الرسمية بالبسملة.
خامساً: صفة الأمانة حملت المتولين والنظار على الكشف على ما تحت أيديهم من أوقاف حتى يعلم ذلك ويشاع.
سادساً: مما تعارف عليه الناس أن الشخص المحسن إذا بنى مسجداً ضم له وقفاً من أملاكه؛ كيما يقوم باحتياجاته ومصالحه. وفيه تنبيه لأهل زماننا بأن يحذو مسلك الأوائل في الوقف على أصحاب الوظائف الدينية.
سابعاً: الدقة والتحري لدى الناظر في بيان جميع المصارف التي اشتمل عليها الوقف.
ثامناً: في الحجة أيضاً أن العقار الواحد يوقف على أكثر من جهة؛ ففيها أنه وقف على مسجدين ودرس في شهر رمضان، وأضحية، وأرحام الواقف، والمساكين والفقراء.
تاسعاً: يؤخذ من الحجة مقادير مرتبات الأئمة والمؤذنين؛ فالإمام كان يتقاضى ضعف ما يتقاضاه المؤذن؛ حيث له الثلثان والمؤذن له الثلث. وأيضاً مكافأة درس رمضان وقيمة الأضحية. عاشراً: عملة القران التي وردت بالحجة عملة قديمة استعملها الفرس من 1830- 1881 وهو يساوي آنذاك ثلاثين فلساً. وكانت الروبية تساوي 50,2 قراناً. (الموسوعة الكويتية المختصرة 3/.1770).
الحادي عشر: فيها جريان إقامة الدروس الدينية في شهر رمضان منذ القدم عند الناس.
الثاني عشر: الاستفادة من النخل لا تقتصر على الرطب فقط، بل من جميع أجزائه.
الثالث عشر: في عدم استناد الناظر مبارك بن خليفة الفاضل في إثبات الوقف على الورقة الأصلية الصادرة من الواقف قرينة على عدم وجود ورقة أصلية من الواقف أصلاً؛ وعليه اكتفى مبارك الفاضل بالمشافهة والإشهاد على ذلك، أو أنها موجودة لكنها مفقودة أو ليست في حوزته. لكن العقار الموقوف له ورقتا شراء من عبد الرحمن الفاضل، الأولى لنخل الخور الشمالي الكائن بساحة مقابة في 25 شوال 1230هـ قبل تاريخ الإقرار بأربعين سنة، والثانية لنخل العبيدلي الكائن بساحة أرض الزنج في 19 رجب 1235هـ قبل تاريخ الإقرار بخمسة وثلاثين سنة.
الرابع عشر: بحكم أن أكثر أملاك الناس في ذلك الزمان عقارات النخيل كانت هي الغالبة في الأوقاف.
الخامس عشر: جرى العرف أن تحمل عقارات النخيل في ذلك الوقت أسماء تختص بها، ويلاحظ عليها الأسماء الغريبة، كما إن الأسماء قد تتماثل لأكثر من عقار.
السادس عشر: مما هو مقرر عند بعض المؤرخين أن حاكم البحرين الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة – رحمه الله – هو الذي أسس مدينة المحرق، وعبد الرحمن الفاضل وإن كان ابن أخت الشيخ عبد الله إلا أنه في الترتيب الزمني في طبقته، نستنتج من ذلك العمر الزمني لمسجد الواقف الذي بناه بالمحرق، وأنه من أوائل المساجد التي بنيت في مدينة المحرق، والله أعلم.
السابع عشر: عمل الوقف على تخفيف العبء والحمل على بيت مال المسلمين.
الثامن عشر: الشاهد في الحجة: محمد بن عبد الرحمن يظهر أنه ابن الواقف عبد الرحمن الفاضل، والله أعلم. أما الذي أملى الحجة فهو الشيخ راشد بن عيسى بن خميس من مشاهير أهل العلم والإفتاء في البحرين في وقته. ثم أتى ابنه الشيخ عيسى بن راشد ونقلها سنة 1327هـ، وهو أيضاً من أهل العلم.
التاسع عشر: في أعلى الحجة تم تثبيت الوقف من قبل أحد قضاة البحرين؛ وهو خادم الشرع في مدينة المحرق الشيخ شرف بن أحمد اليماني.
المصدر: صحيفة الوطن البحرينية ـ 25/ 9/ 1432
