الشيخ عكرمة صبري يدعو إلى اكتشاف كنوز القدس
حث الشيخ عكرمة صبري خطيب المسجد الأقصى المبارك ورئيس الهيئة الإسلامية العليا, الباحثين وأساتذة الجامعات على التوجه إلى كنوز القدس وتقديم أبحاثهم ورسائلهم في الماجستير والدكتوراة من خلال استلهام كنوزها الزاخرة؛ وهي المدينة المقدسة التي تضاهي مكة والمدينة شأناً، وتفوقهما من حيث ما تحويه من تراث وكنوز دينية وتاريخية وعمرانية نادرة. جاء ذلك خلال أمسية قراءة في كتاب بمقهى الكتاب الثقافي بإدارة محمد زحايكة رئيس ناي الصحافة المقدسي بالمعلومات الثرية والغزيرة التي قدمها سماحة الشيخ وهو يستعرض ابرز محطات كتابه القيم الوقف الإسلامي بين النظرية والتطبيق، الطبعة الثانية، حيث أفاض في التعريف بالوقف الإسلامي وطبيعته وأهميته في الحياة العامة والاقتصادية على وجه الخصوص.
وقفيات فلسطين ..
وأوضح أن الوقف الإسلامي ينقسم إلى قسمين هما: النظري من استعراض للأحكام الفقهية المتعلقة بالوقف مع بيان مواقف العلماء والمدارس الفقهية والاجتهادية في هذا المجال. والقسم العملي الذي يتناول وقفيات لمشاريع خيرية وأعمال بر وتقرب إلى الله تعالى.
وأشار إلى انه قصر بحثه على النماذج الوقفية في فلسطين بشكل خاص الحافلة بوقفيات ذات أبعاد وموضوعات متعددة على مر العصور, لافتاً إلى أن الكتاب هو أطروحة دكتوراه قدمت إلى جامعة الأزهر بمصر ثم تولت مطبعة النفائس في عمان طباعتها، منوهاً إلى معنى الوقف وهو حبس الشيء لمنفعة عامة ومنبعه أمر تعبدي للتقرب إلى الله من اجل عمل الخير والبر والإحسان إلى المحتاجين.
وأضاف الشيخ صبري: أن مدلول الوقف تطور إلى ما يعرف بحبس العين وتسبيل الريع بمعنى أن يبقى الشيء محبوساً لعمل الخير بحيث أن ما ينتج عن هذا الوقف يسبل ويوزع سبيلا للفقراء والأيتام وطلاب العلم.
وعدّد بعضاً من موضوعات الوقف المتعلقة بوقفيات المساجد والزوايا والرباط ومن اجل العبادة وإيواء المنقطعين في السفر ومن اجل إلقاء دروس العلم وإنشاء المكتبات والمساجد وهذا منصوص عليه في وقفيات فلسطين وخارجها, كما أن هناك وقفيات تتعلق بآبار المياه والسبل والبرك كما هو الحال في ساحات الأقصى المبارك والبلدة القديمة وبرك سليمان في بيت لحم وبركة السلطان.
وتعجب من كيفية تزويد برك سليمان في بيت لحم لأهالي القدس بمياه الشرب قديماً، حيث أن المهندسين حتى اليوم لم يتوصلوا إلى سر عملية ضخ المياه تلك.
وقفيات الطيور..!
وتطرق إلى وقفيات الأيتام وطلاب العلم الشرعي وغيره والمكافآت التي كانت تمنح للمبدعين من العلماء وإلى الوقفيات المتعلقة بالطيور من حيث تأمين الحب والزوان لها للمحافظة على ثروة الطيور.
وقال: إن أول من أوقف هو الرسول صلي الله عليه وسل، في المدينة المنورة من أراض وبساتين نخيل حيث أوقفها حسبة لله تعالى كما في ارض المخيريق وبعده الخليفة عمر بن الخطاب وبعده الصحابي أبو طلحة, ليصل عدد الصحابة الذين أوقفوا ممتلكاتهم إلى80 صحابياً رضي الله عنهم وأرضاهم وذلك في سبيل البر والإحسان, فنبعت الوقف هي خيرية وإنسانية يتخلى فيها الموقف عن مصلحة شخصية للصالح العام وصالح الآخرين وهي اجتماعية إذ ترعى العائلات الفقيرة واقتصادية فيها مشاريع استثمارية في الأرض الملساء والزراعية تتولاها إدارة الأوقاف أو تضّمنها لآخرين لسنوات معينة مقابل مبالغ معينة, كما يحصل في إيجارات الأرض الصالحة للزراعة لمدد مختلفة حسب المحصول من إيجارة قصيرة للخضروات وطويلة للأشجار المثمرة كالحمضيات والزيتون واللوزايات, في حين تعد الأرض الملساء لإقامة المشاريع والبيوت والدكاكين والمكاتب وهكذا, وفي نهاية المطاف يجب أن تؤول هذه العقارات إلى الأوقاف, إذن فالوقف له أهداف اقتصادية لتشجيع التنمية الاقتصادية خاصة وان نفقات الأوقاف كثيرة وبحاجة إلى تغطية وسداد الالتزامات.
وأشار إلى أن معظم مباني شارع صلاح الدين هي وقف من خلال تعاون الأوقاف والقطاع الخاص حيث انتعشت الحياة التجارية في البلد, فالوقف له أبعاد وأهداف تعبدية واجتماعية وإنسانية واقتصادية وهو مؤسسة فعالة إذا أحسن إدارته واستثماره بالشكل الصحيح.
نظام الإحكار..
وذكر الشيخ عكرمة انه قدم بعض المقترحات في كتابه لتلافي الخلل في موضوع الوقف خاصة فيما يتعلق بالإحكار أو الأرض المحكّرة التي تمنح لأشخاص أو مؤسسات لسنوات طويلة بثمن بخس إلا أن الأوقاف استدركت هذا الأمر في عام 1976 من القرن المنصرم وألغت مبدأ الإحكار في المستقبل وتم تخفيض الفترة الزمنية من 99 عاماً إلى 29 عاماً, وأن حكاية الإحكار بدأت في القديم لان الدولة لم تكن قادرة على إدارة الأراضي الشاسعة فكانت تعطيها لفترات طويلة وبأجرة رمزية، فيرثها الأبناء بعد الآباء، بمعنى تمليك بطريقة غير مباشرة, موضحاً أن هناك ما يزيد عن 600 عقار هي وقفية من مستشفيات ومحلات تجارية من بينها المقبرة اليهودية في رأس العامود ومستشفى المطلع وفندق الأقواس السبعة, وهناك 700 عقد إيجار وقفي للأراضي في فلسطين إضافة إلى عقود أخرى فقدت بسبب الأحداث كما أن هناك 116 دونماً معتدى عليها من قبل الاحتلال الإسرائيلي في البلدة القديمة من وقف عام ووقف ذري في حارة الشرف وما حولها, معتبراً انه رغم حدوث سرقات لبعض ملفات الأوقاف إلا أن وجود الاحتلال قد أيقظ روح المسؤولية للمحافظة على الوقف, وأن الأوقاف تنبهت إلى ضرورة التوثيق وتعيين المحامين للدفاع عن حقوقها في الوقف في وجه الاحتلال وبعض الأفراد غير المسؤولين, فالوقف بحاجة إلى متابعة وأمانة سواء كان وقفا عاماً أو ذرياً.
وقفيات القدس..
وأحصى الشيخ صبري في كتابه عشر وقفيات راعى فيها التسلسل التاريخي بدء بوقفية صلاح الدين الأيوبي المعروفة “بالخانقاه” التي وهبها له بطريرك الروم الأرثوذكس وأوقفها مكاناً للعبادة وتظهر من خلالها روح التسامح والعفو التي أطلقها صلاح الدين بحق الأعداء الفرنجة وتركيزه على العبادة والتهجد وتفقده الجند وحثه لهم على قيام الليل وذكر الله لتحقيق النصر وتوحيد الأمة في مواجهة أعدائها, ووقفية الأمير تنكز صاحب المدرسة التنكزية من المماليك في باب السلسلة التي تطل نوافذها على الأقصى المبارك واستولى عليها الاحتلال الإسرائيلي مباشرة بعد عام1967, والوقفية المنجكية في باب المجلس حيث مكاتب إدارة الأوقاف الإسلامية ووقفية خاصكي سلطان على طريق عقبة التكية ومدرسة دار الأيتام الإسلامية ووقفية السلطان سليمان القانوني في منطقة جنين ووقفية فاطمة خاتون في جنين ومرج بن عامر ووقفية ابن قاضي السلطان وهي عبارة عن مكتبة ووقفية الشيخ الخليلي- قسم المخطوات الذي أفتى بعدم جواز مغادرة القدس وعدم بيع الأرض لليهود قبل نحو300 عام, ووقفية راغب وأمينة الخالدي وهي عبارة عن مكتبة, ووقفيات أخرى، كأرشيف المحكمة الشرعية وقسم المخطوطات والمتحف الإسلامي, فالقدس مدينة التراث وهي متحف كبير بامتياز.
المصدر: وكالة قدس نت للأنباء ـ 21/ 10/ 1432