التمويل الأجنبي ينتهك الاستقلال الوطني
بقلم: الدكتور إبراهيم البيومي غانم
“نشرت صحيفة السبيل الأردنية مقالة تحت هذا العنوان للباحث الوقفي الدكتور إبراهيم البيومي غانم تطرق خلالها للمفارقة بين ما كان عليه حال الوقف ـ في مصر ـ قبل نحو قرن من الزمان فقد كان أهم وأغنى مصدر من مصادر التمويل المحلي للعمل الأهلي ومؤسساته وجمعياته التي توالى ظهورها منذ أواخر القرن التاسع عشر. وبين ما عليه الحال هناك اليوم فقد أضحى التمويل القادم من جهات الخارج أداة من أدوات تمكين النفوذ الأجنبي من التغلغل والنيل من هوية المجتمع وانتهاك استقلاله الوطني. ويرى ـ في مقالته ـ أن ذلك السلوك الوطني للمصريين ضد الاحتلال لم يكن مقتصراً فقط على مصر، وإنّما ساد آنذاك في أغلب بلدان العالم الإسلامي التي وقعت تحت براثن الاستعمار الأوروبي. فقال في مقالته: “
دخلت قضية التمويل الأجنبي في حالة كمون بعد أن هدأت عاصفة الغضب المصري بسبب السماح بسفر المتهمين الأجانب لخارج البلاد في أول آذار الفائت، رغم أنّ القضية لا تزال منظورة أمام القضاء. ولا أعتقد أنّ هذا الكمون سوف يستمر طويلاً حتى يعود أقوى مما كان. أقرب وأول مناسبة لإعادة الجدل حول التمويل سيكون عندما تلتئم هيئة محكمة جنايات القاهرة يوم 10 نيسان الجاري لفض أحراز القضية والنظر فيما فعلته النيابة العامة فيما كلّفت به من “ضبط وإحضار المتهمين الأجانب” الذي باتوا منذ ليلة أول آذار خارج مصر.
المناسبة الثانية لإثارة هذه القضية ستكون عندما يتم طرح مشروع القانون الجديد الخاص بالجمعيات الأهلية على البرلمان لمناقشته وإقراره، ومن المتوقع أن تكون المواد المتعلقة بالتمويل الأجنبي وسلطة الحكومة في الرقابة عليه مثار كثير من الجدل واختلاف وجهات النظر، وقبل أيام قليلة انتقد مجلس الشعب موقف الحكومة من هذه القضية في تقرير اللجنة الخاصة للرد على بيان الحكومة واتهمها بالتفريط في الكرامة الوطنية والرضوخ للضغوط الأجنبية.
المفارقة الكبرى في قضية التمويل الأجنبي للجمعيات الأهلية هي أنّ بعض القوى السياسية المنتمية لتيارات فكرية مختلفة لا ترى بأساً في السماح بتلقي التمويل الأجنبي بحجة دعم برامج منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، ولسد العجز الفاضح والفادح الذي تعانيه في مصادر تمويلها. ووجه المفارقة هنا هو أنّ المصريين قبل نحو قرن من الزمان كانوا قد نهضوا لتوظيف “الوقف الخيري” في مقاومة التدخل الأجنبي، وقد كان الوقف آنذاك أهم وأغنى مصدر من مصادر التمويل المحلي للعمل الأهلي ومؤسساته وجميعاته التي توالى ظهورها منذ أواخر القرن التاسع عشر وأشهرها الجمعية الخيرية الإسلامية وجمعية التوفيق القبطية وجمعية المساعي المشكورة.
أمّا اليوم فقد انقلبت الصورة، وأضحى التمويل القادم من جهات الخارج أداة من أدوات تمكين النفوذ الأجنبي من التغلغل والنيل من هوية المجتمع وانتهاك استقلاله الوطني. ولم يكن ذلك السلوك الوطني للمصريين ضد الاحتلال مقتصراً فقط على مصر، وإنّما ساد آنذاك في أغلب بلدان العالم الإسلامي التي وقعت تحت براثن الاستعمار الأوروبي.
كانت الممتلكات الموقوفة من الأراضي الزراعية والعقارات المبنية عقبة كأداء أمام سلطات الاحتلال الأجنبي الذي اجتاح بلدان العالم الإسلامي من طنجة غرباً إلى جاكرتا شرقاً على مدى القرنين الأخيرين التاسع عشر والعشرين. وحتى تتفادى سلطات الاحتلال مزيداً من المقاومة ضدها فقد حرصت على عدم المساس بالنظم الموروثة ذات الحساسية الدينية العالية، ومنها نظام الوقف ونظام الأحوال الشخصية.
ولكن سرعان ما اكتشف الأهالي أنّ نظام الوقف يمكن توظيفه في خدمة المقاومة ضد الاحتلال من وجه آخر هو مقاطعة القوانين والمحاكم الأجنبية التي أنشأتها السلطة الاستعمارية؛ إذ كان إنشاء الوقف يعني في ذات اللحظة إدخال الأعيان الموقوفة في دائرة الأحكام والمحاكم الشرعية المختصة بالنظر في مسائل الأوقاف وقضاياها، ومن ثم إخراجها من تحت طائلة القوانين والمحاكم الأجنبية والقضاء المختلط، الذي تغلغل في البنية التشريعية والقضائية، وقضم قسماً كبيراً من اختصاصات المحاكم الشرعية، وكان قسم من قضاة القضاء المختلط من الأجانب أيضاً.
وفي بحوثنا الموسّعة حول الوقف في التاريخ الحديث والمعاصر للبلدان العربية والإسلامية فسّرنا عملية التوسع في تحويل الأملاك إلى أوقاف إبان فترة الاحتلال على أنّها نوع من المقاومة الشعبية المبتكرة ضد تغلغل النفوذ الأجنبي في مجال التشريع والقضاء.
ذلك التفسير الذي ذهبنا إليه لدينا عليه أدلة دامغة وبراهين ساطعة، ومن أهمها أنّ قادة الحركة الوطنية كانوا على وعي تام بأهمية هذا النوع المبتكر من المقاومة، وقد أسهموا بأنفسهم في تشجيع الوقف لهذا الغرض الجهادي/الوطني، فقام عدد كبير منهم بتحويل أملاكه أو جزء منها إلى أوقاف، كما أسهمت مؤسسات الأوقاف الرسمية نفسها في هذا المجهود الوطني مستفيدة بما كان تحت يدها من مصادر وأموال تخص الممتلكات الموقوفة.
ما حدث في مصر بهذا الخصوص هو نموذج لما جرى في كثير من البلدان العربية والإسلامية في تلك الحقبة الاستعمارية، فبعد وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني زاد إقبال المصريين على تحويل ممتلكاتهم إلى أوقاف، وبلغ هذا الإقبال ذروته خلال الفترة الواقعة بين سنتي الاحتلال 1882 وثورة الشعب 1919. وكان من أبرز الوقفيات ذات الدلالة في هذا السياق تلك التي أنشأها كل من علي باشا شعراوي، وسعد باشا زغلول، وعبد العزيز باشا فهمي، وثلاثتهم قادة أعضاء الوفد المصري الذي تشكّل سنة 1918 للمطالبة بالحقوق الوطنية لمصر.
كان أولهم هو علي باشا شعراوي الذي بادر في سنة 1918 بوقف ممتلكاته من الأراضي الزراعية ومساحتها 7126 فداناً بمديريتي المنيا وأسيوط بصعيد مصر، واشترط أن يصرف ريع 1562 فداناً منها سنوياً في عدد من وجوه البر والخيرات والمنافع العامة مثل بناء المساجد والمعاهد الدينية، ومنها تمويل إنشاء معهد على غرار الأزهر الشريف في مدينة المنيا بوسط الصعيد، ورعاية الأيتام، ومساعدة الفقراء. وكان الثاني هو سعد باشا زغلول، الذي قام بوقف منزله المشهور ببيت الأمة، وجميع الأراضي الزراعية التي كان يملكها ومساحتها 40 فداناً وكسور من الفدان واقعة بمديرية الغربية بوسط الدلتا بزمان قرية مسجد وصيف، واشترط أيضاً أن يصرف من الريع مساعدات للأيتام والفقراء، وأن يؤول الريع كله من بعدهم إلى مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية لتصرفه في شؤون التعليم بمعرفتها. أمّا الثالث فهو عبد العزيز باشا فهمي، الذي وقف في سنة 1936 مساحة قدرها 36 فداناً بمديرية المنوفية، بالدلتا، واشترط أن يصرف من ريعها السنوي على بعض المساجد والعجزة والأرامل والأيتام من أبناء قريته والقرى المجاورة لها، وتقديم جائزة سنوية للمتفوقين من خريجي كلية الحقوق بجامعة فؤاد (القاهرة).
ولأوقاف أولئك الثلاثة دلالة مهمة تشير إلى الإدراك المصري العام لأهمية الوقف كأداة من أدوات الكفاح الوطني، وقد كان الثلاثة من قادة الحركة الوطنية المصرية وأبرز رموزها كما هو معروف، ولكنهم لم يكونوا وحدهم في ذلك الكفاح، وإنّما كانوا ضمن موجة شعبية واسعة عمّت قطاعات كبيرة من المصريين الذين بادروا للمشاركة في هذا الكفاح بتوظيف الوقف في مقاومة الاحتلال ومناهضة النفوذ الأجنبي. وأخذ كفاحهم ثلاثة أبعاد نوردها هنا بشكل مجمل وهي:
1. إخراج أكبر قدر ممكن من الموارد الاقتصادية الوطنية من نطاق المعاملات الخاضعة لأحكام القوانين الأجنبية، ووضعها في حرز الوقف الأمين الخاضع فقط لأحكام الشريعة الإسلامية وقضائها الشرعي.
2. حرمان الأجانب، والمتعاملين معهم من أبناء الوطن، من الاستفادة بأيّ شكل من الأشكال من تلك الموارد التي يتم وقفها، سواء كانت عقارات مبنية أو أراض زراعية.
3. توجيه أموال الأوقاف المتراكمة في خزائن ديوان الوقف لشراء الأراضي والممتلكات الأميرية الحكومية التي كان صندوق الدين (البريطاني الفرنسي) يعرضها للبيع في المزاد العلني وفاء للديون التي كانت مصر قد غرقت فيها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت الجاليات الأجنبية تهرع إلى شرائها والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي بأثمان زهيدة؛ فنهضت الأوقاف للحد من هذه السيطرة ودخلت طرفاً في عمليات الشراء والمحافظة على الموارد المصرية من أن تتسرب إلى الأيادي الأجنبية.
سنعرف في مقال آخر إن شاء الله مزيداً من تفاصيل ووقائع هذا الابتكار الذي اكتشفته شعوبنا الإسلامية ووظّفته في مقاومة النفوذ الأجنبي، وبعد أن نعرف يمكننا أن نقارن بين أحوال الأمس وأحوال اليوم، الأمس كان العمل الخيري والوقف عموده الفقري في قلب جهود التحرر من القوى الاستعمارية، وصون الكرامة الوطنية، فلما جاءت حكومة “الثورة ” في تموز 1952 بادرت بعد شهرين فقط من قيامها بحل الأوقاف الأهلية والسيطرة على الأوقاف الخيرية، إلى أن وصلنا ليوم يستخدمون فيه “التميول الأجنبي” لإذلال كرامتنا الوطنية والتغلغل في أحشاء مجتمعاتنا التي أنهكتها نظم الحكم الفاسدة والفاشلة والمستبدة منذ ستين عاماً. والأشد مضاضة من ذلك هو أن يقوم نفر من جلدتنا لتبرير قبول التمويل الأجنبي بدعوى وحجج لا مغزى لها سوى أنّهم يتربّحون منها على حساب الكرامة الوطنية.
المصدر: صحيفة السبيل الأردنية ـ 11/ 5/ 1433