الوقف رافد مهم لنشر القرآن نحو الآفاق الأممية
“وقفنا ـ الخميس 10 جمادى الآخرة 1427”
تطورت مظاهر الاهتمام بالقرآن الكريم مع تطور الحياة في المجتمع الإسلامي، فبدأت تستقل بدورها، وأصبح للوقف الإسلامي أثر كبير في نشاطها، والقيام بما ينبغي
لاستمرار أداء رسالتها، وإغناء القائمين عليها بما يكفل لهم حياة معيشية رخية، وتطوير مرافقها، وتشجيع الطلاب المنتسبين إليها.
وقد أسهم في تأسيس هذه المدارس، ورصد الأوقاف عليها طبقات المجتمع كافة من الملوك، والسلاطين، والأمراء، والأثرياء، ومتوسطي الحال على مدى التاريخ الإسلامي حتى وقتنا الحاضر، فكان من ثمار هذا الاهتمام والإسهام إنشاء مدارس لتدريس العلوم الإسلامية، وفي مقدمتها القرآن وعلومه، وأنشئت دور ومدارس للقرآن بخصوصه. وكانت المؤسسات الوقفية على حد قول بعض المهتمين بنشر وتعليم القرآن الكريم تمثل رافداً أساسياً في دعم ونشر وتحفيظ القرآن الكريم وعلومه، ليس فقط على المستوى المحلي بل حتى على المستوى الأممي.
إذاً يمكننا القول هنا وبالاستدلال التاريخي إن الوقف لعب دوراً أممياً في تثبيت ونشر وتعليم القرآن الكريم .
التنوع في الوقف القرآني
الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان – عضو هيئة كبار العلماء في السعودية – يفند مقاصد الواقفين على القرآن الكريم في التاريخ الإسلامي، فالوقف لم يكن مختصاً فقط في التعليم بل أخذ أبعاداً متعددة ومتنوعة فيقول في ذلك :” أدرك المسلمون في وقت مبكر من تاريخهم أهمية الأوقاف لاستمرار أعمال البر وديمومتها، خصوصاً في المرافق التعليمية والدينية كالمدارس، والمساجد والاجتماعية كالملاجئ والمستشفيات.هذه الأوقاف على تلك المرافق تكفل لها الاستمرار تبعاً لرغبات الواقفين ومقاصدهم المشروعة، الدكتور عبد الوهاب أبو سليمانويستشهد أبو سليمان بقول الأستاذ محمد بن عبد العزيز بن عبد الله في دراسته القيمة عن (الوقف في الفكر الإسلامي) بأنه أهم مورد مالي رصد لحياة المسجد ليستمر بكل ما يتعلق بالشؤون الإسلامية، ودور تحفيظ القرآن الكريم،فهذه كمؤسسة (الوقف) كانت وما تزال أهم مورد لشؤون الدين، وللتعليم الإسلامي على الإطلاق، وأكثرها دخلاً وإدراراً، وإليها يرجع الفضل في بقائه واستمراره أحقاباً وقروناً، وفي انتظام الحياة العلمية والدراسية في جامعات الإسلام وكلياته ومؤسساته” مضيفاً :”يثبت الاستقراء التاريخي أن مقاصد الواقفين على خدمة القرآن الكريم متنوعة ومتعددة، لا تخلو أن تكون واحداً من المقاصد التالية:
أولاً: الوقف على المدارس القرآنية.
ثانياً: الوقف على القراء.
ثالثاً: الوقف على مدارس تضم إلى تعليم القرآن تدريس الحديث النبوي الشريف أو المذاهب الفقهية، أو بعض العلوم الأخرى.
رابعاً: خدمة القرآن تلاوة، وتأسيس مرافق اجتماعية.
خامساً: الوقف على قراءة القرآن لهبة الثواب للآخرين أحياء، أو أمواتاً. (قراءة الربعات بالمسجد الحرام)، الوقف على قراءة القرآن على المقابر والحكم الشرعي في هذا. معظم ما كان شائعاً من الأوقاف في خدمة القرآن الكريم في جميع أقطار البلاد الإسلامية”
جمعيات القرآن والوقف
في العصر الحديث قامت المملكة العربية السعودية بدور مهم في الاهتمام بالقرآن الكريم من حيث مجال حفظه و تعليمه فتأسست جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في مشرق البلاد ومغربها ولم تعد محافظة إلا وتحتضن من حولها جمعية لتحفيظ القرآن الكريم ، وكانت تعتمد في نفقاتها على المشاريع الوقفية بدرجة أساسية إلى جانب التبرعات.
ويؤكد رئيس جمعية تحفيظ القرآن الكريم بجدة المهندس عبد العزيز حنفي – في الموقع الرسمي للجمعية- أن الوقف القرآني جانب مهم في دعم واستمرارية القرآن الكريم فيقول :” نحن في الجمعية اعتمدنا على الوقف القرآني وهو مشروع يتضمن مباني ومنشآت يتم وقفها من أصحابها أو أبنائها عن طريق الجمعية ليصرف ريعها في أنشطة الجمعية. وللوقف أهميةً قصوى فهو يشكل رافداً من الدخل الثابت الذي يساعد الجمعية على تنفيذ خططها وبرامجها بخطى ثابتة” المهندس عبد العزيز حنفي مضيفاً :” وتعتزم الجمعية إنشاء وقف في كل حي تحيطه الجمعية بحلقاتها ليدر دخلاً ثابتاً لها لتغطية مصاريفها المتزايدة سنوياً مع زيادة أعداد الطلاب ويعتبر رافداً استثمارياً لبرامج الجمعية المتنوعة في ذلك الحي”. ويعد الوقف في مفهوم الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم هدفاً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار المالي” ويضيف حنفي :” الجمعية تحتضن قرابة 33 ألف طالب وطالبة تنفذ برامج لهم من خلال ريع أوقاف الجمعية”.
جهود المملكة القرآنية
يشرح الكتاب الوثائقي (جهود المملكة العربية السعودية في الاعتناء بالقرآن الكريم) هذا التطور في الكم و الكيف هو الصورة السائدة التي يحظى بها القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية التي انبثقت فكرتها من مكة المكرمة عام 1382هـ فيذكر الكتاب”إن فكرة إنشاء الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة كانت في شهر شعبان سنة 1382هـ عندما وصل من باكستان فضيلة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني رحمه الله، حيث طرح هذه الفكرة على أعيان مكة المكرمة وعلمائها فلقيت منهم ارتياحاً واستحساناً ثم رفعوا هذه الفكرة إلى المسؤولين في هذه البلاد المباركة، فشجعوا العمل النبيل، والمشروع الحسن، وكان على رأسهم معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير المعارف آنذاك رحمه الله، ومعالي الشيخ محمد سرور الصبان، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي آنذاك رحمه الله، ومعالي الشيخ محمد سيتي الذي كان يتحمل ثلث رواتب المدرسين بالجمعية. وكان من أعضائها وممن تولى رئاستها بعد وفاة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني رحمه الله عدد من علماء مكة المكرمة الذين بذلوا جهوداً طيبة في العناية بالقرآن الكريم”، وللجمعية عدة فروع: فرع محافظة جدة، فرع محافظة الطائف، فرع وادي ليه، فرع محافظة رنية، فرع محافظة تربة. تتابعت بعد هذا جمعيات تحفيظ القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية متبعة في هذا المنهج السوي الذي خطته لنفسها الجمعية الأولى الرائدة جمعية تحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة، وهي في المناطق التي سميت بها كالتالي: أولاً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة المدينة المنورة، ، ثانياً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة الرياض، الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة القصيم.
[المصدر: جريدة المدينة المنوّرة]