مقالات

الوقف.. ثقافة يجب إحياؤها لدعم التنمية المستدامة

الوقف . . ثقافة يجب إحياؤها لدعم التنمية المستدامةطيب عبدالرحمن الريس:

لو نقبّت في صفحات تاريخ الأمة الإسلامية، لوجدت أن الأوقاف كانت تدار من قبل أفراد المجتمع لخدمة المجتمع، ولكن كان ذلك قبل مئات السنين. وفي ذلك الوقت، كانت الإمبراطورية الإسلامية واحدة من أغنى الإمبراطوريات في الوجود، ولم تكن الدولة هي المسؤولة عن تلبية احتياجات أفراد المجتمع كافة. فقد طبق المجتمع نظام المساءلة الذاتية إلى حد كبير من خلال انتشار الثقافة الوقفية، ولم يقتصر ذلك على جانب واحد من حاجات المجتمع دينية كانت أم اقتصادية، بل أسهمت الأوقاف في تلبية مجموعة متنوعة من احتياجات المجتمع، من خلال توفير المساجد والمدارس والمستشفيات ودور الأيتام وسواها من المشاريع الحضارية.

اليوم وللأسف، يقتصر دور الأوقاف على تشييد المساجد فحسب. فقد انحصر مفهوم الوقف بشكل أو بآخر في صورة المسجد، فمع استحواذ الحكومات على إدارة الأوقاف وتبعيتها المطلقة للأنظمة والرقابة الخاصة بها، ومع تزايد أعداد الشعوب وحاجتها للمرافق الأساسية، مثل المدارس والمستشفيات ودور الأيتام، فقد أدت الاحتياجات للخدمات الأساسية وما يترتب عليها من مصاريف باهظة، إلى تشكيل عبء كبير على خزائن الدول، بل تفاقمت المسائل في بعض البلدان، وأدى ذلك إلى عجز في الأصول الاجتماعية ما ساهم بدوره في ظهور جيل يفتقر إلى ما يكفي من خدمات الرعاية الصحية والتعليم.

من المحبط أن الكثير من المسلمين اليوم، يعتبرون بناء المساجد الخطة الأكيدة والوحيدة لدخول الجنة، ومما لا شك فيه أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد تطرقت إلى الجزاء العظيم الذي يناله من يسهم في بناء المساجد، فقد قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “منْ بنى مسْجد لله كمفحص قطاةٍ أو أصغر بنى اللهُ لهُ بيْتاً في الْجنة”. ولكن، علينا هنا أن ندرك أن معنى الحديث الشريف لا يقتصر على بناء الصروح فحسب بل على الرغبة في نشر عقيدة الإيمان بالله. وبالإضافة إلى ذلك، هناك طرق أخرى لنيل رضى الله سبحانه وتعالى وترك شيء في الدنيا ينتفع به المرء بعد وفاته، كصدقة جارية تلازمه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إن المجتمع يحتاج إلى الأوقاف لدعم مبادرات تتجاوز حدود بناء المساجد، واليوم، هناك حاجة ملحّة للاستفادة من الأوقاف في توفير حياة كريمة لكل فرد من أفراد المجتمع، عبر إنشاء دور لرعاية الأيتام ومدارس ومرافق طبية، ولقد حان الوقت لكي تفهم الأمة مسؤوليتها، وتوحد جهودها لمعالجة هذه الثغرة في فهم البعض لدور الأوقاف وأهميتها في حياة الناس، ويتعين على كل فرد منا باعتباره مسلماً مؤمناً أن يدرك أن الله تعالى، جعل لنا الأرض كلها مسجداً، فإذا كنا نسير في طريق ما، وحان وقت الصلاة، يمكننا الوقوف إلى جانب الطريق وتأدية الصلاة تحت أي شجرة، أو حتى من دون وجود شجرة.

ولكن فلنسأل أنفسنا، إذا صادفنا شخص ما على الطريق، وكان مريضاً ويحتاج إلى مساعدة، هل يمكننا أخذه وعلاجه تحت الشجرة؟ بالتأكيد سنكون بحاجة إلى مستشفى لتأدية هذه المهمة، وإذا جمعتنا الحياة بأطفال يحتاجون إلى التعليم، هل يمكننا تعليمهم تحت الشجرة؟ لسنا جميعاً معلمين مؤهلين، ولا يمكننا توفير الوسائل التعليمية المناسبة للعصر الحديث تحت الأشجار، وينطبق الأمر ذاته على الأشخاص الذين يحتاجون إلى المأوى.

وماذا عن الأيتام؟ فمنذ وجود البشرية وهناك أيتام وأطفال مهجورون لم يجدوا من يعتني بهم ويلبي احتياجاتهم، ومن هنا جاءت الحاجة إلى بناء دور أيتام لتقديم الدعم لهذه الشريحة من أفراد المجتمع، ولن يخلو العالم من أطفال يكبرون دون آباء يرعونهم، وهذا الأمر سيستمر إلى يوم القيامة، لذلك لا تمثل دُور الأيتام حلاً يمكن استعماله مرة واحدة، بل هناك حاجة دائمة إليها، وهنا، أود كذلك أن أذكر بأن النبي محمد “عليه الصلاة والسلام”، قد وعد كافل اليتيم بأن يكون معه في أعلى درجات الجنة.

وتالياً، فنحن بحاجة كذلك إلى دور رعاية المسنين، حيث يأتي الوافدون إلى دولة الإمارات من مناطق مختلفة من العالم، وبالنسبة للكثيرين تمثل هذه الدولة الوطن الوحيد، الذي يعرفونه، ويعتبر تعيين مساعد منزلي أمراً مكلفاً للغاية هنا، وفي هذه الحالة، ما الذي يمكن للمرء القيام به حيال والديه اللذين يحتاجان إلى رعاية مستمرة؟ تخيل وجود ملاذ آمن في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يمكنك ترك والديك في أيد أمينة ثم أخذهم إلى منزلك في الوقت الذي يناسبك، كل يوم أو كل أسبوع، ويمكن تقديم مثل هذه الخدمات للجميع، سواء من لديهم القدرة على تحمل التكاليف، أوالذين لا يطيقون ذلك، حيث يعود ريع ما نجمعه من أموال لمصلحة المؤسسة، لكي تتمكن من تغطية تكاليف تشغيل دور رعاية المسنين.

وعلى جهة أخرى، يمكن إنشاء مرافق تعليمية، إذ يمكننا من خلال ذلك ضمان مستقبل آمن لأنفسنا، لأن الأطفال هم مستقبلنا ويشكل تعليمهم أقوى أنواع التمكين، وثمة الكثير للقيام به والكثير لتغييره، نحن لا نقول هنا إننا لسنا بحاجة إلى المساجد، بل نحن بحاجة إلى غذاء الروح كحاجتنا لغذاء الجسد، ولكن في الأماكن الصحيحة وبالأحجام المناسبة، ومن المهم أن تكون الأوقاف هي من يتولى صيانة هذه المساجد، وإلا سيصبح المسجد عبئاً على الحكومة، في حين ينبغي أن يكون الأمر عكس ذلك، من هنا يتعين على منظمات مثل مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر، ودائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، وبلدية دبي، أن تعمل معاً، وتشكل فريقاً واحداً يتولى تنظيم بناء المساجد في الإمارة عند الحاجة إليها.

لقد قمنا بخطوات إيجابية في اتجاه تخفيف العبء عن كاهل الحكومة، وتمكين المؤسسة من الريادة الذاتية، في اتجاه تحقيق أرباح تدر أرباحاً أخرى، وتسخر لخدمة المجتمع، وفي هذا الاتجاه أطلقنا مبادرات مثل “نور أوقاف”، وهي المرة الأولى في تاريخ الأوقاف على المستوى العالمي، التي تقوم فيها مؤسسة أوقاف بعقد شراكة مع إحدى المصارف الإسلامية، لتأسيس كيان مستقل لتوليد الأموال من أصول الأوقاف، واليوم، وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن لمؤسستنا من خلال عمليات “نور أوقاف” أن تساعد في الاستفادة من مخلفات الأضاحي، بما في ذلك الجلود والعظام والأمعاء لتوليد عائدات إضافية، يمكن تسخيرها لخدمة الأوقاف، وتقديم المنافع الاجتماعية في نهاية المطاف.

نحن نسعى لنشر هذه الرؤية في جميع أنحاء العالم؛ إذ لا تقتصر رؤيتنا على دبي أو دولة الإمارات العربية المتحدة فحسب، بل تمثل طموحاً عالمياً، من هنا سيتم تخصيص جزء من أرباح برنامج لحوم الأضاحي لدينا، لتطوير المجتمعات المشاركة. وعليه، فالمجال مفتوح على مصراعيه أمام الأوقاف، للانطلاق نحو آفاق جديدة في مهامها ومسؤولياتها الملقاة على عاتقها، لقد خطونا الخطوة الأولى، وكل ما نحتاجه الآن، هو حشد دعم الأمة الإسلامية في العالم لمساعدتنا على تحقيق أهدافنا.

المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية – 15/ 12/ 1435 =9 / 10/ 2014

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى