بحوث ودراسات

وثائق الوقف الكويتية الأهمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والوظيفية

 بقلم أ.د. فيصل عبد الله الكندري
أهمية وثائق الوقف بالنسبة إلى دارس تاريخ منطقة ما تأتي لكونها تتعلق بمختلف أوجه الحياة من خلال عقود البيع والشراء والاستبدال والرهن والمبادلة قبل أن تؤول إلى الوقف، فضلا عن أنها توضح الجانب المعماري من تلك الأبنية الموقوفة، فهي والحالة هذه تعد من أهم المصادر الضرورية لدراسة الآثار والمنشآت المختلفة في أي عصر. وزيادة على ذلك فإن تلك الوثائق تحتوي كثيرا من المصطلحات المتعارف عليها وقت تحريرها، سواء كانت معمارية أو قانونية أو إدارية أو مصطلحات محلية.

وإذا أمعنا النظر في وثائق الوقف نجدها تناولت الوثائق المتعلقة أساسا بقضايا الوقف والملكيات الخاصة، وما نتج عنها من بيع وشراء وتحديد ارث أو هبة، كما تحتوي معلومات لها صلات وثيقة بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للحياة داخل الكويت، وهي التي لا تتطرق إليها الوثائق السياسية.
لوثائق الوقف أهمية كبيرة، لأنها تتعلق بالأحداث الداخلية للكويت، وهي تتعلق بالعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، ومثل هذه المعلومات لا توجد إلا في مثل هذه الوثائق، ومن خلال استعراضها القضاة والوصايا نستطيع معرفة أسماء الأشخاص الذين تولوا منصب القضاء وتاريخ بقاء كل منهم وتحديد أسمائهم:
العدسانيون
1 ـ الشيخ محمد بن صالح بن حسين بن محمد العدساني
(1208 ـ 1225 ه‍ / 1793 ـ 1810م، 1228 ـ 1236 ه‍ / 1813 ـ 182م):
وهو خامس قضاة الكويت، وهو أول قاض من أسرة العدساني ممن يرد اسمه في وثائق الوقف، حيث ورد اسمه في وقفية تعود لعام 1236 ه‍/ 1821م، ولد في الأحساء عام 1160 ه‍/ 1747م، وتعلم على علمائها وصل إلى الكويت في حدود عام 1202 ه‍/ 1787م وسكن مع أسرته في فريج العدساني، تولى القضاء عام 1208 ه‍ / 1793م بأمر من الشيخ عبد الله الأول بن صباح بن جابر، وحدث خلاف بينه وبين الشيخ علي بن عبد الله بن نشوان بن شارخ، فاعتزل القضاء، لكنه عاد إلى القضاء بعد وفاة الشيخ الشارخ عام 1228 ه‍ / 1813م، وأسس له مدرسة خاصة به في حي الوسط، وظل بالقضاء حتى وفاته.
أجمعت المراجع على أن وفاته عام 1233 ه‍/ 1817م، ولكن الوقفية التي بين أيدينا تحمل توقيع الشيخ محمد، وهي تعود إلى تاريخ 29 رجب 1236 ه‍/ 3 مايو 1821م، فالوثيقة تبين خطأ كل من تلك المراجع التي تناولت القضاء في الكويت، ومن أن الشيباني وضع صورة الوثيقة إلا انه لم يتنبه إلى التاريخ الموجود عليها، وهي دليل مادي على أن وفاة الشيخ محمد العدساني كانت بعد هذا التاريخ، وربما تكون في العام نفسه.
2 ـ الشيخ عبد الله بن محمد بن صالح العدساني
(1235-1247 ه‍/1820-1857م):
من مواليد حي العداسنة في الكويت عام 1200 ه‍/1785م، تلقى تعليمه على يد والده، تولى القضاء بعد وفاة الشيخ ابن شارخ ومكث بلا قضاء ثمانية وثلاثين عاماً، وتوفي عن عمر يناهز الثانية والسبعين.
ولم نجد في وثقائق الوقف سوى ثلاث وثائق تحمل توقيع الشيخ عبد الله بن محمد العدساني، وهي تعود إلى الأعوام التالية: 1253 ه‍ / 1837م ، 1263 ه‍/ 1847م ، 1271 ه‍ / 1855م .
3 ـ الشيخ محمد بن عبد الله بن محمد العدساني
(1247-1338 ه‍ / 1857-1919م):
ولد في حي العداسنة عام 1225 ه‍/ 1810م، ودرس على يد والده وعلماء عصره، وتولى القضاء بأمر من الشيخ جابر الأول بن عبد الله بن صباح وبعد وفاة والده، وهو أطول من تولى القضاء عمرا من آسرة العدساني، حيث ظل متقلداً هذا المنصب اثنين وخمسين عاماً، وهذا يفسر لنا كثرة الوثائق التي تحمل اسمه، ومعظم وثائق الوقف الكويتية تعود إلى فترته، أما أقدم وثيقة تم العثور عليها والتي تحمل ختم الشيخ محمد بن عبد الله العدساني فتعود إلى تاريخ 1من رجب 1277 ه‍ / 13 يناير 1861م، أما آخر وثيقة تحمل ختمه فتعود إلى تاريخ 19 ذي القعدة 1339 ه‍ / 15 يوليو 1921م.
وبناء على ذلك لنا أن نصحح المعلومة الواردة في المراجع التي تناولت تاريخ وفاة الشيخ محمد بن عبد الله العدساني، حيث أشار الشيخ يوسف بن عيسى القناعي إلى انه تولى القضاء من سنة 1274-1338 ه‍ حتى 1857-1919م، وقد نقل عنه هذه المعلومة كل من عبد الله الحاتم وإبراهيم الشيباني، واستناداً إلى الوثيقة السابقة نستطيع القول إنه كان لا يزال حياً في شوال 1339 ه‍ / يونيو 1921م، ولغاية منتصف ذي القعدة 1339 ه‍ / يوليو 1921م ، حيث قام بتحرير هاتين الوثيقتين.
ومما يعزز هذا الرأي الوقفية التي زودنا بها المؤرخ سيف مرزوق الشملان، والتي حررها الشيخ محمد بن عبد الله العدساني بتاريخ 20 من رجب 1340 ه‍ / 19 مارس 1922م، وهذا يجعلنا نجزم بأن ما ورد حول تاريخ وفاته غير صحيح وتاريخ وفاته لا بد أن يكون بعد هذا التاريخ.
أما عن الوقفية التي حررها خلفه عبد العزيز بن محمد العدساني بتاريخ 1338 ه‍ / 1920م وعن كيفية التوفيق بين الوثيقتين فنستطيع القول إنه ربما تخلى عن القضاء بسبب كبر سنه، وعاش بعدها بضع سنين واصل خلالها تحرير الوقفيات بدليل الوقفية التي بين أيدينا.
4 ـ الشيخ عبد العزيز بن محمد بن عبد الله العدساني
(1338-1339 ه‍ / 1919-1921م):
ولد في حي العداسنة عام 1288 ه‍ / 1871م وتربى في بيت علم ودين، ودرس على يد والده وعلماء عصره، وتولى القضاء لعام واحد بعد والده، كما كان يساعد والده في الأمور القضائية منذ عام 1335 ه‍ / 1917م، حيث كان يساعد في كتابة الوثائق الشرعية وتحريرها، وظهر اسمه بصفته قاضياً على آخر وثيقة تعود لتاريخ 16 ربيع الأول 1338 ه‍ / 9 ديسمبر 1919م، وظهر اسمه على آخر وثيقة تعود لتاريخ 11 جمادى الآخر 1339 ه‍ / 20 فبراير 1921م.
5 – الشيخ عبد الله بن خالد بن عبد الله العدساني
(1339 – 1348 ه‍ / 1921 – 1929م)
من مواليد الكويت عام 1290 ه‍ / 1873م، والده هو أخو الشيخ محمد بن عبد الله العدساني، ولم يتول القضاء، ولكنه كان يساعد أخاه بالكتابة وبالشهادة على الوثائق الشرعية، عين مفتياً للكويت، وقام بمراجعة الوثائق الشرعية الصادرة عن القضاة وتدقيقها، وأول وثيقة قام بمراجعتها الشيخ محمد بن عبد الله العدساني بتاريخ 18 ذي القعدة 1337 ه‍ / أغسطس 1921م، كما قام بتدقيق كل الوثائق الصادرة عن ابنه عمه الشيخ عبد العزيز بن محمد العدساني، حيث كان الوثائق تذيل بالعبارة التالية: صحيح عبد الله بن خالد العدساني مفتي الكويت، ثم يضع ختمه أسفل العبارة. ولما توفي الشيخ عبد العزيز تولى القضاء عام 1339 ه‍ / 1921م واستمر قاضياً طوال عشر سنوات، وظهرت أول وثيقة تحمل ختمه بصفته قاضياً في 11 شوال 1339 ه‍ / 18 يونيو 1921م، أما آخر وثيقة تحمل اسمه فهي بتاريخ 24 جمادى الآخر 1348 ه‍ / 27 نوفمبر 1929م، توفي في أول رمضان 1348 ه‍ / 31 يناير 1930م.
ويعتبر الشيخ عبد الله بن خالد العدساني آخر من تولى القضاء من أسرة العدساني، تلك الأسرة تولت منصب القضاء لمدة 178 عاماً، ولا نعلم على وجه الدقة مدى تعمق القضاة في الكويت بالعلوم الشرعية، وهذا الشيخ يوسف بن عيسى القناعي يكشف لنا جانباً من ذلك بقوله: «لم أقف على مبلغ علمهم، ولا أعرف شيئاً عنهم بوجه صحيح، سوى محمد بن عبد الله وابنه عبد العزيز، فإنهما تصديا للقضاء بالإرث لي بالعلم والأهلية، فلهذا صارت الأحكام في زمنهما مهزلة وألعوبة عاملهما الله بعفوه، أما سيرة القضاة المتقدمين فالمسموع انها سيرة طيبة، ولم يذكر عنهم شيء مخالف للشرع، وأشاد الشيخ يوسف بكل من خالد بن عبد الله ووصفه بأنه كان فقيها ونحوياً، كما مدح الشيخ عبد الله بن خالد العدساني بقوله: واستفاد منه خلق كثير».
أما المؤرخ عبد العزيز الرشيد فله رأي مغاير تماماً لما رآه يوسف بن عيسى، فيصف عبد الله العدساني بقوله: «مضى لقاضي الكويت عبد الله بن خالد العدساني وقت طويل وهو متربع على منصة القضاء الذي اتخذه كالكرة يتقاذفها بصولجانه غير مبال باستغاثة الحق من باطله، ولا يتألم الأخلاق من مجاهرته، وكانت ساحة محكمته سوقاً رائجا لشنائع الرشوة التي قلما سلم منها أحد المتخاصمين، مما كان حديث الكويتيين في عامة مجالسهم… توفي في رمضان سنة 1348 ه‍، فاستراح بموته من الإثم وأراح عباد الله من الشرور…».
6 ـ الشيخ عبد الله بن خلف الديحان
(1348 – 1349 ه‍/ 1930 – 1931م):
ولد في الكويت في 28 شوال 1292 ه‍/ 27 نوفمبر 1875م، كان والده من سكان المجمهة بنجد، هاجر إلى الكويت في حدود عام 1285 ه‍/ 1868م، درس الشيخ عبد الله القرآن على يد والده، وتتلمذ على يد علماء الكويت والزبير، وهو أول من تولى الإمامة في مسجد البدر، عندما توفي عبد الله بن خالد العدساني ظل منصب القضاء شاغرا لأشهر، فعرض عليه بعض المهتمين تولي القضاء، ولكنه رفض، ولكنه قبل القضاء عندما ألزمه إياه الشيخ احمد الجابر حاكم الكويت (1339 – 1369 ه‍/ 1921 – 1950م)، ولم يأخذ اجره عليه، وذلك في عام 1348 ه‍/ 1929م، ويقال انه جعل مجلس القضاء في ديوانه أو مجلسه ولم يذهب للمحاكم، ولكنه سرعان ما انتقل إلى جوار ربه في 28 رمضان 1349 ه‍/ 17 فبراير 1931م.
وبالرجوع إلى الوثائق الوقفية وجدنا هناك ثلاث وثائق مذيلة بختم الشيخ عبد الله الخل، وهي تعود إلى التواريخ التالية: 8 شعبان 1327 ه‍/ 25 أغسطس 1909م، 10 ربيع الثاني 1328 ه‍/ 21 ابريل 1910م، 1 جمادى الأولى 1340 ه‍/ 31 ديسمبر 1921م. كما توجد وثيقة أخرى نشرها المؤرخ سيف مرزوق الشملان في كتابه أعلام الكويت وتعود لتاريخ 1 ذي القعدة 1331 ه‍/ 2 أكتوبر 1912م.
وربما يتساءل بعض المهتمين كيف للشيخ عبد الله أن يحرر هذه الوقفيات قبل توليه القضاء، وهل اخطأ المؤرخون في تحديد سنة توليه القضاء؟ والذي نعتقده أن المؤرخين لم يخطئوا في تحديد سنة توليه القضاء، لان الشيخ يوسف بن عيسى قد عاصر الشيخ الدحيان واحتك به وعلم كثيرا من أحواله، فمجال الخطأ هنا مستبعد في هذه الحالة، وتفسير ذلك أن معظم تلك الوثائق عبارة عن وصايا، ونرى أن الوضع في السابق كان يجيز لأي شخص أن يتوجه إلى الشيخ الذي يميل إليه، فيأخذ معه الشهود ويشهد بذلك أمام الشيخ، ويقوم الشيخ بتحرير الوصية، وتذييلها بختمه.
وبناء على ذلك فإننا نستبعد رأي إبراهيم الشيباني وبراك المطيري اللذين أوضحا أن الشيخ الدحيان تولى القضاء عام 1343 ه‍/ 1924م، استنادا إلى وثيقة تعود إلى العام نفسه، والغريب أنهما أوردا وثيقة أخرى أقدم منها، وتعود لعام 1327 ه‍/ 1909م، ولكنهما لم يحددا سنة توليه القضاء بعام 1327 ه‍، لأنها الأقدم، ولكن إذا نظرنا في نص الوثائق السابقة فسنجدها عبارة عن وصايا، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه.
والذي يعزز هذا الرأي أن هناك وصايا أخرى كتبها شيوخ آخرون مع أنهم لم يتولوا منصب القضاء من أمثال الشيخ محمد بن عبد الله الفارس، وهناك وصية يتيمة تعود للشيخ الدحيان أثناء تقلده منصب القضاء وتعود إلى تاريخ 6 ذي الحجة 1348 ه‍/ 5 مايو 1930م.
7 ـ الشيخ عبد العزيز قاسم حمادة
(1352 – 1365 ه‍/ 1932 – 1946م):
يتحدر الشيخ حمادة من أسرة اشتهرت بالتعليم، حيث كان والده يملك مدرسة لتعليم الصبيان، وكانت لعمته موزة حمادة مدرسة لتعليم البنات القرآن والكتابة، ولد عبد العزيز في حي القبلة في فريج سعود عام 1314 ه‍/ 1896م وحفظ القرآن الكريم في مدرسة والده ثم تتلمذ على يد شيوخ الكويت والبحرين والأحساء، وبعد ذلك تولى التدريس بمدرسة والده، فأدخل فيها تدريس مبادئ الفقه واللغة العربية وتفسير القرآن، وبعض علوم الحساب كحساب الغوص والسفر، واستعان ببعض الشخصيات لتعينه على ذلك، منهم الشيخ أحمد عطية الأثري، كما عمل أماما في بعض مساجد الكويت، تولى القضاء في عام 1372-1352 ه‍ 1951-1932م وطلب أن يعين له مساعداً، فاختار الشيخ أحمد الأثري ومن أهم الاقتراحات التي قدمها إنشاء دائرة تهتم بشؤون الوقف 1948 تهتم بصرف رواتب الأئمة والمؤذنين، وتشرف على بناء المساجد وصيانتها، كما اقترح إنشاء دائرة للأيتام لحفظ أموال اليتامى وإداراتها واستثمارها 1949 وكانت الإدارتان تحت إشراف رئيس المحاكم الشيخ عبد الله الجابر الصباح.
واستقال الشيخ حمادة من القضاء عام 1365 ه‍ 1946 وقام بتدوين خطبه التي ألقاها على مدى أربعين عاماً، وكان له حديث في إذاعة الكويت منذ الخمسينات وحتى وفاته، كما التحق بسلك التدريس في المعهد الديني خلال الفترة ما بين 1961-1951 مدرساً خلالها للفقه المالكي وعلوم الحديث والتفسير، ثم انتقل الشيخ حمادة إلى جوار ربه في 27 ربيع الآخر 1382 ه‍/ 26 سبتمبر 1962، وتوجد ثلاث وثائق تحمل توقيع الشيخ عبد العزيز حمادة.
القضاة الشيعة
أما القضاة الشيعة، فكان لهم نصيب في وثائق الوقف الكويتية، وقد ورد ذكر اسمين من قضاة الشيعة هما:
1 – الشيخ محمد المهدي الموسوي
(1338-1334 ه‍/ 1920-1916م):
هو الشيخ محمد مهدي الموسوي القزويني، قدم إلى الكويت من النجف عام 1327هـ/ 1908م، وعين مرجعاً دينياً للشيعة بعد وفاة الشيخ محمد موسى المزيدي، وشارك في عدة جلسات للحوار والتقريب بين المذاهب الإسلامية مع الشيخ يوسف بن عيسى، وبعد سبعة عشر عاماً توجه إلى البصرة في حدود عام 1952 حيث مكث هناك إلى أن توفي عام 1357 ه‍/ 1939م.
والظاهر من الوثائق الوقفية التي بين أيدينا أن أول ظهور للقاضي الشيعي قد كان في عام 1334ه‍/ 1916م ليقوم بخدمة الجالية الشيعية، ويستمر الشيخ الموسى حتى تاريخ 1338 ه‍/ 1920م وهناك وقفتيان موقعتان بتوقيع الشيخ الموسوي.
2 – الشيخ إبراهيم بن محمد المزيدي
1375-1364 ه‍/ 1956-1945م):
وينحدر الشيخ المزيدي من أسرة علم وأدب، وأول من قدم منهم من الحلة إلى الكويت هو الشيخ موسى بن محمد المزيدي بطلب من الشيعة في الكويت قبل أكثر من مائتي سنة، لينظر في الأمور الفقهية للمذهب الجعفري، فصار مرجعاً لهم. ثم أرسل ابنه محمد إلى النجف لتلقي العلوم الدينية، وسلك في ذلك مسلك والده وصار محمد من أبرز علماء الكويت الشيعة، ومن أشهر أعماله بناء مسجد المزيدي في مدينة الكويت، كما أرسل ولديه زين العابدين وإبراهيم إلى النجف، فخلف الشيخ إبراهيم والده محمد في تولي القضاء الجعفري، واتخذ الشيخ إبراهيم من ديوان مسجد المزيدي مقراً له للفصل في الخصومات، وحل المشاكل ولتسجيل عقود الزواج والطلاق والوصايا. ويعتبر الشيخ المزيدي هو ثاني قاض شيعي يظهر في وثائق الوقف بعد الشيخ محمد الموسوي، ويقول الشيخ عبد الله الجابر الصباح في مقابلة صحفية انه بعد وفاة الشيخ إبراهيم في الكويت عام 1960، اسند القضاء الشيعي إلى السيد جواد القزويني، ثم جاء الشيخ حبيب بن الشيخ إبراهيم المزيدي الذي كان قاضيا شرعيا في محاكم الكويت. وهناك أربع وثائق مذيلة بتوقيع الشيخ إبراهيم المزيدي.
فئات المجتمع
وبدراسة وثائق الوقف يمكننا أن نلخص فئات المجتمع الكويتي إلى التالي:
أ ـ الحكام: وهم أسرة آل الصباح، وهم من قبيلة عنزة، وقد هاجر العتوب المكونة من آل الصباح وآل الخليفة وآل الجلاهمة وغيرهم من مواطنهم الأصلي في إقليم الهدار بنجد، وعندما استقر بهم المقام في الكويت اجمعوا أمرهم على اختيار صباح الأول حاكما عليهم، وحكم من بعده أولاده، وحكم الكويت منذ ذلك العهد وحتى الآن ثلاثة عشر حاكما من هذه الأسرة الكريمة. وكل من ينتمي إلى هذه الأسرة يحمل لقب شيخ بما في ذلك حاكم الكويت.
وورد ذكر الشيوخ في الوقفيات بصفتهم شهودا على إحدى الوقفيات، حيث شهد على الوقفية ثلاثة من أبناء الأسرة، كما ورد اسم حاكم الكويت الشيخ مبارك مرتين كونه بائعا لقطعتين من الأرض في عام 1331 ه‍ / 1913م. بينما ورد اسم حاكم الكويت الشيخ احمد الجابر الصباح ثلاث مرات بصفته شاهدا على الوقفيات.
ب ـ التجار: نستدل من الوقفيات على ان هناك فئة كبيرة يمكن تصنيفهم من ضمن طائفة التجار، وهؤلاء يختلفون في الثراء، وهناك على سبيل المثال وقفية تعود لهلال فجحان المطيري وهو من اكبر تجار اللؤلؤ (الذي يعرف محليا باسم الطواش) عندما أوقف عشرين دكانا على مسجد هلال وعلى الإمام والمؤذن، ونظرا لضخامة الوقف ومكانة الواقف فقد شهد عليها ثلاثة من أبناء الأسرة الحاكمة بمن فيهم الحاكم الشيخ سالم المبارك الصباح، وذلك في عام 1336 ه‍/ 1918م.
وهناك وقفية لتاجر آخر هو فهد خالد الخضير الذي اشترى خمسة دكاكين، ثم أوقفها على مسجد يعقوب الغانم وذلك في عام 1310 ه‍/ 1893 م.
ج ـ العوام: ومثل هؤلاء نجدهم يمرون بكثرة في الوقفيات، وتحدثنا فيما سبق عن بعض أولئك.
د ـ التوابع: وهو المصطلح الذي أطلقته الوقفيات على العبيد أو الأرقاء وتكشف لنا الوقفيات طبيعة العلاقة التي كانت تربط فئات المجتمع بعضهم ببعض، ونستطيع أن نقول أن أهالي الكويت كانوا يتقاطرون على تحرير هؤلاء من رق العبودية إلى نعم الحرية رغبة منهم في الثواب والأجر، وتقرباً إلى وجه الله تعالى.
وتظهر لنا أن معاملة الكويتيين لمن تحت يدهم كانت بمنتهى الرحمة والرأفة. فهذا احدهم يمنح جارية أبيه الملقبة زعفران بيتاً من بيوته في عمان 1302 ه‍/ 1884م. وهذا يوسف المطوع يقول في وصيته «أما العبدة ياسمينوه بعد وفاتي فهي حرة لوجه الله وتعطا (كذا) ثلاثين ريال من الثلث».
وهذه ميثة بنت مصبح تعتق عبدها بخيت وزوجته ورده الله وتعطيهم مبلغاً من المال بالاضافة إلى بيت لهما، وذلك في 1336 ه‍ / 1917م. وكان للأرقاء مطلق الحرية في التصرف بما يملكونه من مال وعقار، فمنهم من أوقف وحبس عقاره على بناته، كما فعل شخص يقال له فرج، وذلك في عام 1328 ه‍/ 1910م ومنهم من باع ما كان يملكه.
ه‍ الشيعة: تلقي الوقفيات بأضواء على الجالية الشيعية التي وجدت في الكويت، وقد بينا فيما سبق بعض القضاة الشيعة ممن حرروا بعض الوقفيات، وهذا يدل على قيام هذه الجالية بعمليات الوقف شأنهم في ذلك شأن السنة. ونلاحظ أن أوقاف الشيعة انحصرت على الحسينيات والمساجد، وهذا عيسى القطان يشتري بيتاً في عام 1307هـ/1890م، وبعد وفاته قام ابنه عبد العزيز وأوقف البيت على مسجد الأحسائية المعروف بمسجد الصحاف وجعل الولاية الحاج ميرزا علي بن الحاج ميرزا موسى الحائري وذلك في رمضان 1354هـ/1935م.
كما أوقف حجي جمعة بن حجي عيسى المحسن البيت الذي اشتراه في محلة البحارنة ليكون سكنا للإمام، وإذا غاب فيؤجر ويصرف ريعه على مسجد البحارنة وفي عام 1336هـ/ 1918م. وهذا إسماعيل بن عباس يشتري بيتاً في الميدان، ويوقفه على الحسينية الخزعلية وذلك في غرة شعبان 1338 ه‍/20 ابريلم. كما أوقف بلال بن شتان بيته الكائن في حي الشرق على نفس الحسينية في عام 1368 ه‍/ 1949م.
كما ذهب عبد الله بن جمال وشهد بأن احد الدكاكين هو وقف على مسجد الصحاف الموجود في محلة ابن محميد، وبناء على ذلك حرر القاضي محمد بن عبد الله العدساني الوقفية في رجب 1330 ه‍ / يونيو 1912..
أما صالحة بنت عوض فقد أوقفت بيتها لتصرف منافعه في تعزية الإمام الحسين رضوان الله عليه، وذلك في عام 1335 ه‍ / 1917م.
أنواع الأوقاف التي انتشرت في الكويت
1- تشير الوثائق إلى أن المحسنين من أهل الكويت كانوا يبنون المساجد كونها وجهاً من أوجه عمل الخير والبر، حيث كان بعض الموسرين يخصصون ثلث تركاتهم لبناء المساجد تقرباً إلى الله تعالى. ونلاحظ في الوقفيات عدة حالات يكون فيها الواقف غير المؤسس، ويقوم الأول بوقف بيت أو دكان على المسجد. ولم يكتفوا بذلك فقط، ونلاحظ أنهم اهتموا أيضاً بالإمام والمؤذن، وخصصوا لهما دوراً لسكناهم، أو لتعمير مساكنهم أو لدفع مرتباتهم.
2- نلاحظ حرص بعض الأهالي على توفير المواد الغذائية اللازمة للمحتاجين، أو إقامة وجبات طعام وتقديمها للفقراء في بعض الأيام الفضيلة، أو توزيع لحم الأضاحي على ذوي الحاجات في أيام عيد الأضحى، ويتكرر ذلك في عبارات «إطعام وعشيات وضحايا».
3- وتعرفنا أن من الأهالي من جعل الباب مفتوحاً للقيام بأي وجه من وجوه الخير، أو بأي عمل يعود بالخير والمنفعة والرحمة على الميت.
الأوقاف الخاصة
1- وقف الحظرة: وهي وسيلة من وسائل صيد الأسماك المنتشرة في الكويت، والجمع حظرات أو حظور، وهي عبارة عن حظيرة تنصب من أعواد القصب تقام بالقرب من الساحل، وعند ارتفاع المد تدخل الأسماك بداخلها وتتيه بين حواجزها، وهناك عدة وقفيات تتعلق بوقف الحظرات نأخذ منها على سبيل المثال: أوقفت فهيدة خليف حظرتها الموجودة في الدمنة على عشيات وضحايا لها ولاخيها مثيب ولوالديهما في عام 1283 ه‍ /1866م.
2- وقف البكشة: أو البقشة، وهي كلمة محرفة عن الكلمة التركية «باغجه» أي الحديقة، وانتشرت هذه الكلمة عند سكان جزيرة فيلكا التي كانت تنتشر فيها
معرفة قيمة العقار
تساعدنا الوقفيات على معرفة نوع العقار، وتحديد قيمته سواء كان بيتا أو دكانا فإذا كانت الوقفية عبارة عن بيع وشراء فقد كان القاضي يحدد المنطقة التي يقع فيها ويذكر الحدود الأربعة: القبلة والشرق والشمال والجنوب، ثم يذكر قيمة البيع، ونستطيع ان نعرف هنا قيمة العقار في كل منطقة من مناطق الكويت و بعمل مقارنة صغيرة يمكننا تحديد المناطق الغالية من الرخيصة، ومثال ذلك اشترى خالد بن فايز بن خميس من مطرة ومن أمها هدية بيتهما الواقع في محلة (فريج) المطبة بثمن وقدره مائة روبية في سنة 1335 ه‍ / 1917 م بينما بلغت قيمة الأرض في محلة النقود 400 روبية في عام 1331 ه‍ / 1913 م.
المصدر: صحيفة القبس الكويتيّة ـ 1/ 6/ 1431

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى