تاريخ الوقف

الخصخصة في زمن المماليك

بقلم: عماد أبو غازي
قضية حيازة الأرض الزراعية في الشرق من القضايا التي تثير جدلا واسعا بين المؤرخين المشتغلين بدراسة التطورات الاجتماعية والاقتصادية، ودراسة تاريخ القانون عموما، وبين المعنيين بدراسة تطور الملكية بشكل خاص، ومن الأفكار الشائعة عن الشرق في الفترة التي تسمى بالعصور الوسطى، فكرة غياب الملكية الخاصة للأرض الزراعية وسيادة أشكال من ملكية الدولة لها. لكن هل هذه حقيقة ما جرى؟
الإجابة بالنفي، في ضوء ما تكشف عنه الوثائق الأصلية التي ترجع إلى العصر المملوكي، ثم ما تضيفه الدفاتر المالية التي ترجع إلى فترة الاحتلال [كذا في المقالة]العثماني لمصر، والتي نقلت عن مثيلاتها في عصر المماليك الجراكسة، وعلى وجه التحديد من دفاتر تم تحريرها في سنة 891 هـ، أي في عصر السلطان الأشرف قايتباى.
ويبدو من دراسة الوثائق المملوكية والدفاتر العثمانية، أن عصر المماليك الجراكسة شهد تطورا مهما لأشكال الحيازة الزراعية، بحيث إننا نستطيع أن نقول إن شكل الحيازة الزراعية في مصر عند نهاية ذلك العصر [أوائل القرن 10هـ/16م] قد اختلفت عما كان عليه في بدايته [أواخر القرن 8 هـ/14م]، فخلال مائه وأربعين عاما تقريبا، هي الفترة التي حكم فيها سلاطين الجراكسة منذ أسس برقوق دولتهم حتى نجح سليم العثماني في احتلال [كذا في المقالة] مصر، خلال تلك السنوات، كانت هناك ظاهرتان لافتتان للنظر فيما يتعلق بأوضاع الأراضي الزراعية:
الظاهرة الأولى: التوسع في بيع الأراضي الزراعية المملوكة لبيت المال.
والظاهرة الثانية: اتساع نطاق الوقف على أعمال البر، أو على النفس والذرية.
إن دراسة مجموعات الوثائق التي تحتفظ بها الأرشيفات المصرية سواء تلك التي ترجع إلى عصر المماليك وما قبله، أو الدفاتر المالية للعصر العثماني ــ تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن عصر المماليك الجراكسة قد شهد تزايدا لمعدلات بيع أملاك بيت المال، حيث فاقت تلك المعدلات بكثير ما كانت عليه في كل العصور السابقة على عصر الجراكسة مجتمعة، فقد شكلت وثائق بيع أملاك بيت المال التي أمكن حصرها، وترجع إلى ذلك العصر نسبة 96% من إجمالي ما أمكن حصره من تلك النوعية من الوثائق في الفترة الممتدة ما بين دخول العرب لمصر حتى الاحتلال [كذا في المقالة] العثماني لها.
وتثبت الوثائق أن مصر قد عرفت الملكية الخاصة للأرض الزراعية طوال تاريخها الإسلامي على الأقل، غير أن الأمر ظل على ما يبدو ظاهرة هامشية، حيث كانت الغالبية العظمى من الأراضي الزراعية في يد الدولة، إلى أن جاء عصر المماليك الجراكسة فتغيرت الصورة بشكل واضح.
وإذا كنا لم نستطع بعد أن نصل إلى تقدير دقيق لمساحة الأراضي الزراعية التي انتقلت من ملكية الدولة إلى ملكية الأفراد خلال عصر المماليك الجراكسة، فإن الوثائق تحمل إشارات لا تخلو من دلالة واضحة حول حجم البيوع، ففي بعض الأحيان تشير الوثائق إلى أن بيت المال قد باع قرى بكاملها كما إننا نعرف كذلك من خلال الوثائق أن حالات البيع شملت مساحات متفاوتة من 275 قرية بمصر والشام على الأقل.
كذلك فإن مقارنة ما ورد في المصادر التاريخية التي ترجع إلى أوائل عصر المماليك الجراكسة، بما ورد في المصادر التي تتناول فترة بداية الحكم العثماني لمصر، تؤكد أن البيع غير بالفعل وضع حيازة الأرض الزراعية وملكيتها في مصر حيث يذكر القلقشندى أن «البلاد المصرية بجملتها جارية في الدواوين السلطانية وإقطاعات الأمراء وغيرهم من سائر الجند، إلا النزر اليسير مما يجرى في وقف من سلف من ملوك الديار المصرية ونحوهم على الجوامع والمدارس والخوانق، ونحوها مما لا يعتد به لقِلّته».
ويؤكد المقريزي ذلك كذلك في خططه فيقول: «منذ كانت أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى يومنا هذا (أوائل القرن التاسع الهجري) فإن أراضى مصر كلها صارت تقطع للسلطان وأمرائه وأجناده. ثم يقسم أرض مصر إلى سبعة أقسام: قسم يجرى في ديوان السلطان.. وقسم من أراضى مصر قد أقطع للأمراء والأجناد.. وقسم ثالث جعل وقفا محبسا.. وقسم رابع يقال له الأحباس يجرى فيه أراض بأيدي قوم يأكلونها.. وقسم خامس قد صار ملكا يباع ويشترى ويورث ويوهب، لكونه اشترى من بيت المال، وقسم سادس لا يزرع للعجز عن زراعته.. وقسم سابع لا يشمله ماء النيل، فهو قفر».
وتختلف الصورة تماما عن بداية الاحتلال [كذا في المقالة] العثماني لمصر، حيث نجد أن الأراضي التي خرجت من حوز الدواوين السلطانية وديوان الجيوش المنصورة المسئول عن الإقطاعات، قد قاربت نصف مساحة الأرض الزراعية في مصر، فقد كانت الأوقاف تشكل حسب رواية الإسحاقي المؤرخ «عشرة قراريط من أراضى مصر، أي نسبة 41.66% من تلك الأراضي، هذا بالطبع بخلاف الأملاك الخاصة التي لم يتم وقفها أو لم تحبس.
إن ما ورد في هذه المصادر التاريخية يحمل عدة دلالات:
الدلالة الأولى: التوسع الكبير في بيع أملاك بيت المال، فبعد أن كانت الأراضي الخارجة عن ملكية الدولة «لا يعتد بها لقتلها»، أصبحت مساحتها تقارب نصف مساحة الأراضي الزراعية في مصر.
الدلالة الثانية: إن ما ورد في المصادر التاريخية الروائية يتفق إلى حد كبير مع المؤشرات التي تقدمها دراسة وثائق بيع أملاك بيت المال ودفاتر الرزق الجيشية والإحباسية، من حيث اتجاه حركة البيع وتطورها خلال عصر المماليك الجراكسة.
الدلالة الثالثة: اتجاه الكثيرين إلى وقف الأراضي التي اشتروها من بيت المال، خشية مصادرتها، وسعيا لإعفاء ريعها من الضرائب.
وهذه الحقيقة أيضا تؤكدها وثائق بيع أملاك بيت المال ـ أي وثائق بيع أملاك الدولة بلغة عصرنا ـ حيث يتضح أن أكثر من نصف الأراضي التي تم بيعها من أملاك بيت المال قام المشترون بوقفها بعد شرائهم لها. وهذا يتماشى مع ما يردده المؤرخون كثيرا من أن أراضى مصر في نهاية العصور الوسطى كانت وقفا، وأن الملك الحر كان قليلا.
خلاصة القول: إن شكل حيازة الأرض الزراعية قد شهد تحولا كبيرا خلال عصر المماليك الجراكسة نتيجة لبيع أملاك بيت المال؛ فمن ناحية تحولت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من ملكية الدولة ــ سواء أكانت مباشرة تدار من خلال الدواوين السلطانية أو ديوان الوزارة، أو كانت موزعة على بعض المستفيدين كرزق وإقطاعات ـ إلى الملكية الخاصة للأفراد.
ومن ناحية أخرى تحول جزء كبير من تلك الأراضي التي أصبحت أملاكا إلى أوقاف، بعضها أوقاف خيرية مرصودة على جهات البر المختلفة، والبعض الآخر أوقاف أهلية مرصودة على واقفيها وذراريهم وعتقائهم، وفي الحالتين كانت تلك الأراضي تعفي على ما يبدو من الضرائب بأنواعها المختلفة، الأمر الذي يعنى انخفاض موارد الدولة المالية ودخلها العام. لهذا السبب يبدو مما ورد في الدفاتر المالية أن وقف الأراضي الزراعية كان يحتاج أحيانا إلى استصدار مراسيم سلطانية شريفة، تسمح للمالك بوقف ما يملك.
ولا شك في أن ذلك الوضع الجديد، كان له تأثير سلبي على النظام الإقطاعي، حيث انخفضت بشكل ظاهر مساحة الأرض المتاحة للدولة كي تمنحها للأمراء كإقطاعات، وينصب التأثير السلبي على الجوانب السياسية والاجتماعية للنظام الإقطاعي أكثر مما ينصب على الجوانب الاقتصادية لذلك النظام، حيث إن معظم الأراضي المباعة آلت إلى حائزيها السابقين، ومن هنا فلا نستطيع القول إن دخل الأمراء الذي يحصلون عليه من ريع الأرض الزراعية قد انخفض نتيجة لبيع أملاك بيت المال، لكنه من المؤكد أن تحول الأمراء من مقطعين إلى ملاك قد أسهم ــ مع عوامل أخرى ــ في انهيار علاقات الولاء الإقطاعي، وحقق لأولئك الأمراء قدرا أكبر من الشعور بالاستقلال عن الدولة وعن سلطانها.
وعلى الرغم مما سبق فإننا لا نستطيع القول بأن ما حدث كان ظاهرة سلبية في مجملها، فنظام الإقطاع الحربي المملوكي بصورته التي وصل إليها في أواخر عصر الجراكسة، كان قد أصبح عقبة في طريق المجتمع المصري، ومن هنا فلم يكن انهيار ذلك النظام أمرا سلبيا إذا ظهر البديل الملائم. هل كان بيع أملاك بيت المال أو الخصخصة بلغة عصرنا يسهم في ظهور مثل هذا البديل؟
المصدر: موقع صحيفة الشروق المصريّة ـ 7/ 8/ 1431

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى