كلمة لمعالي الدكتور أحمد محمد على رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية
“وقفنا ـ السبت 1 رجب الفرد 1426”
يعد الوقف الإسلامي أحد الركائز الأساسية للنهضة الإسلامية الشاملة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية ، فعلى مدى عقود طويلة مرت في تاريخ الأمة الإسلامية مارس
الوقف بمؤسسيته ونظامه الشمولي التنموي الرائد أدوراً بالغة الأهمية في تدعيم مختلف نواحي الحياة في الدولة المسلمة ، حتى غدت ” مؤسسة الوقف
الإسلامي التي نشأت وتطورت في ظل الحضارة الإسلامية من أكبر المؤسسات التمويلية التي عرفها التاريخ .
كما وأن الوقف بمفهومه الواسع ، وشموليته وتنوع أغراضه ، وعدم محدوديته ، واتساع آفاق مجالاته ، يعد أصدق تعبيراً وأوضح صورة للصدقة التطوعية الدائمة ، وهو تجسيد حي لقيم التكافل الاجتماعي التي تسري في كيان الأمة ، وتعبير صادق عن وعي الفرد المسلم بمسؤوليته الاجتماعية وإدراكه وتفاعله مع هموم وقضايا إخوانه المسلمين في كل مكان.
فمنذ أن سن رسول الله سنة الوقف الحميدة ، بإنشاء وقف عمر بن الخطاب الذي يعتبره الكثير من الفقهاء أول وقف مؤسسي متكامل الأركان في الإسلام ، تسابق الصحابة رضوان الله عليهم في الإقتداء بهذه السنة وسجلوا أروع الأمثلة في التطوع بأحب أموالهم إليهم . حتى إن جابراً رضي الله عنه قال :
( لم يكن أحد من أصحاب النبي ذو مقدرة إلا أوقف )
ولم يقتصر الاهتمام بالوقف عند عصر الدولة الإسلامية الأولى فحسب، بل شهدت الأوقاف عبر مختلف العصور الإسلامية ، نموّاً وتنوّعاً واتساعاً عظيماً ، وشاركت بنصيب وافر في بناء نهضة الأمة الإسلامية في مختلف المجالات ، وكان من تمام شمولية الوقف عدم اقتصاره على الاهتمام بالأغراض التقليدية كرعاية دور العبادة من مساجد وزوايا وتسبيل المياه ، بل شملت الأوقاف أيضاً أغراضاً تنموية مستحدثة اقتضتها ضرورات الاهتمام بأحوال المسلمين وتلبية احتياجاتهم .
ففي مجال التعليم تجاوز عدد المدارس التي أنشأتها الأوقاف المئات في القدس ودمشق وبغداد ونيسابور . وقامت جامعات معروفة عريقة منها جامعة القرويين في فاس وجامعة الأزهر في القاهرة وغيرها كثير في سائر الأمصار الإسلامية.
يضاف إلى ذلك العديد من المكتبات العلمية العامة التي كان يحوي البعض منها مئات الآلاف من المجلدات العلمية .
وفي مجال الرعاية الصحية قدمت الأوقاف مباني المستشفيات وتجهيزاتها ،ومختبرات العقاقير، وتكفلت بدفع رواتب الأطباء ، وأنشأت كليات الطب ورعت دراسات الصيدلة والكيمياء .
وشملت الأوقاف أنواعا خاصة من ذوي الحاجة كالأرامل والمطلقات وغيرهم وشملت أيضا الفنادق على طرقات الأسفار، والينابيع لسقيا عابري تلك الطرقات. وكان منها ما هو مخصص لرعاية الأطفال وتحرير الرقيق ، وتقديم مياه الشرب للقرى والمدن وغير ذلك من القطاعات الخدمية التي كانت مما تخصصت الأوقاف الإسلامية به خلال قرون طويلة .
ولم تقتصر رعاية الوقف على الإنسان فحسب بل امتدت لتشمل الحيوان فأنشأت الأوقاف مستشفيات لعلاج الدواب ، ومنها ما كان مخصصاً لإطعام الطيور في فصول الشتاء حينما يكسو الجليد المزارع وغيرها من الأغراض التي تعبر عن شمول الوقف وسعة مجالات عطائه .
وانطلاقاً من هذا الرصيد الحضاري الهائل ، واستجابةً لمتطلبات الوضع الراهن للأمة الإسلامية وتحقيقاً للتكامل المنشود بين مختلف مؤسسات الأوقاف المنتشرة في أرجاء المعمورة وتعزيزاً لجهودها المبذولة نحو إحياء سنة الوقف الطاهرة يأتي إنشاء الهيئة العالمية للوقف كمؤسسة عالمية تعني بقضايا الوقف وتسعى للنهوض به وتفعيل دوره الرائد في النهوض بالأمة وتلبية احتياجاتها.
كما ويأتي إنشاء الهيئة العالمية للوقف مواكباً لليقظة الوقفية التي تسري في أرجاء العالم الإسلامي الذي بات يشهد إقبالاً وتطوراً ملحوظاً في مجال عودة الاهتمام بالوقف ، وفي الوقت نفسه تكليلاً للجهود التي بذلها البنك الإسلامي للتنمية والدور الرائد الذي اضطلع به طوال سنوات سابقة في سبيل النهوض بالوقف والتي كان من أبرزها إنشاء صندوق وقف البنك الإسلامي للتنمية الذي توجه عوائده لتمويل عمليات المعونة الخاصة لقطاعي الصحة والتعليم للمجتمعات الإسلامية في الدول غير الأعضاء ، وللمساهمة في عمليات الإغاثة عند حدوث الكوارث الطبيعية .
وصندوق تثمير ممتلكات الأوقاف، الذي تم إنشاؤه استجابة لتوصية المؤتمر السادس لوزراء الأوقاف والشئون الإسلامية في الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في جاكرتا في شهر جمادى الآخر 1481هـ الموافق أكتوبر 1997م، بهدف توفير الموارد المالية اللازمة لتطوير عقارات الأوقاف التي تحتاج إلى تطوير .
والله ولي التوفيق
[الصدر:موقع الهيئة العالمية للوقف