مقالات

الوقف وآفاق تنميته وتوسيع دائرته

د. عبد المجيد محمد الجلال

“وقفنا ـ الإثنين 4 جمادى الأولى 1428”

يعد الوقف رافداً من روافد اقتصاد المسلمين، وهو على وجه آخر عَلَم على التراحم والتواصل والتكافل بينهم، فهو من أعظم القربات لله تعالى، وأجلّ الأعمال التي شرعها الله لعباده وندبهم إلى فعلها.. وأبرز مآثر الأمة الإسلامية، سُنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لأمته، وتسابق صحابته والمؤمنين في المبادرة إليه والمسابقة فيه.. بدافع الإيمان واحتساب الأجر والثواب.

وهو من الصدقات الجارية (الدائمة أو ذات الأجل) التي تحمل في آلياتها استمرارية متجددة من الريع والزيادة والنماء، وتحقق في الوقت نفسه منافع معيشية واجتماعية وثقافية مستمرة ومتجددة.. وقد شكلت بأنواعها الخيرية المختلفة العامة والأهلية رافداً مهماً من روافد إمداد المجتمع الإسلامي بالخير ونمائه، وعنصراً مساعداً لدعم عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأداة مهمة لإعادة توزيع الدخول والثروات لصالح الفئات المحتاجة من أفراد المجتمع، وقاعدة أساسية لترسيخ أسس التراحم والتواصل والتكافل بين المسلمين أفراداً وجماعات، وتنظيم الحياة بمنهج متوازن. وقد اتسمت موارد الأوقاف، وعلى امتداد العصور الإسلامية المتقدمة، ومع استمرار نمو المجتمع الإسلامي واستقراره، بالكثرة، والتنوع والتجدد، لتشمل مجالات أخرى ذات صلة باحتياجات أفراد المجتمع المتزايدة خلال الزمن، وقد كان لقطاعي التعليم والصحة (الخدمات الاجتماعية) النصيب الوافر من مجالات الأوقاف الإسلامية. وقد ظلت الأوقاف بهذا التعدد والتنوع معيناً للمحتاجين على اختلاف أحوالهم واحتياجاتهم، ورافداً مهماً في حماية الثغور الإسلامية. ومع تراكم حصيلتها وتنوعها، وتزايد غلاتها، وحفاظاً عليها من التعديات وأساليب الاحتيال والنصب، تم إخضاع الأموال الوقفية والقائمين عليها، لإشراف ومتابعة الهيئات القضائية، كما صدرت عدة أنظمة وقوانين لتنظيم شؤون الأوقاف، وكيفية إدارتها، وإجراء حساباتها، وفي العصور الإسلامية المتأخرة ظهرت الإدارة الحكومية كأداة للإدارة والإشراف خضعت لهيمنتها معظم الموارد الوقفية.

وإذا كانت العصور الإسلامية المتقدمة قد وقفت شاهداً على نمو الأوقاف وازدهارها، وتنوعها، وتجددها، واتساع آثارها الاقتصادية والاجتماعية، فإن العصور الإسلامية المتأخرة قد شهدت انحسار هذا المورد المهم، ومن ثم انحسار آثاره الاقتصادية والاجتماعية على احتياجات المجتمع.

ومن أبرز أسباب انحساره تقاعس المسلمين عن القيام بأعمال البر والخير على وجه العموم، وسُنة الوقف على وجه الخصوص؛ إذ غلب عليهم حب المال وشدة الحرص عليه، والشح وطول الأمل.

ومن أسباب انحساره كذلك إسناد نظارة الأوقاف إلى أشخاص يفتقدون مقومات الأمانة والنزاهة، والعدالة؛ ما أسهم – ومع ضعف الرقابة الفعّالة عليهم – في سوء الإدارة، وإهمال التطوير والصيانة للأملاك الوقفية؛ إذ تهدم بنيان بعضها وتصدع البعض الآخر، إضافة إلى إهمال العناية بمصالح المستحقين للوقف، واستغلال موارد الأوقاف وغلالها وفقاً لمصالح بعض النّظار أو المتولين وأهوائهم وأطماعهم، وتفسيراتهم المصلحية لشروط الواقفين. ومن الأسباب الأخرى لانحسار الأوقاف وتخلفها، غلبة الدول الاستعمارية على القسم الأكبر من أقطار الوطن الإسلامي، ومصادرتهم لكثير من أعيان الأوقاف القائمة آنذاك. ومنها استبداد الولاة والحكومات، وإصدارهم لقوانين تأميم الأوقاف ومصادرتها، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة، وحالات عدم الاستقرار السياسي التي عانت منها معظم أقطار المنظومة الإسلامية.

وقد اهتمّ كثير من العلماء والباحثين المعاصرين بإجراء الدراسات والأبحاث الهادفة إلى تحديد وتحليل عوامل الخلل والضعف والانحسار، واقتراح أساليب وطرق المعالجة، للنهوض بالأوقاف الإسلامية، وإحياء هذه السنة العظيمة، لتبسط من جديد دورها المجتمعي المهم في البناء والتنمية.

ومن أبرز أساليب المعالجة والبناء المقترحة للنهوض بالأوقاف الإسلامية:

أولاً: توافر الإرادة السياسية الداعمة لمهمات النهوض بالأوقاف الإسلامية.

ثانياً: نشر الوعي الديني بأهمية الإنفاق في سبيل الله على وجه العموم، وأهمية الوقف على وجه الخصوص، بما يجتمع فيه من أنواع الأجر والثواب، وعنصر الديمومة، وأنه وسيلة أساسية لسد احتياجات أهل الحاجات، وترسيخ مبادئ التكافل بين أفراد المجتمع، مصداقاً للتوجيه النبوي الكريم (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى). ومن المفيد توعيتهم بأهمية إدراج أشكال وصور وقفية جديدة تتجاوز الموروث الفقهي، مثل وقف الأسهم أو الحصص أو الوحدات في الصناديق الاستثمارية، والودائع الاستثمارية في المصارف الإسلامية، وكذلك توعيتهم بأهمية (الوقف الجماعي) كأداة لتجميع موارد وأموال وقفية لصالح الاحتياجات وأهل الحاجات.

ثالثاً: إصدار نظم وقوانين للأوقاف الإسلامية بنوعيها الخيري العام والخيري الخاص؛ لتحديد خصائصها، ومجالاتها، وتنظيم إدارتها، وصلاحيات النظار أو المتولين، وإيجاد البيئة القانونية والمحاسبية اللازمة لذلك. إضافة إلى مباشرة الدولة بتقديم التسهيلات المادية والفنية والضريبية لدعم تنمية الأوقاف الإسلامية وتفعيل دورها وأثرها في البناء الاقتصادي والاجتماعي لصالح المجتمعات الإسلامية.

رابعاً: صياغة خطة اقتصادية شاملة لتنمية الأوقاف وتطويرها وتوسيع مجالاتها، وزيادة غلالها، من خلال وضع النظم الكفيلة بإدارتها بصورة أكثر نزاهة، تتحسس الجوانب الاجتماعية والاقتصادية التي يحتاجها المجتمع، وتعرف كيفية توجيه عائدات الأوقاف إلى خطوط إنتاج أكبر، ولتعم فائدتها أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع، ومن خلال الاهتمام بالأملاك الوقفية القائمة، والعمل على ضبطها، وصيانتها، والمحافظة عليها، وعلى غلالها من حالات التعدي والاحتيال، ومعالجة المشكلات والصعوبات التي تواجهها، وكذلك من خلال العمل على البحث والتقصي عن أعيان الأوقاف الضائعة أو المغتصبة.

خامساً: إنشاء مؤسسات اقتصادية متخصصة (صناديق وقفية) تتولى إدارة شؤون الأملاك الوقفية وتنميتها، نظير جزء محدد من الريع أو النماء، بما ينسجم مع إرادة وشروط الواقفين من جهة، ونصوص الشريعة ومقاصدها من جهة أخرى، وفي إطار رقابة قضائية ومحاسبية فعالة.

إن طريق الإصلاح وإعادة بناء الأوقاف الإسلامية لتبسط من جديد أثرها الاقتصادي والاجتماعي على امتداد الوطن الإسلامي الكبير يحتاج إلى جهود ومبادرات خيِّرة على مختلف الصعد والاتجاهات.. إذا أردنا حقاً إعادة إحياء هذه السُّنة، وتفعيل دورها.

[المصدر: جريدة الجزيرة]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى