مراقبة الناظر ومحاسبته وتضمينه وعزله
للدكتور خالد عبدالله الشعيب
“وقفنا ـ الخميس 11 صفر الخير 1428”
فيما يلي جزء من أطروحة الدكتوراه التي كتبها الدّكتور خالد عبد الله الشّعيب، وكانت بعنوان “النّظارة على الوقف” والتي طبعتها الأمانة العامة للأوقاف بالكويت ، سنة 2006 م ضمن سلسلة الرسائل الجامعية والجزء المنشور أدناه جزء من الباب الرابع وجاء تحت عنوان “مراقبة الناظر ومحاسبته وتضمينه وعزله”، وهو من الموضوعات الهامّة
بالنّسبة للباحثين ونظّار الأوقاف. وقد أذنت الأمانة العامة للأوقاف بالكويت ـ مشكورة ـ بنشره في موقع وقفنا.
الباب الرابع
“مراقبة الناظر ومحاسبته وتضمينه وعزله”
إن الناظر عندما يؤدي أعمال النظارة فإنه يؤديها منفردا لا يشاركه فيها أحد إن كانت نظارته فردية , وهي الغالب في النظارة
فأعمال النظارة حق خالص للناظر لا يجوز لغيره أن يباشرها إلا بإذن من الناظر وموافقته ([1])
ولما كانت الأوقاف من المصالح العامة في الغالب أو تؤول إليها والناظر ينفرد بأعمالها كان لابد من متابعة أعمال الناظر ،إذ ليس كل أحد يحسن التصرف ، وليس كل أحد أميناَ لا يخون.
وقد أوكل الفقهاء هذه المهمة إلى القاضي إذا كانت ولايته عامة أو كان قد خصه الحاكم بالنظر في الأوقاف ، فأصبح هو الذي يتابع أعمال الناظر ويشرف عليها ([2]).
وتتمثل متابعة أعمال الناظر في مراقبة الأعمال التي يؤديها الناظر ومدى موافقتها للأحكام الشرعية ومصلحة الوقف، ثم محاسبته وتضمينه ما فوته على الوقف من مال ثم عزله إن ظهر موجب لعزله.
وسنتولى بيان ذلك في ا لفصول التالية :
الفصل الأول
(( مراقبة أعمال الناظر ومحاسبته ))
يشمل هذا الفصل علي مبحثين :
المبحث الأول
((مراقبة أعمال الناظر ))
من أعمال القاضي مراقبة النظار فيما يجرونه من أعمال تتعلق بالأوقاف التي تحت تصرفهم ([3]) .
فيعتبر القاضي ناظرا عاما ينظر في عموم الأوقاف ‘ ونظره عليها نظر مراقبة ورعاية وإحاطة وليس نظر تصرف :لأن الذي يتصرف هو الناظر الخاص ، إما القاضي فإنه يراقب تصرف الناظر الخاص ويتابع أعماله([4]), حتى لو شرط الواقف ألا يراقب القاضي الناظر كان شرط باطلا.
قال أبن عابدين)[5]) لو شرط الواقفون أن العزل والنصب وسائر التصرفات لمن يتولى من أولاده ولا يداخلهم أحد من القضاة والأمراء، وإن داخلهم فعليهم لعنة الله كانوا هم الملعونين : لأنهم أرادوا بهذا الشرط أنه مهما صدر من الناظر من فساد لا يعارضه أحد, وهذا شرط مخالف للشرع وفيه تفويت المصلحة للموقوف عليهم وتعطيل الوقف فلا يقبل ([6]).
ويراقب القاضي أعمال الناظر بطريقتين :
الطريقة الأولى : أن يتولى القاضي بنفسه مراقبة أعمال الناظر
والإشراف عليه . فأن فعل الناظر ما لا يسوغ له فعله اعتراض عليه القاضي([7]).
الطريقة الثانية : أن يضم القاضي للناظر ثقة أمنيا,وأطلق عليه الحنفية ناظر حسبة ([8]). ويكون ذلك في حالات ثلاثة:
· الحالة الأولى:
أن يكون الناضر الخاص ضعيفا بحيث لا يقوم بإدارة الوقف بصورة مرضية فيظهر منه تقصير أو تفريط في أعمال النظارة فأن القاضي يضم إليه قويا أمنيا يساعده في إدارة شؤون الوقف فيحصل المقصود من حفظ الوقف واستصحاب يد من أراده الوقف ([9]) .
واختلف الفقهاء على قولين في استقلال الناظر الأصيل يستقل بالتصرف حينئذ .
o القول الأول: للحنفية ، وهو أن الناظر الأصيل يستقل بالتصرف إذا ضم إليه ناظر لإعانته بسبب ضعفه ([10]) .
o القول الثاني: للحنابلة, وهو أن الناظر الأصيل لا يستقيل بالتصرف بل لابد من رجوعه إلى رأي الثاني ولا يتصرف إلا بإذنه([11]). وهو ما يفهم من مذهب ألمالكية([12]). والشافعي([13]). والإمامية ([14]).
ما نرى الأخذ به :
ونرى الأخذ إليه الحنفية: لأن الغرض من ضم ناظر إلى الناظر الأصلي في حال ضعفه يختلف عن الغرض من ضم ناظر إلية في حال الشك في أمانته ، إذ إن الغرض من الضم الأول هو مساعدة الناظر الأصلي في أداء مهام النظارة على أحسن وجه وبما يحقق المصلحة للوقف. فكان الناظر الأصلي أن يستقل بالتصرف في المهام التي يقدر على أدائها، ويُطلب من الناظر المضموم إليه أداء الأخرى.
الحالة الثانية :
إذا طُعن في الناظر واتهمه بعض الناس بالخيانة لكن لم تقم بينة عليه بذلك فإن للقاضي أن يضم إليه ثقة أمينا يراقبه في أعماله ويشاركه في النظارة على الوقف: لأنه بذلك يحصل على المقصود من حفظ الوقف ودفع ضرر الناظر الخاص عن الوقف إن وجد ([15]) .
قال الطرسوسي([16]) إنه بمجرد الطعن في الناظر يسوغ للحاكم أن يُدخل معه غيره إذا رآه من غير ثبوت ذلك عليه عنده، ولا يجوز العزل بمجرده من غير بيان خيانة ظاهرة، ففي الإدخال يكفي مجرد الطعن بلا ثبوت، وفي العزل والإخراج لابد من الثبوت لما يوجب ذلك من ظهور خيانة ([17]) .
وإذا ضم القاضي إلى الناظر المتهم ثقة فإن الناظر يرجع إلى رأي الثقة في أعمال النظارة، ولا يتصرف إلا بإذنه ليحصل الغرض من نصبه([18]) .
الحالة الثالثة :
إذا جعل الواقف النظارة لفاسق أو عدل ففسق فإن القاضي يضم إليه ناظراً أميناً عدلاً جمعاً بين الحقين، العمل بشرط الواقف، وحفظ الوقف([19]) .
المبحث الثاني
“محاسبة الناظر”
المحاسبة في اللغة : مصدر حاسب، وهو مناقشة الحساب والمجازاة، يقال حاسبه محاسبة وحساباً، ناقشه الحساب وجازاه ([20]) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للمحاسبة هنا عن المعنى اللغوي، فالمقصود بمحاسبة الناظر هو مناقشته فيما يجريه من تصرفات مالية متعلقة بالوقف([21]) .
وقد أعطى الفقهاء حق محاسبة الناظر لاثنين هما: المستحقون، والقاضي، وبيان ذلك فيما يلي :
المطلب الأول
“محاسبة المستحقين الناظر”
أجاز الفقهاء للمستحقين إذا كانوا معينين محاسبة الناظر ومطالبته ببيان ما استفاده الوقف من غلة والأوجه التي اتبعها في الصرف([22]).
واستدلوا على ذلك بما يلي :
1. إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحاسب عامله على الصدقة([23]) ، مع أن له ولاية صرفها والمستحق غير معين، فبالأولى إذا كان المستحق معيناً ([24]) .
2. ولأن المستحقين المعينين يملكون منافع الوقف وغلاته، والناظر عندما يتصرف إنما يتصرف فيما يملكون ولهذا كان لهم مساءلته ومحاسبته .
قال الحنابلة : لأهل الوقف مساءلة الناظر عما يحتاجون إلى عمله من أمور وقفهم حتى يستوي علمهم فيه وعلمه([25]) .
وصرح الحنفية بأنه إذا تحاسب ناظر الوقف مع المستحقين على ما قبضه من غلة الوقف في سنة معلومة وما صرفه في مصارف الوقف الضرورية وما خص كل واحد منهم من فاضل الغلة، وصدقة كلٌ منهم على ذلك وكتب كل منهم وصولاً بذلك فليس لهم نقض المحاسبة بدون وجه شرعي([26]).
المطلب الثاني
“محاسبة القاضي الناظر”
يملك القاضي حق محاسبة الناظر سواء اتهم الناظر أو لم يُتهم ، لأن القاضي ناظر عام يرعي شؤون الأوقاف ويُشرف على النظار، فكان له حق محاسبة كل ناظر خاص([27]) .
بل صرح ابن نجيم([28]) بأن محاسبة القاضي الناظر واجبة عليه، ورتب على ذلك أنه يجوز للقاضي أخذ الأجرة على الكتابة ولا يجوز له أخذ الأجرة على نفس المحاسبة.
واستفاد ابن نجيم ذلك مما جاء في البزازية من أنه إن كتب القاضي سجلاً أو تولى قسمة وأخذ أجرة المثل له ذلك، ولو تولى نكاح صغيرة لا يحل له أخذ شيء لأنه واجب عليه, وكل ما وجب عليه لا يجوز أخذ الأجر عليه وما لا يجب عليه يجوز أخذ الأجر ([29]).
قال: فقد استفيد منه أنه يجوز للقاضي الأخذ على نفس الكتابة ولا يجوز له الأخذ على نفس المحاسبات لأن الحساب واجب علية ([30]).
واختلف الفقهاء على ثلاثة أقوال في كيفية محاسبة الناظر وقبول قوله:
· القول الأول : للحنفية والمالكية, حيث فرقوا بين كون الناظر أمينا وبين كونه غير أمين.
فقال الحنفية: لو كان الناظر معروفا بالأمانة فإن القاضي يكتفي منه بالإجمال في المحاسبة ولا يجبره على التفصيل، ويقبل قوله بلا بينة في صرف غلة الوقف فيما لا يكذبه الظاهر([31]).
ثم فصلوا القول في قبول قول الناظر في حالة الإنكار بين إنكار المستحقين الصرف لهم وبين إنكار أرباب الوظائف الصرف لهم.
أ) فذهبوا إلى أنه إن ادعى الناظر الأمين الصرف إلا المستحقين وأنكر المستحقون ذلك فانه يقبل قول الناظر فيما يدعيه من الصرف إلى المستحقين بلا بينة: لأن هذا من جملة عمله في الوقف([32])، ولأنه أمين والأمين إذا ادعى إيصال الأمانة إلى مستحقيها قبل قولة([33]).
واختلفوا في تحليفه :
فذهب بعضهم منهم الناصحي([34]) والخير الرملي([35]) وأبن نجيم([36]) إلى أنه يحلف([37]).
وذهب بعضهم منهم حامد أفندي العمادي([38]) والحصكفي([39]) إلا إنه لا يحلف([40]).
ب) وإن ادعى الناظر الأمين الصرف إلي أرباب الوظائف وأنكروا ذلك فقد اختلفوا في قبول قوله على قولين:
· القول الأول: لأغلب الحنفية، وهو أنه يقبل قول الناظر في الدفع لأرباب الوظائف، لأنه أمين والأمين إذا ادعى إيصال الأمانة إلى مستحقيها قبل قوله([41]).
· القول الثاني : للمفتي أبى السعود العمادي([42]) وهو إنه لا يقبل قول الناظر في الدفع لأرباب الوظائف لأن ما يأخذه أرباب الوظائف هو من قبيل الأجرة في الإجارة. والناظر لو استأجر شخصا لمصلحة الوقف ثم ادعى الدفع إليه لم يقبل قوله، فكذا هنا.
وقد استحسن هذا الرأي التمرتاشي وابن عابدين([43]).
قال ابن عابدين : تفصيل المولى أبي السعود في غاية الحسن باعتبار التمثيل بالأجرة إذا استعمل الناظر رجلاَ في عمارة يحتاج ألي البينة في الدفع له فهي مثلها، وقول العلماء محمول على الموقوف عليهم من الأولاد لا أرباب الوظائف المشروط عليهم العمل، ألا ترى أنهم إذا لم يعملوا لا يستحقون الوظيفة فهي كالأجرة لا محالة وهو كأنه أجير، فإذا اكتفينا بيمين الناظر يضيع عليه الأجر لاسيما نظار هذا الزمان([44]).
وقد ذكر الحنفية حالةَ يُحلَّفُ فيها الناظرُ الأمينُ وهى ما إذا اتهم القاضي الناظر فإنه يحلفه وإن كان أمينا، كالمودع يدعى هلاك الوديعة أو ردها.
قال بعضهم: إنما يستحلف إذا ادعى علية شيئاً معلوماً، وقيل: يُحلف على كل حال وهو الصحيح([45]).
_ وإن كان الناظر غير أمين فإن القاضي لا يكتفي منه بالإجمال ويجبره على تقديم الحساب بالتفاصيل، وتفسير ما دخل وما خرج من غلة الوقف، فإن امتنع أو ماطل أحضره يومين أو ثلاثة يخوفه ويهدده ولا يحبسه، فإن قدم الحساب وإلا اكتفى القاضي منه باليمين([46]).
الحالات التي يطالب فيها الناظر بالبيئة:
وقد ذكر الحنفية حالات لا يقبل فيها قول الناظر ولو حلف وأنه لابد من البينة لإثبات قوله وهي :
1. إذا ادعى الناظر أمرا يكذبه الظاهر فإنه لا يقبل قوله ولو كان أمينا بل تزول عنه الأمانة وتظهر الخيانة فلا يُصدق قولُه ولو بيمينه([47])
2. إذا ظهرت خيانة الناظر فإنه لا يصدق قوله ولو بيمينه([48]).
3. إذا اتصف الناظر بالصفات المخالفة للشرع التي صار بها فاسقاً فإنه لا يقبل قوله فيما صرفه إلا ببينة([49]) .
4. إذا كان الناظر مفسداً مبذراً فإنه لا يقبل قوله بصرفه مال الوقف بيمينه وبه أفتى العلامة أبو السعود([50]) .
وقال المالكية : إن اشترط الواقف في أصل الوقف أن لا يصرف الناظر شيئاً إلا بمعرفة شهود فإن الناظر لا يُصدق فيما ادعاه في صرف الغلة وإن كان أميناً إلا بشهادة الشهود عملاً بشرط الواقف.
فإن لم يشترط الواقف ذلك فإن الناظر يُصدق بلا يمين فيما ادعاه في صرف الغلة إن كان أمينا إذا كان ما ادعاه يشبه ما قال .
فإن لم يكن أمينا أو كان ما ادعاه لا يشبه ما قال أو اتهمه القاضي فإنه لا يصدق إلا بيمين([51]) .
· القول الثاني : للشافعية , وفرقوا في محاسبة الناظر بين كون الموقوف عليهم معينين وبين كونهم غير معينين .
فإن كان الموقوف عليهم معينين وادعى الناظرُ صرف الغلة لهم فلا يصدق في ذلك القول قولهم في عدم الصرف لهم, ولهم مطالبته بالحساب لأنهم لم يأتمنوا الناظر .
أ) وإن كان الموقوف عليهم غير معينين وادعى الصرف لهم فإنه يصدق في قدر ما أنفقه عند الاحتمال, وللقاضي مطالبته بالحساب في أوجه الوجهين, وإن اتهمه حلفه([52]) .
قال الشهاب الرملي:([53]) إن كان الوقف لأقوام معينين ثبت لهم المطالبة بالحساب, وإن لم يكونوا معينين فهل للإمام مطالبته بالحساب وجهان, قال الأذرعي:([54]) والأقرب المطالبة وعليه العمل, ويحتمل أن يقال إنما يكون له ذلك عند ظهور ريبة أو تهمة لا مطلقاً لما فيه من التعنت من غير مقتضٍ, وقول الأذرعي “والأقرب المطالبة” وهو الأصح([55]) .
وحكى الرافعي([56]) عن العبادي([57]) أن القيم لا يحبس إلا في دين وجب بمعاملته([58]) .
· القول الثالث : للحنابلة , حيث فرقوا في محاسبة الناظر بين كونه متبرعاً وبين كونه غير متبرع .
أ) فإن كان الناظر متبرعا في عمله في النظارة وادعى الصرف إلى المستحقين أو ادعى صرف الغلة في مصالح الوقف وأنكروا ذلك فإن القول قول الناظر بيمينه, لأنه قبض المال لنفع مالكه فقط فُقبل قولُه فيه كالوصي والمودَّع المتبرع .
وإن كان الناظر غير متبرع يعمل بالأجر فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه قبض العين لحظة فلا تقبل دعواه إلا ببينة([59])
ومما سبق نستخلص ما يلي :
1) أن الناظر يقبل قوله بلا يمين ولا بينة في الحالات التالية :
أ) إذا كان أمينا وادعى الدفع إلى المستحقين عند المالكية وبعض الحنفية .
ب) إذا كان أمينا وادعى الدفع إلى أرباب الوظائف عند أغلب الحنفية .
ج ) إذا كان الموقوف عليه غير معين وادعى الناظر الصرف إليه عند الشافعية .
2 ) ويقبل قوله بيمين في الحالات التالية :
أ) إذا كان الناظر أمينا وادعى الدفع إلى المستحقين عند بعض الحنفية .
ب) إذا اتهم القاضي الناظر عند جميع الفقهاء .
ج) إذا كان الناظر غير أمين ولم يقدم حساباً تفصيلياً عند الحنفية .
د) إذا كان الناظر غير أمين وكان ما ادعاه لا يشبه ما قال عند المالكية .
هـ) إذا كان الناظر متبرعاً عند الحنابلة .
3) ولا يقبل قوله إلا ببينة في الحالات التالية :
أ) إذا ادعى الناظر الصرف إلى أرباب الوظائف عند المفتي أبي السعود من الحنفية .
ب) إذا ادعى الناظر أمرا يكذبه الظاهر ولو كان أمينا عند الحنفية .
ج) إذا ظهرت خيانة من الناظر عند الحنفية .
د) إذا اتصف الناظر بالصفات المخالفة للشرع التي يصير بها فاسقاً عند الحنفية .
هـ) إذا كان الناظر مفسداً مبذراً عند المفتي أبو السعود .
و) إذا اشترط الواقف على الناظر البينة عند الصرف عند المالكية .
ز) إذا ادعى الناظر الدفع إلى الموقوف عليهم وكانوا معينين عند الشافعية .
ح) إذا كان الناظر غير متبرع عند الحنابلة .
ما نرى الأخذ به :
ونرى أن الناظر الأمين يقبل قوله بلا يمين فيما ادعاه في صرف الغلة وهي الدفع إلى المستحقين شأنه ف ذلك شأن سائر الأمناء سواء كان الموقوف عليه معينا أو غير معين
فإن كان الناظر غير أمين أو كان أميناً واتهمه القاضي أو طُعن في أمانته ولم تقم بينة على ذلك فإنه يقبل قوله بيمينه؛ لأنه في هذه الحالة استوى جانب الصدق وجانب الكذب فيما ادعاه الناظر, فإذا قرن قوله باليمين فإنه يترجح جانب الصدق على جانب الكذب .
فإذا ظهرت خيانة من الناظر أو ادعى أمرا يكذبه الظاهر فإنه لا يقبل قوله لانتفاء الأمانة منه ولا بد من إثبات ما ادعاه بالبينة .
كما نرى الأخذ بما أفتى به أبو السعود من أنه لا يقبل قول الناظر في الدفع لأرباب الوظائف؛ لأن الناظر لا يعتبر أميناً في حق هؤلاء إذ العلاقة بينهم وبين الناظر علاقة عقدية في عقد معاوضة محضة فلا يقبل قوله في الدفع لهم .
وما ذكره المالكية من أنه لا يكفي قول الناظر عند اشتراط الواقف عليه البينة فيما يجريه من تصرفات مالية جدير بالاعتبار, ولا ينبغي أن يخالف في ذلك أحدٌ من الفقهاء لاتفاقهم على وجوب العمل بشرط الواقف.
ويجاب عما استدل به الشافعية من أن الموقوف عليه المعين لم يأتمن النظر فلذلك لا يقبل قوله في حقه بأن من له ولاية تفويض النظارة – وهو عندهم الواقف والقاضي – قد ائتمن الناظر.
والعبرة بائتمان من له ولاية تفويض النظارة لا بائتمان الموقوف عليه, سواء كانت ولاية التفويض للواقف أو للقاضي .
أما الواقف فلأن غرضه من الوقف هو تحصيل الثواب على الدوام فلا يولي على وقفه إلا أميناً ثقة يحفظ الوقف ويحقق مصالحه ويراعي شروط الواقف .
وأما القاضي فلأنه ناظر عام, وهو مسؤول عن جميع الأوقاف فلا يولي عليها إلا من يثق بأمانته ودينه, فإذا ما نصب واحدا منهما ناظراً فقد ائتمنه على الوقف وقبل قوله فيما هو أمين عليه .
ويجاب عما استدل به الحنابلة من أن الناظر غير المتبرع قد قبض الوقف لحظة فلا تقبل دعواه إلا ببينة بأن الناظر لم يقبض الوقف لحظة فقط بل لحظة وحظ الموقوف عليه, والقاعدة عندهم كما أوردها ابن رجب([60]) في قواعده أن كل من قبض العين لمصلحته ومصلحة المالك على غير وجه التمليك لعينه كالرهن والمضاربة والشركة والوكالة بجعل والوصية فهو أمين على المذهب([61]) .
والناظر غير المتبرع لا يختلف عن هؤلاء فهو أمين كهؤلاء .
[1] – نهاية المحتاج 5/397، وتحفة المحتاج 6/285، ومفتاح الكرامة 9/42 . [2] – الأحكام السلطانية للماوردي ص70 . [3] – الأحكام السلطانية للماوردي ص 70 . [4] – حاشية ابن عابدين على الدر المختار3/389، نهاية المحتاج 5/400، وتحفة المحتاج 6/290، وكشاف القناع 4/273. [5] – ابن عابدين تقدمت ترجمته ص 68. [6] – حاشية ابن عابدين مع الدر المختار 3/390. [7] – تحفة المحتاج 6/289، كشاف القناع 4/273، البحر الزخار 4/165، وشرح الأزهار 3/489. [8] – البحر الرائق 5/253، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 3/430. [9] – حاشية ابن عابدين 3/431، [10] – الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 3/430. [11] – كشاف القناع 4/273. [12] – الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4/453، ومواهب الجليل 6/397. [13] – الإقناع مع حاشية البجيرمي 3/298 – 299. [14] – الروضة البهية 5/73. [15] – حاشية ابن عابدين على الدر المختار 3/384، 419، والإسعاف ص 54، والعقود الدرية 1/221، كشاف القناع 4/273، والبحر الزخار 4/165، وشرح الأزهار 3/489. [16] – الطرسوسي تقدمت ترجمته ص 175. [17] – أنفع الوسائل ص 132. [18] – الدر المختار ورد المحتار 3/430. [19] – كشاف القناع 4/270، ومفتاح الكرامة 9/41. [20] – لسان العرب 1/314، والمعجم الوسيط 1/171. [21] – الدر المختار ورد المحتار 3/ [22] – تحفة المحتاج مع حواشيها 6/292، مغني المحتاج 2/394، كشاف القناع 4/277. [23] – يدل عليه ما أخرجه البخاري في كتاب الهبة باب من لم يقبل الهدية لعلة، ومسلم في كتاب الإمارة باب تحريم هدايا العمال من حديث أبي حميد الساعدي قال : “استعمل رسول لله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على صدقات بني سُليم يُدعى ابن الأتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً؟ ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ، فأني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً، والله لا يأخذ احد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقى الله يحمل بعيراً له رُغاء، أو بقرة لها خوار أو شاة تَيعر، ثم رفع يديه حتى رُؤي بياض إبطيه ثم قال: اللهم هل بلغث”. [صحيح البخاري 2/235 ط دار إحياء التراث العربي – بيروت،، وصحيح مسلم 3/1463 – 1464ط عيسى الحلبي 1955م، واللفظ لمسلم ]. [24] – الفروع لابن مفلح 4/599 ط عالم الكتب بيروت 1985م. [25] – كشاف القناع 4/277. [26] – العقود الدرية 1/204. [27] – البحر الرائق 5/262، 263، والمعيار المعرب 7/145، وتحفة المحتاج مع حواشيها 6/292، والإنصاف 7/68. [28] – ابن نجيم تقدمت ترجمته ص 68. [29] – البحر الرائق 5/263. [30] – البحر الرائق 5/262. [31] – الدر المختار ورد المحتار 3/425، والعقود الدرية 1/227، 201. [32] – الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 3/425، والعقود الدرية 1/201. [33] – الأشباه والنظائر لابن نجيم ص275. [34] – الناصحي تقدمت ترجمته ص 200. [35] – الخير الرملي تقدمت ترجمته ص 200. [36] – ابن نجيم تقدمت ترجمته ص 68. [37] – حاشية ابن عابدين 3/425، والعقود الدرية 1/201، والأشباه والنظائر ص275. [38] – حامد أفندي (؟-985هـ) هو حامد بن علي القونوي، فقيه حنفي مفتي الإسلام، ولد بقونية، وطلب العلم في كبر بعد أن ذهب شبابه لكنه أكب على الطلب ولازم الأفاضل منهم المولى سعدي والمولى القادري ثم تنقل مدرساً في المدارس إلى أن قلد قضاء الشام ثم قضاء مصر ثم قضاء قسطنطينية ثم أصبح مفتياً للدولة العثمانية ودام في الفتوى إلى أن توفى.من تصانيفه: “الفتاوى الحامدية”.
[شذرات الذهب 8/407، وهدية العارفين 1/260 ط استانبول 1951م. [39] – الحصكفي تقدمت ترجمته ص 176. [40] – الدر المختار مع ابن عابدين 3/425، والعقود الدرية 1/201. [41] – الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 275، والعقود الدرية 1/202، والدر المختار مع ابن عابدين 3/425. [42] – المفتي أبو السعود تقدمت ترجمته ص 125. [43] – الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 3/425، والعقود الدرية 1/202-203. [44] – العقود الدرية 1/203. [45] – البحر الرائق 5/262، وحاشية ابن عابدين 3/425، قال الحصكفي: لا تحليف على مجهول إلا في ست:إذا اتهم القاضي وصي يتيم، ومتولي وقف، وفي رهن مجهول، ودعوى سرقة، وغصب، وخيانة مودع.
(أنظر الدر المختار بهامش ابن عابدين 4/448، وحاشية ابن عابدين 3/425).
[46] – الدر المختار مع ابن عابدين 3/425، والبحر الرائق 5/262، والعقود الدرية 1/227. [47] – العقود الدرية 1/227-228، وحاشية ابن عابدين 3/425. [48] – المراجع السابقة. [49] – حاشية ابن عابدين 3/425. [50] – العقود الدرية 1/201، وحاشية ابن عابدين 3/425. [51] – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/89، ومواهب الجليل 6/40، والمعيار المعرب 7/145. [52] – مغني المحتاج 2/394، وتحفة المحتاج مع حواشيها 6/292. [53] – الشهاب الرملي تقدمت ترجمته ص 197. [54] – الأذرعي تقدمت ترجمته ص 127. [55] – حاشية الشهاب الرملي على شرح روض الطالب 2/476. [56] – الرافعي تقدمت ترجمته ص 299. [57] – العبادي (375-458هـ) هو محمد بن أحمد بن محمد بن عباد القاضي أبو عاصم العبادي الهروي، من كبار فقهاء الشافعية وأعيانهم، كان إماماً دقيق النظر، أخذ الفقه عن القاضي أبي منصور الأزدي، والقاضي أبي عمر البسطامي، والأستاذ أبي إسحاق الاسفرايين وغيرهم، وأخذ عنه أبوسعد الهروي وابنه أبوالحسن العبادي وغيرهما، نقل عنه الرافعي في مواضع عدة.من تصانيفه: “المبسوط” ، و “الهادي”، و “الزيادات”، و” زيادات الزيادات”، و “طبقات الفقهاء”.
[طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/232، وطبقات الشافعية لابن هداية 56]. [58] – الأشباه والنظائر للسيوطي ص491 ط دار الكتب العلمية بيروت 1983م. [59]- كشاف القناع 3/485، 4/269. [60]- ابن رجب تقدمت ترجمته ص 303. [61]- القواعد لابن رجب ص 61.