[مشكلة حرمان بعض الفئات من سكنى الأربطة في جدّة]
نشرت جريدة الشّرق الأوسط استطلاعا عن هذه المشكلة تحت عنوان ” الأربطة.. حلم إنساني لا يتعدى أربعة جدران تقف أمامه الشروط والأنظمة ساكناتها يعشن صراعا يوميا مع الألم “؛ جاء فيه:
تتقاطع خطوط العمر التي رسمتها ريشة الخوف من المجهول لزمن قادم تحاول أن تتعايش معه الخالة رضا ذات العينين الزرقاوين، مع الممر الطويل والضيق الذي يستقبلك بعد تخطيك لعتبة الباب الحديدي للرباط القائم على مرتفع صخري في حي البلد بجدة، والتي بالكاد تجر قدميها نحو باب الغرفة التي تقطنها، وبين آلام الروماتيزم التي حفرت في قدمها والدموع التي تحاول منعها من التساقط، قصة زمن حرمها من نعمة ولد يحمل سنينها العتيقة، وزوج أخذته الأقدار بعيدا عنها، فيما يظل الأخ وأبناؤه النافذة الوحيدة لها على ما يجري خارج الرباط.
عامل السن والوحدة كانا بمثابة الشفعة للخالة رضا لتمسي واحدة من ساكني الرباط الذي تم تخصيصه لمن ليس لهن عائل، وبحسب إسماعيل فلمبان، المسؤول بإدارة الأوقاف والمساجد في جدة «حق السكنى في هذه الأربطة «للولايا» بشكل عام، وخاصة اللواتي ليس لديهن عائل أو المقطوعات». هذا الحق المكتسب «للولايا» تقف له بالمرصاد في بعض الأحيان الشروط التي يضعها مالكو الأربطة من فئة التجار ورجال الأعمال، ولا يخرج عن هذا الميثاق الاعتباري حتى فاعلي الخير الذين يوقفون بعض منازلهم غير المأهولة لهذه الشريحة من المجتمع.
فيما تطل من وراء ذلك أسباب يراها المالكون احترازية، كما أوضح فلمبان «الخوف من الوقوع في فخ المشاكل مع السكان، هو السبب الوحيد الذي يجعل الملاك يضعون شروطا تحرم بعض الفئات من الإقامة، خاصة المطلقات والأرامل وبعض الشابات ممن لا عائل لهن».
وبين الحلم بالسكن في مناطق عالية الكلفة وألم الحقيقة تتجسد معاناة العائلات من ساكني الأربطة التي يتجاوز عدد أفرادها الخمسة في الرضا بالمقسوم والتكدس في إحدى الشقق التي لا تتجاوز بحسب فلمبان «ثلاث غرف صغيرة ومرافق خدمية بسيطة».
وحول الآلية التي يمكن من خلالها حل مثل هذه المشكلات، قال فلمبان: «تم تشكيل لجنة في الوزارة لدراسة وضع هذه العائلات منذ ما يقارب العامين، ومن ضمن الاقتراحات تخطيط المخططات الأهلية لإيجاد قطع أراض يتم استثمارها من قبل فاعلي الخير ورجال الأعمال لتخصيصها لبناء أربطة تلم شمل العائلات الكبيرة»، والمحافظة على مستوى معيشي معين في الأربطة، وهو الذي تحدده إلى حد ما الجهات المشرفة على الرباط.
وكما أوضح إسماعيل فلمبان «هناك 18 رباطا تشرف عليها الوزارة، وهي الأربطة الخيرية العامة التي تعمل على توفيرها الحكومة، مثل رباط الخانجي في حارة الشام، وأخرى خاصة يملكها أصحابها مثل تلك الموجودة في حارة المظلوم منها رباط الديب الذي يبلغ عدد ساكنيه 13 فردا إلى جانب رباط حسنية غشيم التي تقطنها 15 عائلة».
وبين المساحات الضيقة والصغيرة للغرف تبرز أهمية استثمار الأربطة، وبحسب تعبير فلمبان «يتم استثمار الأربطة من قبل بعض رجال الأعمال والعمل على إعادة ترميم المتهدم منها عبر توفير وسائل السلامة وتوفير كامل المرافق الخدمية، فيما يتم شغل الطوابق الأرضية في عمل محلات تجارية يتم تأجيرها من قبل المستثمر والاستفادة منها».
حمى السعودة لم تكتف بالانتشار على مستوى الوظائف بل انتقلت إلى ساكنات الرباط، وكما أوضح فلمبان فإن 90 في المائة من ساكني الأربطة من الأجانب، خاصة الجالية اليمنية إلى جانب الصومالية والتشادية، فيما يشكل السعوديون نسبة 10 في المائة فقط.
وفي الوقت الذي بدأ فيه العمل على تقليص العدد وقصر سكنى الأربطة على السعوديين، بدأ تقليص عدد ساكني الأربطة من الأجانب لوضع حلول بديلة تقع على رأس الكفيل بين فكي الترحيل أو إيجاد سكن بديل.
عبر دهاليز الأربطة الباردة يطل الخيار الصعب لساكنات الأربطة الأجنبيات، والذي يتسلل ببطء في محاولة لاغتيال ضوء الشمعة الأخيرة التي تهتز خوفا من كابوس النوم على قارعة الطريق واللواتي تجاوزت أعمار غالبيتهن الخمسين في البقاء والموت بين صمت الجدران التي لا يقطعها إلا سعال إحداهن الذي يجرح تفاصيل الذكريات لحياة كن فيها ملء السمع والبصر قبل أن يحيلهن الزمن إلى رفوف النسيان، كما هو حال الخالة فاطمة ذات البشرة السمراء التي طوت بين الخطوط المرتسمة على طرف شفتيها ابتسامة ساخرة من حظ عاثر وإيجاد مبرر للإقامة بالرباط «الوضع الاقتصادي لابني متدن جدا ولا يستطيع التكفل بمصاريف علاجي وإقامتي وتكفيه ابنته».
[المصدر: جريدة الشّرق الأوسط]
