مقالات

علماء وخبراء: نحتاج لـ«ثورة» لتحديد مفهوم الوقف الإسلامي

“وقفنا ـ الخميس 13 جمادى الآخرة 1428”
يطرح هذا السؤال كثيرا: هل حان الوقت لإصلاح الأوقاف الإسلامية وتوسيع الوعاء الوقفي مسايرة للمستجدات المعاصرة؟ خصوصا مع تزايد الدعوات إلى إسهام المال الخاص في التنمية والتعليم ومحاربة الفقر، والتي هي في صلب العمل الخيري وصولا الى تحقيق الأمن الاجتماعي بتسخير المؤسسات الوقفية لخدمة المجتمع المدني.

هذه الأسئلة تطرح بالنظر الى ما يراه بعض الخبراء والفقهاء ضيقا في مفهوم ومجالات الوقف لدى المسلمين الآن من خلال حصر مفهوم الأوقاف بالنواحي الدينية البحتة ممثلة ببناء المساجد وملحقاتها، على سبيل المثال. بعض الخبراء ينبه الى أن رقي وشمول مفهوم ووظيفة الوقف الإسلامي عبر الحضارة الاسلامية، بدآ منذ العهد النبوي ومرورا بجميع العهود والمماليك الاسلامية وصولا الى القرن التاسع عشر في نهايات الدولة العثمانية، والتي عدت فترة ذهبية للوقف في تطور فقهه ومؤسساته وتوسع ممتلكاته وتنوع كبير في خدماته.

لكن الصورة في هذا الوقت اختلفت، وحسب مراقبين للشرق الأوسط، اقتصرت وظيفة الوقف ـ في اغلب الأحوال ـ على اشتراط الموقفين إيقاف أموالهم، على مجالات متكررة، ومشبعة، مثل أن يوقف المال على «خرسانة» وطوب المساجد، أو تأمين برادات المياه أو طباعة المصاحف والكتب الدينية الوعظية، مع تجاهل كافة الاحتياجات المدنية الأخرى مثل البعثات العلمية في كافة التخصصات.

وحسب رصد «الشرق الأوسط» فقد وجدت مجالات وقفية غريبة، مثل اشتراط بعض الموقفين إيقاف ماله، فقط، لإطعام المارة البطيخ مخصصا صاحبه بذلك وقفا «للبطيخ»، ووقف آخر لـ«هش الحمام» في ساحات الحرم المكي.

استعادة الوقف لدوره التنموي والإنساني يطالب بعض الباحثين الفقهاء المسلمين بتنشيط وتجديد الوقف الإسلامي وذلك باستعادة دور الوقف التنموي والإنساني من خلال صيغ جديدة تسهم بتلبية احتياجات المجتمع المعاصر وتوسيع ساحات العمل الوقفي كما كان عليه الحال سابقا مثل: إيقاف للفنادق والخانات لإيواء الغرباء والنازلين و(البيمارستانات) ويعني بها المشافي و(التكايا) التي يوزع فيها الطعام مجانا على الفقراء، إضافة الى أوقاف خاصة لإصلاح الطرقات والجسور والقناطر.

وصلت مجالات الوقف في التاريخ الإسلامي إلى مؤسسات التكافل الاجتماعي مثل مؤسسات للقطاء واليتامى والمقعدين والعجزة وللمساجين وتغذيتهم، وأوقاف لتزويج الشباب وتقديم المهور، بل إن هناك مجالات متقدمة في الأوقاف سجلت في التاريخ الإسلامي مثل تخصيص أوقاف لإيواء وعلاج الحيوانات المريضة والقطط السائبة كما هو شأن «المرج الأخضر» في دمشق، والأوقاف التي خصصت لنزهة الفقراء والمساكين كالوقف الذي أقامه السلطان نور الدين الشهيد.
لماذا تدهور الوقف؟

المستشار الأسبق في وزارة الشؤون الاسلامية والأوقاف الدكتور عبد العزيز تركستاني عزا أسباب تدهور فاعلية الأوقاف الاسلامية في الفترة الحالية وعجزها عن أداء دورها في خدمة المجتمع المدني الى عجز العلماء والفقهاء عن تحويل مفهوم الأوقاف الى معنى عصري يتلاءم مع مستجدات الحياة الحديثة، مضيفا أن كافة القضايا العصرية في الشأن الإسلامي انعدمت في ظل الإحجام عن مواكبة التغيرات.

وأوضح تركستاني أن إشكالية ونمطية الأوقاف الشرعية توجد في كافة أقطار الدول الاسلامية بعد أن فشل العلماء في توسيع مفهوم (الصدقة الجارية) منوها أيضا إلى أن كتاب التاريخ الإسلامي لم يتوسعوا في تطبيقات الأوقاف على المجتمع المدني بحيث اقتصرت على بناء المساجد وتوفير المياه وطباعة المصاحف مع غياب دور إيواء الأيتام والمطلقات وذوي الاحتياجات الخاصة رغم اكتظاظ التاريخ الإسلامي بشواهد حقيقية للأوقاف الشرعية التي لعبت دورا مهما وبارزا في مجال الخدمات المدنية والاجتماعية كإيقاف المشافي ودور العلم وتقديم لمنح الدراسية كما قال التركستاني.

ودعا المستشار الأسبق لشؤون الأوقاف وزارة الشؤون الاسلامية الى ضرورة إنشاء ورش عمل تفصيلية مع مؤسسات المجتمع المدني وتوسيع دائرة العلاقة مع الفقهاء لتطوير مفهوم الأوقاف لتحقيق التلاؤم والانسجام مع مؤسسات المجتمع المدني، بالاضافة الى التأكيد على دور الجامعات والمراكز البحثية ذات العلاقة في زيادة البحث العلمي المنهجي التطبيقي لدور الأوقاف في خدمة المجتمع المعاصر.

وطالب التركستاني مؤسسات المجتمع المدني بإعادة التواصل مع المؤسسات الوقفية للحصول على الدعم وإنهاء القطيعة ما بين الجانبين، جهلا من الأولى بالدور المناط على الأوقاف لخدمتها.
تقصير رجال الدعوة والفقه

من جهته يؤكد الدكتور أحمد مغربي مؤسس موقع «وقفنا» الالكتروني والذي يعد أول موقع يختص بشأن الأوقاف الإسلامية والشرعية أن الوقفية وعلى مر التاريخ الإسلامي لم تقتصر على الناحية الدينية البحتة ممثلة ببناء المساجد وغيرها بل تعدت الى الوقف على الكتاتيب لتعليم الأطفال، فضلا عن أوقاف المقابر والأضرحة، مشيرا إلى أن الأوقاف كانت المصدر الوحيد غالبا لتمويل العملية التعليمية بكافة عناصرها.

وحمل المغربي التقصير وإضعاف الأوقاف الشرعية على الدعاة والخطباء قائلا «لقد طال الصمت والسكوت عن تناول قضية الأوقاف، فلم نسمع باي خطب تتحدث عن أهمية رعاية الأوقاف وتنميتها وتطويرها» مضيفا أن قضية الأوقاف «لم تلفت نظر الدعاة رغم حث الشريعة الاسلامية عليها».

وطالب وزارة الشؤون الاسلامية توجيه الخطباء والأئمة لإحياء «السنة العظيمة» والتي تعد المجتمعات الاسلامية بأمس الحاجة إليها لنواح اقتصادية واجتماعية عدة «إذ لا بد من التسويق لمفهوم الوقف الشرعي ودوره في خدمة المجتمع المدني».
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، أم القضاة؟

استعادة دور الوقف الشرعي لمهامه التي لعبها كمؤسسة خدماتية مقننة في البعدين الإنساني والاجتماعي، بعد توجه الواقفين واستقرار الذهنية على الجانب الديني، لا تعد المسؤولة عنه في الدرجة الأولى ـ بحسب المهندس صالح الأحيدب المستشار في وزارة الشؤون الإسلامية السعودية ـ وزارته، ويعزو الأحيدب التقصير إلى القضاة والمحاكم الشرعية في تثقيف وترشيد الواقفين للبرامج الوقفية بحسب حاجات المجتمع وفقا لمراكز النقص والإشباع كالنواحي التعليمية والصحية والثقافية بدون حصرها في الجوانب الدينية قبيل تدوين وتسجيل الصكوك، مشيرا إلى أن الكثير من الأوقاف لا تقوم عليها الوزارة فيما عدا ما يوصي أصحابها ـ بالنص ـ على إشراف الوزارة على أوقافه، والتي اعتبرها حالات قليلة.

وأضاف الأحيدب أن الثقافة التي ترسخت في أذهان «العامة» هي السبب في إضعاف دور الأوقاف الشرعية بعد أن أوكلت توفير الخدمات الصحية والتعليمية والإنسانية إلى الحكومات متجاهلة دور الأفراد في تحقيق التوازن الاجتماعي المدلل على حركة المجتمع، ونقد الأحيدب اعتبار ذلك «مسؤولية الدولة فقط».
.. والمحاكم الشرعية؟

من جهته انتقد القاضي أحمد العميرة رئيس محكمة رجال المع اشتراط بعض الواقفين ضمن حالات تأتي للمحكمة، إيقاف الأراضي التي يصر أصحابها على إيقافها لذوي القربى بحيث أصبح، كما يقول القاضي العميرة، من الندرة أن تكون وقفا لجمعية أو أي عمل خيري رغم إرشادات القضاة على أهمية توجيه الأوقاف للخدمات الاجتماعية والإنسانية والصحية في سبيل تعزيز المجتمع المدني.

وأوضح أن مفهوم العامة السائد والمتعلق بالأوقاف الشرعية إنما أصبح مقتصرا على الذرية والأهل، قائلا «كثيرا ما نوجه الأفراد إلى إيقاف أراضيهم بما يخدم الصالح العام إلا أن النهاية تكون الخروج دون عودة».

وأفاد أنه وبالرغم من الأجر الكبير في بناء المساجد إلا أن الحاجة تبقى كبيرة في تخصيص أوقاف في مجالات البحوث العلمية الإنسانية والتقنية، كما هو حاصل في المجتمعات الغربية بإيقاف المراكز البحثية والعلمية وتخصيص منح دراسية وقفية.

وحول تراجع مفهوم الأوقاف في خدمة المجتمع المدني، عزا القاضي العميرة ذلك الى اختلاف تفكير المجتمعات في مختلف الأزمنة، فبعد أن كانت الأوقاف في الجزيرة على أضحية وإفطار صائم ونفقة حجة… تحولت الى منافذ أخرى تختلف بحسب المناطق فرغم كثرة بناء ووقف المساجد في المنطقة الوسطى وغيرها أفاد القاضي العميرة بتميز المنطقة الجنوبية في إيقاف أراض لدفن الموتى بعد أن كانت المقابر شحيحة لوعورة المنطقة في السنوات الماضية ليبلغ الأمر أقصاه بان توجد ثلاثون مقبرة في قرية صغيرة.
من تاريخ الوقف

لا يقتصر ظهور باب الأوقاف كمصدر ثابت للتمويل الاقتصادي والدعم الاجتماعي في بداية نشوء الدولة الاسلامية وإنما بدأ قبل ذلك حيث كان البيت الحرام والمسجد الأقصى قائمين وكذلك المعابد والكنائس والبيع والأديرة ولم تكن مملوكة لأحد إلا أن الوقف الإسلامي لم يقتصر على الجانب الديني وما يتعلق بالعبادات وحسب بل تجاوز ذلك الى كافة المؤسسات المدنية.

فمن أوائل الوقفيات في صدر الإسلام وقف أبي طلحة ارضا له في «بيرحاء» ووقف الصحابي عمر بن الخطاب لأرضه في خيبر، وازدهر الوقف في العصر الأموي بعد أن اتسعت وكثرت وبالأخص في مصر والشام وفي العصر العباسي الأول أوقفت الوقوف من الأراضي للحرمين الشريفين وللمجاهدين ولليتامى ولفك الرقاب الى بناء المساجد والحصون والمنافع العامة كإصلاح الطرقات.

وازدادت الأوقاف بصورة ملحوظة زمن الزنكيين والأيوبيين بالأخص في النشاط العلمي المتمثل بإنشاء المدارس والمستشفيات معتمدا الوقف على «الإرصاد» وأصبح للوقف ثلاثة دواوين: ديوان لأحباس المساجد وديوان لأحباس الحرمين الشريفين وجهات البر المختلفة وديوان للأوقاف الأهلية، ونشأت على مدار التاريخ الإسلامي مؤسسات خيرية لمساعدة اليتامى واللقطاء والمقعدين والعاجزين بكل ما يحتاجون، كما حظيت الأوقاف أثناء حكم الدولة العثمانية بالمقام اللائق.

قال ابن خلدون: «ما من فقير يذهب الى بلدة من البلاد هو غريب فيها وهي غريبة عنه، إلا وتنادي بيوتاتها التي أوقفت لهذا الأمر أن اقبل إلي  فمرحبا بك».

[المصدر: جريدة الشّرق الأوسط اللندنيّة] [ وقفنا ـ وقد علّق السّيّد عبد الله الورياغلي، من المملكة العربية السعودية على الموضوع في موقع جريدة الشّرق الأوسط. ويسرّ موقع “وقفنا” إعادة نشر التّعليق بنصّه في الموقع المذكور؛ إسهاما في إيصال وجهة نظر المتصفّح الكريم إلى أكبر عدد من المتصفّحين بصدق وأمانة.]التعليقات

عبد الله الورياغلي، «المملكة العربية السعودية»، 28/06/2007

مقال جيد في الجملة، لكن فيه شيء من قلب الحقائق، عندما يصرح مديرو المؤسسات الوقفية أمثال التركستاني والمغربي بأن السبب في تراجع دور الوقف الإسلامي عما كان عليه سابقاً هو قلة الوعي بمفهوم هذه الشعيرة، ثم يلقون باللائمة في ذلك على الفقهاء والخطباء الذين قصروا في توعية الناس وحثهم على إحياء هذه السنة..

أقول إن هذه الاستنتاجات خبط في عماية، وقلب للحقيقة، هل يجهل هؤلاء أن أوقاف المسلمين كلها أضحت نهبة في يد الوزارات المكلفة بشؤون الأوقاف؟ أين هي الأراضي والعقارات والآبار والمزارع التي أوقفها المسلمون؟ في المدينة المنورة مثلاً يوجد بها أوقاف كثيرة أكبرها ما يسمى بأوقاف المغاربة، تدر الملايين لكن من يأخذها ؟ مجموعة من الموظفين وأرباب التجارات والمهن، فأين حق الأرامل وطلبة العلم وأبناء السبيل؟ أين من يأخذ الحق على أيدي هؤلاء النظار المغتصبون؟ كيف لي وأنا رجل أعمال أن أوقف مالي على هؤلاء المجرمين اللهم لا شماتة.

المشكلة ليست في الوزارات بقدر ما هي في النظار، وليست في الفقهاء بقدر ما هي في القضاة. وعندما يكون الصدق والأمانة يكون الخير والبر .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى