المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات المالية نحو الأوقاف
بقلم: الدكتور أحمد بن محمد المغربي
المتداول بين المهتمين أن الهدف الذي تسعى المؤسسات المالية إليه يتمثّل في تعظيم ثروة المُلاَّك. وبالتالي فإنّ جميع عمليات هذه المؤسسات تتلخّص في كيفية تخفيض ما يردها من المُلاَّك وتعظيم ما يعود إليهم من أرباح. وعلى هذا استقرّ في نفوس الكثيرين أنّ تلك المؤسسات تأخذ من الآخرين ـ أي المجتمع ـ الكثير وتعطيه القليل. وقد شعرت البيئة الرأسمالية التي نشأت فيها هذه المؤسسات بعد أحوال وظروف زمانية ومكانية بمغبّة ما استقرّ في بعض النفوس حولها فاضطرت إلى سلوك مخرج أطلق عليه “المسؤولية الاجتماعية”.
كان الهدف من “المسؤولية الاجتماعية” أول الأمر هو التخفيف من المشاعر الحادّة نحو المؤسسات، وإيجاد نوع من التوازن بين ما تستفيده هذه المؤسسات وأمثالها من المجتمع وما تقدمه له من خدمات . ومع مرور الأيّام تبيّن أن للمسؤولية الاجتماعية منفعة أخرى إذ صار حبّ الخير وخدمة المجتمع وسيلة مشرقة تروّج به تلك المؤسسات لأنشطتها المالية.
ثمّ نتج عن ممارسة “المسؤولية الاجتماعية” إيجابيات لعلها لم تكن في الحسبان من قبل؛ بعضها أثّر على الكيانات الداخلية للمؤسّسات عموما مثل الحوكمة، وحقوق العاملين. وبعضها أثّر على المجتمعات فطوّرها وحسّنها.
أمّا بالنسبة لعالم الأوقاف فإنّ المؤسسات المالية قد استفادت في الآونة الأخيرة من تمويل مشروعاتها الاستثمارية بشكل ملحوظ حقّق مكاسب كبيرة لتلك المؤسسات. وجميع التوقعات ترجّح استمرار هذه الاستفادة وازديادها في المستقبل المنظور. بينما لا زال الحراك الوقفي عموما خاضعا للأمزجة والرغبات الشخصية والمحاكاة. الأمر الذي يتضح بجلاء في معظم الفعاليات والأنشطة الوقفية على مختلف الأصعدة خاصة في الجانب المتعلّق بالتأثير المفترض على المجتمع؛ فإن نصوص بعض الوثائق الوقفية التي صيغت في الآونة الأخيرة توضّح أنّ أجود ما فيها هو جانب استثمار الوقف وأنواعه. أمّا جانب المصارف فعلى العكس. مع أنّه لبّ الوقف وثمرته.
وعليه فلا ينبغي تأخير ظهور “المسؤولية الاجتماعية” نحو الأوقاف إلى يوم نضطرّ إليها اضطرارا. والدواعي للتعجيل بذلك دينيّة ودنيويّة أجلّ من أن تحصى. فالأوقاف هي الصدقة الجارية التي يستمر ثوابها، وهي التي أسهمت بتميّز في تشكيل حضارة المسلمين. وهي التي ينتظر أن تؤثّر إيجابيا في مستقبلنا. وفضلا عن ذلك ما بتوقع من منافع تماثل ما انعكس على المجتمعات وعلى المؤسسات عموما في العالم الرأسمالي.
وإذا أريد تحويل هذا الأمل المنشود إلى واقع فإنّ المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الماليّة تجاه الأوقاف يفترض أن تبدأ من داخل تلك المؤسسات بإحصاء عدد العاملين ـ لاسيما في الإدارة العليا ـ الملمين بفقه الوقف وفضله وتاريخه، ودوره في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية؛ لزيادة عددهم ورفع مستوى إلمامهم بصفة دورية.
ثمّ إنّ من المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات المالية تجاه الأوقاف وجود إدارة فيها تختصّ بالأوقاف. ومن تلك المسؤولية إجراء إحصائيات ودراسات وأبحاث تمكّن من وضع خريطة ترشد الواقفين إلى مكامن وأماكن حاجات المجتمع، وتتناسب مع الأموال المتوفّرة لديهم. ومن تلك المسؤولية توجيه الراغبين في الوقف والنظارـ بكيفية علمية ـ للمبادرة بأوقاف لحماية البيئة وإصلاح عيوب المجتمع. ومن تلك المسؤولية توسيع فرص تمويل الأوقاف الصغيرة وتوجهها نحو مصارف تنموية. ومن تلك المسؤولية دعم الأبحاث العلمية الوقفية والدراسات الاجتماعية والصحية والبيئية.
إنّ دراسة العالم الوقفي القائم وإجراء البحوث عليه والإحصائيات الحقيقية ليس من حيث كون الأوقاف بئرا من التريليونات التي تحتاج إلى من ينقّب عنها. ولكن من حيث ما يفترض أن يتوجّه من التريليونات الوقفية لإصلاح المجتمع دينيا ودنيويا، وسيكون لذلك تأثير إيجابيّ على خطط وأرباح المؤسسات المالية؛ فمن زرع حصد.
المصدر: موقع وقفنا ـ 21 / 6/ 1437 = 30/ 3/ 2016