الفضائيات والمواقع الالكترونية فوائدها كبيرة ويجب دعمها بالوقف
أكد فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر البكري في خطبة الجمعة بجامع حمد بن خالد آل ثاني في العاصمة القطرية الدوحة أن أعمال المسلم لا تنقطع بموته وخروجه من الدنيا بل بإمكان المسلم أن يجعل حسناته مستمرة بعد وفاته تصله إلى قبره وهو أحوج ما يكون إليها.
وقد كان جل الصحابة رضوان الله عليهم في أول الإسلام في ضيق من العيش ولما فتح الله عز وجل لهم خزائن الأرض وأتتهم كنوزها كان همهم منصرفاً إلى كيفية استثمارها في مرضاة الله.
وقال إن الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فهو ما يسبّله المسلم في حياته ويجعل ما يخرج منه من غلة أو ثمرة في وجه من وجوه الخير والبر، فيستمر أجرها له وتجري عليه حسناتها حيا وميتا مادامت باقية. والوقف إحسان إلى الخلق، تسد به حاجات الفقراء والمساكين، والمرضى والمعوزين، ويُكفل به القائمون على حراسة الشريعة، وبازدهار الوقف ترفع راية الدين ويُنشر العلم النافع، وتقام مدارسه ومؤسساته.
وأضاف أن من أحكام الوقف أنه يجوز وقف كل ما يجوز بيعه والانتفاع به مع بقاء عينه، سواء كان ثابتاً كالعقار، أو منقولاً كالسلاح، والثياب ونحوها ويصح وقف الحلي للبس والإعارة، فعن نافع قال: (ابتاعت حفصة حلياً بعشرين ألفاً فحبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته ).
وأكد أن أغراض الوقف ليست قاصرة على الفقراء وحدهم، أو على بناء المساجد والمدارس والعناية بها فحسب، بل تتعدى ذلك إلى بناء المستشفيات وغيرها من أوجه النفع، وقد أوقف صلاح الدين الأيوبي بلدة بلبيس لفك أسرى المسلمين من أيدي الأعداء.
وقال إن حاجات الناس العامة تتنوع للوقف بحسب المكان والزمان، ومن ذلك: الوقف على إنشاء المساجد وما يلحق بها من مرافقها وسكن القائمين عليها ورعايتها
كما أن من أبواب الوقف، الوقف لإيواء الفقراء والأرامل واليتامى وسد حاجاتهم. ومن أجل أنواع الوقف وأعظمها أجرا وأكثرها نفعا الوقف الذي يعود على الدين بالحماية وعلى الشريعة بالحفظ وهو الوقف على إنشاء المدارس والكليات الشرعية التي تعلم أبناء المسلمين علوم الشريعة علوم القرآن والسنة والفقه والتفسير والتوحيد والعربية، وتخرج علماء يقومون بالوظائف الشرعية من القضاء والإفتاء والدعوة وحماية حوزة الدين.
ويتأكد هذا النوع من الوقف في الأزمنة التي تغفل فيها الدول الإسلامية عن واجبها تجاه العلوم الشرعية وتعزيز الدين في النفوس وتكثير الحاملين له والمنافحين عن حرماته والذابين عن حياضه والعاملين على نشر علوم الشريعة وإحيائها.
وقد أتت على المسلمين فترات تنافس فيها السلاطين والأغنياء على بناء دور العلوم الشرعية وكفالة القائمين عليها وإكرام حملة الشريعة وإغنائهم عن الكد وتفريغهم لنشر العلم وبيان حقائق الدين.
وبالمقابل أتت على المسلمين فترات كان يعطى فيها المشتغلون بدار الحكمة في كتب الفلسفة اليونانية ونحوها من كتب الضلال الأعطيات العظيمة ويعطى علماء الحديث والمتفرغون لعلوم الشريعة عطاء بخسا زهيدا. وما أشبه الليلة بالبارحة فسمات عصور الانحطاط والبعد عن الدين متشابهة ففيها يروج اللهو ويقوم سوق السفاسف ويغدق على البطالين ويكسد فيها العلم النافع ويُقتر على حملته. وسنة الله في خلقه ماضية.
◄ أثر الأوقاف
وقد أدرك المنابذون للشريعة في كثير من بلاد الإسلام أثر الأوقاف على نهضة العلوم الشرعية واستقلال العلماء بآرائهم بموجب ما تمليه عليهم الشريعة فسعوا في تعطيل الأوقاف ونهبها، لعلمهم أن دور العلم متى ما استقلت أخرجت علماء ربانيين غيورين على الدين، ومتى ما كانت الأوقاف قائمة استغنى بها أهل العلم ولم يتلاعب بهم أرباب السياسات والأهواء لأن من يملك قوته يملك صوته، وبعد أن كان العالم يملك رأيه وما يدين الله به أصبح يداهن مَن لقمته بيده إلا قلة من العلماء الربانيين، حتى سمعنا في زماننا من يوصي باليهود المغتصبين خيرا لأنهم جيران والجار له حق وغيرها مما تسمعونه كل يوم من الفتاوى التي لا خطام لها ولا زمام، وما كان لمثل هذه الفتاوى المتهافتة أن تصدر لو كانت مسيرة العلم الشرعي تسير سيرا صحيحا وكانت الأوقاف بيد أهلها المستحقين لنظارتها. فلا يسمح العلماء بالفتوى إلا لمن كان أهلا لها ممن جمع العلم والورع.
وأضاف أن الوقف ازدهر في أزمنة عافية الأمة حتى شمل جميع جوانب الحياة فأُوقفت المستشفيات للمرضى وأوقفت دور الإيواء للغرباء والمعدمين وحفرت الآبار وأجريت القنوات للري ومهدت الطرقات للناس والدواب وتفنن المسلمون في الوقف في أوجه الخير حتى أوقفت أوقاف على الحيوانات التي لا مالك لها. ومازال إخوان لنا في بلاد كثيرة في حاجة ماسة للوقف في جميع أوجه الخير ولكل بلد حاجاته ومتطلباته، إلا أن من فقه الوقف وحسن الدراية بأبواب التجارة الرابحة مع الله في أزمنة الغفلة والبعد عن الدين أن تتضاعف الجهود في الوقف على نشر العلم الشرعي وبناء دوره وكفالة طلابه وكذا الوقف على الدعوة إلى الله جل وعلا وبناء المراكز الإسلامية لدعوة غير المسلمين في بلاد المسلمين وخارجها فهذه أبواب عظيمة للخير والبر ونفعها كبير جدا في إعزاز الإسلام ونصرته وتبليغه ونشره. ويدخل في ذلك الوقف على وسائل الإعلام المعنية بنشر الدين والفضيلة ومحاربة الضلال والبدعة والرذيلة كالمجلات الإسلامية والقنوات الفضائية النظيفة الهادفة. والوقف على إحياء تراث الأمة العلمي لحفظه وطباعته ونشره، وغير ذلك من الوسائل الدعوية الحديثة تكثيرا للخير في الأمة وترسيخا للدين في النفوس. وفي البلدان الفقيرة التي لا تقوم فيها الدولة بالخدمات الأساسية كالرعاية الطبية ورعاية الأيتام والمحتاجين ونحو ذلك ينبغي قيام المحسنين بالوقف على ذلك لأنها من مصالح المسلمين وحاجاتهم. والعاقل لا ينتظر ساعة الموت فيتمنى أن يمهل ليتصدق بل يبادر بالخير لأن الموت لا يستأذن أحدا.
◄ نشر الخير
وقال إن مما ينبغي أن نؤكد عليه ونعتني به الوقف على المستجد من وسائل نشر الخير ونصرة الدين ولاسيما القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية الإسلامية فلا زال الوقف عليها شحيحا بالرغم من عظم تأثيرها في إصلاح شؤون الأمة وتباطؤ الدول في الإنفاق عليها لسبب أو لآخر وقد أثمرت هذه الوسائل المباركة ثمرات عظيمة في تصحيح المفاهيم ونصرة الدين على شحة مواردها فكيف لو قام الموسرون بواجبهم نحوها، لاشك إن النتائج ستكون مذهلة جدا وقد أدرك أعداء الشريعة ذلك جيدا فأعلنوها حربا شعواء على هذه القنوات والمواقع وضيقوا عليها بأنواع مختلفة من التضييق. ولو كان فيهم بقية من دين وإيمان وغيرة لوجهوا حربهم تجاه قنوات الرذيلة والبذاءة والفحش.
معاشر المسلمين.. ومن تيسير الله جل وعلا علينا في هذا البلد أن قيض لنا وكلاء نحسبهم أمناء وأهلا للثقة متمثلين في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمؤسسات والجمعيات الأهلية التي تقوم بدور الوكيل لمن أراد الوقف على باب من أبواب الخير في الداخل أو الخارج. كما أن بإمكان الواقف أن يقوم على وقفه بنفسه أو يختار لوقفه من شاء ليكون ناظرا له ومسيرا لأموره ومصرفا لموارده وفق شرط الواقف. وقد تقرر عند أهل العلم أن شرط الواقف ملزم وأنه لا يجوز التصرف في موارد الوقف إلا وفق ما أراده الواقف من وجوه البر. وأن الوقف متى لزم لم يجز التصرف فيه في غير ما وقف له.
وقال إن العمل الإسلامي ما يزال ضعيفاً ويعاني من قلة الموارد. والأوقاف بإذن الله تجعله ينطلق بثبات وقوة. لأن غلة الوقف مورد دائم يضمن استمرار العمل واستقراره ومضاعفة نتائجه، وكم تعجب من مشرك يعبد ثلاثة آلهة يتبرع بعشرات المليارات من الدولارات لنصرة باطله، وترى الموسرين من المسلمين يبخلون بعشر معشار ذلك. إن على أغنياء المسلمين أن يشعروا بمسؤوليتهم تجاه دينهم وأمتهم فهم يملكون سلاحا مهما من أسلحة نصرة الدين ونشره وإعزازه وتقوية أهله. وليعلم الموسر أنه لن يحتاج من ماله إلا القليل وما زاد عليه فإنه لا ينتفع به إلا بالرؤية وهو راحل عنه لا محالة فأين مَن يقدم من ماله بين يديه ليجده وهو في أشد الحاجة إليه. وكم من ثري نسي أن يقدم لنفسه في حياته فشح الورثة من بعده وبخلوا عليه بأدنى صدقة تصله في قبره وقد كان المال بيده. وكم من امرأة أضاعت زهرة شبابها في تجميع الشهادات والمسابقة على الدرجات فحُرمت حياة الأمومة وفاتها الولد الصالح الذي يدعو لها ثم غفلت أن توقف لنفسها وقفا يأتيها ثوابه بعد مماتها.
المصدر: صحيفة الشرق القطرية ـ 4/ 2/ 1432