بحوث ودراسات

الوقف و دعم الوسائل الإعلامية

 

“وقفنا ـ الأربعاء 17 شعبان 1426”
مراجعة لبحث الدكتور محمد بن عبدالله الخرعان عضو هيئة التدريس في قسم الإعلام بكلية الدعوة والإعلام بالرياض. والبحث من أبحاث ندوة الوقف ودوره في الدعوة والتنمية الذي عقد في مكة المكرمة سنة 1420

قدم عدد من الباحثين دراسات حول استثمار موارد الوقف في مجالات دعوية وإعلامية؛  لعل من أبرزها الدراسة التي قدمها الدكتور محمد بن عبدالله الخرعان عضو هيئة التدريس في قسم الإعلام بكلية الدعوة والإعلام بالرياض حول دور الوقف في دعم وسائل الإعلام الإسلامي وتمويلها، ولا سيما كما يقول الباحث بعد أن بلغ الصراع الإعلامي في الأرض شدته بصورة لم يسبق لها مثيل في علم البشر، حيث تلاشت الحواجز السياسية والجغرافية، وفقدت المجتمعات خصوصياتها وحصاناتها التي كانت تتمتع بها في ظل العزلة أو أساليب الحجر والتعتيم والتشويش الإعلامية، وذلك بسبب البث الإعلامي المباشر، وشبكات المعلومات السريعة، والتدفق الهائل للمعرفة دون قيود أو حواجز.

ونظراً لأهمية تضافر الجهود للقيام بواجب الدعوة إلى الله ونشر دينه إقامة للحجة، وإعذاراً إلى الله، ولما اشتملت عليه هذه الشريعة المباركة من كمال تمثل في تشريع مبدأ الوقف الذي هو ميزة من ميزات هذه الشريعة وخصيصة من خصائص أهل الإسلام، كما ذكر ذلك الإمام الشافعي: “ولا نعرف أن ذلك وقع في الجاهلية”. ولأن الإعلام بوسائله ـ بما يتيحه من فرص اتصاليه، وإمكانات في البيان والبلاغ والتأثيرـ ينبغي أن يحظى بأهمية بالغة في حياة الأمة، ودعم سخي يمكن من استثمار إمكاناته على الوجه المطلوب، فقد جاء هذا البحث ليبرز واقع وسائل الإعلام في حياة المسلمين وأهميتها وأثرها عليهم، والحيف الواقع على المسلمين ودينهم من جراء سوء توظيف هذه الوسائل أو التقصير فيها، وليقف على واقع المؤسسات الخيرية من خلال مشاريعها الوقفية في دعم وسائل الإعلام وتمويلها.

بعد ذلك التعرف على السبل والأساليب الممكنة واللازمة لتوثيق الصلة ما بين الوقف ووسائل الإعلام، والإفادة منها في دعمها وتمويلها ورعاية مشاريعها.

أشار الباحث إلى الدراسات السابقة حدد مشكلة بحثه بأنها تتلخص في التعرف النظري على مدى إمكانية توظيف الوقف لتمويل ودعم وسائل الإعلام، والتعرف على نصيب وسائل الإعلام في نشاطات ومشاريع المؤسسات الخيرية والوقفية، والعقبات التي تحول دون تحقيق أفضل ما يمكن في هذا المجال، وصولاً إلى رسم سبل تفعيل دور الوقف وتلك المؤسسات في العمل الإعلامي، تحقيقاً لأهداف الأمة ورعاية لقضاياها وسداً لحاجتها في هذا المجال المهم.

وقد عمل الباحث على الإجابة على مجموعة من التساؤلات مستخدماً منهج المسح من خلال المقابلة والاستبانة، إذ قام بتوزيعها على عينة من الخبراء تشمل العلماء والمشايخ وطلبة العلم، والإعلاميين من القائمين على بعض وسائل الإعلام الإسلامي وأساتذة الإعلام، بالإضافة إلى عدد من المسؤولين في الشؤون الإسلامية والأوقاف وفي المؤسسات الخيرية، إضافة إلى مسح نشاطات المؤسسات الخيرية لمعرفة حجم الاهتمام الذي أولته لوسائل الإعلام لتقويم جهودها في هذا المجال والتعرف على واقعها.

وبعد أن تحدث الباحث حول الخطة البحثية التي انتهجها، أشار إلى مشروعية الوقف وشروطه ومجالاته وأن العمل به ذائع عند المسلمين… حتى أصبح جزءاً مهماً في تكوين المجتمعات الإسلامية على مر العصور.

وحيث إن العالم يشهد اليوم ثورة في الاتصال مما أسهم في إلغاء أو تقليص دور المؤسسات والمنشآت الإعلامية الصغيرة، وأحل محلها المؤسسات الكبيرة ذات القدرات المالية والإدارية الضخمة، وفي ضوء واقع الأمة الإسلامية المتسم بكثير من صور الحاجة إلى استثمار إمكانات وسائل الإعلام فيما يخدم تطلعاتها المعرفية والوجدانية والسلوكية بما يعود عليها بمردودات إيجابية في تحقيق التجانس العقدي والفكري بين أفرادها ومجتمعاتها على أسس شرعية صحيحة، ويسهم في تقريب الأمل في تحقيق وتغيير واقعها الموسوم بالتشتت والضعف والجهل بدين الله إلى واقع يسوده الالتزام بالدين، وينتشر فيه العلم بالشرع، وتحكمه معايير الحق والخير. وفي خصائص وسائل الإعلام ما يمكن من مخاطبة الأمي والمتعلم باللغة التي يفهمها وبالأسلوب الذي يناسبه• وكما يقول الباحث فقد ألغى الواقع الاتصالي المفتوح الذي نعيشه اليوم أو كاد خصوصية الخطاب، ومحلية الأسلوب، وإقليمية الاهتمام، وفتح الباب أمام عالمية لا نملك لها حدوداً، يتنافس في فضائها الرحب المتنافسون ممن يملكون ناصية إمكانات تلك الوسائل، ويجيدون التعامل معها وفق خصائصها وأساليبها، وأمة مثل أمة الإسلام هي أولى من كل أمة بتملك الزمام وقيادة الركب وخوض الميدان بكل اقتدار.

ثم يؤكد الباحث أن ما تتيحه وسائل الاتصال الحديثة من إمكانات تجعل الحجة قائمة على كل قادر في مجال الإعلام سواء من باب جهاد الطلب، أو جهاد الدفع ضد التدفق الإعلامي الذي يتعرض له المسلمون من خلال وسائل الاتصال المتعددة، ولذا فقد عرض الباحث لواقع وسائل الإعلام الإسلامي من حيث حجمها ووظائفها، وأنها تواجه مشكلات جعلتها قاصرة عن الوفاء بوظائفها على الوجه المطلوب، الأمر الذي يستدعي جهوداً كبيرة لتملك ناصية الإعلام وتوجيهه على منهج سلف الأمة والإنفاق عليه بسخاء، واستثمار مجالات الدعم التي يتيحها الشرع.

ثم يتحدث عن مشكلات وسائل الإعلام الإسلامي، ويذكر أن من أبرزها:

محدودية عدد هذه الوسائل، واقتصارها على الوسائل الصحفية، وضعف توظيف الوسائل الأخرى (الإذاعة والتلفزيون) واعتمادها على مصادر الأخبار والمعلومات الأجنبية في أكثر أحوالها، ثم نظم ملكية وسائل الإعلام والمشكلات المتعلقة بندرة الطاقات البشرية المبدعة في المجال الإعلامي والمشكلات المتعلقة بالتمويل.

بعد ذلك تحدث عن تأثيرها وأن ضعف إمكانات وسائل الإعلام الإسلامي ومحدوديتها تجعلها لا تستطيع تحقيق التأثير المطلوب، والفاعلية المنشودة التي تضمن لها الهيمنة الإعلامية التي تحمي بها مجتمعات المسلمين وأفرادهم من طغيان التدفق الإعلامي وبالتالي فإن تكثيف وسائل الإعلام الإسلامي، وتنويعها ودعمها بكل سبيل ليس نوعاً من العبث ولا الإسراف ولا التبذير.

ثم يتحدث عن واقع العلاقة بين الوقف ووسائل الإعلام الإسلامي في الوقت الحاضر وسبل تفعيلها وتوثيقها مبرزاً أولاً دور مؤسسات رعاية الأوقاف والمؤسسات الخيرية في دعم وسائل الإعلام الإسلامي وتمويلها وحجم عنايتها بوسائل الإعلام، حيث كشفت الدراسة أن حجم العناية بوسائل الإعلام من قبل تلك المؤسسات لم يكن بالمستوى الذي يتناسب وأهميتها وفاعليتها، فقد حظيت بهامش صغير من الاهتمام لم يتجاوز إصدار صحيفة أو مجلة، أو تقديم برنامج أو المشاركة في لقاء إذاعي أو تلفزيوني.

ثم يشير إلى بعض النماذج التي تستحق العناية والتطوير مثل موقع وزارة الشؤون الإسلامية على الإنترنت، وموقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، وبعض المجلات والصحف التي تصدر عن بعض المؤسسات والجمعيات في دول الخليج، بالإضافة إلى الإذاعة الإسلامية في إندونيسيا، وكذلك تجربة إذاعة صوت الإسلام من بيروت.

بعد ذلك يتساءل الباحث ألا يستحق توظيف وسائل الاتصال الحديثة في خدمة الدعوة إلى الله ولا سيما الوسائل المسموعة والمرئية من الأهمية ما تستحقه المجالات الأخرى؟ وهل ضعف العناية بالإيقاف على وسائل الإعلام راجع إلى المحسنين والمتبرعين والموقفين، أم إلى المؤسسات والهيئات الخيرية؟

ثم يحاول الإجابة على هذه التساؤلات من خلال آراء آخرين ليمثلوا عينة الخبراء من ذوي الاختصاص للتعرف على سبل النهوض بوسائل الإعلام الإسلامي من خلال مشاريع الوقف ومؤسساته ويشمل ذلك طبيعة استفادة وسائل الإعلام من الوقف، وضوابط ومعوقات هذه الاستفادة، ووسائل توثيقها ودعمها.

إنني أدعو كثيراً من طلاب العلم والخطباء إلى لفت نظر الناس تجاه جوانب عديدة تتعلق بالوقف وما ينبغي أن يصرفوا فيه أوقافهم منعاً للتكرار وكسباً لمزيد من المشروعات الخيرية التي تعود على الأمة بالخير والفائدة وضماناً لاستمرار عطاء وتوهج هذه المشروعات الموقوفة، وحرصاً على تحقيق قدر واسع من الفهم والفقه لأولويات مجتمعاتنا المسلمة التعليمية والدعوية والاجتماعية والاقتصادية …وللجميع تحاياي.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى