فعل خير ضلّ الطريق
“وقفنا ـ الثلاثاء 29 رمضان المبارك 1326”
بقلم: غادة عبد العزيز الحوطي
…إن من يريد حقاً أن يحظى بالمثوبة العظمى من بناء المسجد فعليه أن يتمعن في الحديث الشريف الذي اشترط لتلك المثوبة – وهي بناء بيت في الجنة – شرطاً واحداً ألا وهو “إرادة وجه الله” من بناء المسجد، معنى ذلك أن عليه أن يتخلص من كل هوى يبعده عن إرادة وجه الله.
مثلاً من يريد أن يبني مسجداً يزعم أنه يريد به وجه الله تعالى
لا غير لماذا لا يبنيه في قرية فقيرة أقصى أماني المصلين هناك أن يضعوا رؤوسهم حينيسجدون على سجادة بدلاً من الحصير الذي ختم على جباههم بالتقوى – إن شاء الله – ويحلمون بمسجد دافئ في الشتاء بارد في الصيف؟
فأين من يزعمون أنهم يبتغون وجهالله من هؤلاء؟!
لماذا من يبتغي وجه الله من بناء المسجد لا يبنيه في الطرقالسريعة بين المدن، مثل الطريق بين جدة والمدينة المنورة، حيث توجد مساجد في أوضاعمؤلمة تأبى النفوس السوية الصلاة فيها، لأنها مرتع لحيوانات الطريق. فأين من يريدونوجه الله من بناء المساجد من هذه الأماكن التي هي في أمس الحاجة إلى مسجد نظيف، لأنمن شروط الصلاة طهارة البقعة، وهذه المساجد لا يتحقق فيها هذا الشرط. فأين هم منذلك؟!
أين من يريدون وجه الله من بناء المساجد من توفير مصلى للنساء في أسواقجدة الكبيرة والضخمة، والتي بالرغم من أن 99% من مرتاديها من النساء إلا أن أحداًلم يكترث بتخصيص مكان آمن ساتر للنساء للصلاة فيه، لذا نرى ذلك المنظر غير الحضاريفي هذه الأسواق حيث تتجمع النساء تحت درج أو في أحد الممرات ويقمن بالصلاة تحوطهنالأحذية من كل جانب.
فأين من يريد وجه الله من بناء المساجد من هذهالأسواق؟
ثم لا يفوتني وأنا أتكلم عن فعل الخير الذي يضل الطريق من الالتفات إلىجانب آخر غير بناء المساجد، لا سيما ونحن نقترب من طاعة كبرى ألا وهيالحج.
والذي أود قوله هنا إن كثيراً ممن يريدون فعل الخير قد يغفلون عن هذا النوع من فعل الخير ألا وهو توفير المال لإنسان كبير في السن ومقتدر جسدياً على أداء الحج لكنه لا يملك المال لذلك، فلماذا لا يتوجه فاعلو الخير لهؤلاء فيدفعون لهم المال الكافي لأداء فريضة الحج بشكل جيد يحفظ لهم إنسانيتهم ويقيهم الامتهان؟! ألا ترون
أن ذلك من فعل الخير العظيم وأنه قد يتفوق على بناء المسجد، لأن الحج ركنوبناء المسجد فضيلة؟
المضحك في هذا الصدد أن كثيراً من الناس يوصون أبناءهمبتخصيص جزء من الميراث لهذا الغرض، لكن الأبناء ربما لانشغالهم في تنمية أموالالفقيد قد يعينون شخصاً للحج عن المرحوم كل عام سواء كان هذا الشخص أميناً فيالذهاب إلى الحج أو غير ذلك، غير مكترثين باختيار الشخص المستحق لأداء هذه الفريضةوالذي إن ساعدوه على أدائها ربما دعا للفقيد دعاء مخلصاً ينفعه في آخرته.
إن الإسلام دين الحكمة وإن حثه الدائم على فعل الخير بشتى صنوفه وألوانه إنما ينبع من توخي الحكمة في فعل الخير وإلا كان هباء منثوراً!
[المصدر: جريدة الوطن]