مؤتمرات و ندوات

مدى تحيز الدولة العربية الحديثة ضد نظام الأوقاف

إبراهيم البيومي غانم
“وقفنا ـ الأحد 14 صفر الخير 1428”
عقد “برنامج حوار الحضارات” بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة مؤتمرًا دوليًّا تحت عنوان “حوار الحضارات والمسارات المتنوعة للمعرفة”، والذي امتد طيلة

أربعة أيام، من 10 إلى 13 فبراير 2007، وشارك فيه قُرابة 90 باحثًا عربيّا، من مختلف الدول العربية.

وقد عرضت شيرين حامد فهمي باحثة الدكتوراه بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة جانبا ما جرى في هذا المؤتمر فقالت:

ناقشت البحوث المُقدمة سبل الوصول لمنظور جديد لمفهوم “التحيز”؛ يتلخص في كلماتٍ معدودة، وهي: أن تبدأ الأمة وبجديَّة في التحيُّز لثقافتها وحضارتها، متخذةً ذلك طريقًا للإصلاح والنهضة والاستقلالية، ولن يتأتى ذلك، كما أجمع الباحثون المشاركون، إلا بالكشف أولاً عن مصادر ومكامن التحيز “السلبية” التي ناقضت الثقافة والحضارة الإسلاميتين، فأضرَّت بهما وأضرت بمن يحملهما. تلك المصادر والمكامن التي كان منشأها الغرب، فتلقفها الشرق كأنها مقدس، وأسقطها على واقعه بدون تدبر أو تفكر.

وتعكس البحوث المُقدمة للمؤتمر أنواعًا شتى من تلك التحيزات السلبية الغربية في مختلف المجالات العلمية: في علم السياسة، في علم الاقتصاد والتنمية، في اللغة والأدب، في الفكر والفلسفة، في التاريخ وخرائط الواقع، في الفن والمعمار، في علم النفس، في علم العلاقات الدولية. وهي التحيزات التي صنعها الغرب لكي تلاءم منظومته المادية البحتة التي تختلف كل الاختلاف عن المنظومة الإسلامية الموازنة بين المادة والروح، وهي أيضا التي يعتبرها الغرب الطريق الأمثل والأوحد للتقدم والتنمية.

من أبرز مظاهر التحيز الغربي في علم السياسة هو التحيز لمفهوم الدولة، فقد نظرت العلوم السياسية الليبرالية الغربية إلى الدولة باعتبارها الأم والأب، بينما وضعت الأسرة على الهامش. وكما أكدت “هبة رءوف عزت” المدرس المساعد بكلية الاقتصاد، في بحثها المُقدم حول “التحيز لفكرة الدولة في تعريف السياسة في الخطاب المعاصر: رؤية من قلب فضاء النظرية السياسية”، فإن الدولة كانت – ولا تزال – تُمثل “الكعبة” في دوائر الفكر الغربي، وكذلك في الفكر العربي الذي تشرب الفكر الغربي حتى النخاع. وعلى الرغم من تركيز الثقافة الإسلامية على الأمة قبل الدولة، واختلاف منطق الدولة القومية الغربية عن منطق الدولة الإسلامية، فقد قامت الدول العربية الحديثة بنقل ذلك التحيز الغربي تجاه الدولة بحذافيره، دون أدنى تمييز.

وبذلك، تغلغلت فكرة القومية الغربية في المجتمعات المسلمة؛ وتجذرت فكرة المواطنة “القومية” دون النظر إلى الولاءات الثقافية والعرقية والدينية، وبات الهيكل الحداثي البرجماتي للدولة القومية هو المثال الذي يُقتدى به من جانب العرب والمسلمين، حتى أن بعض الإسلاميين وقع في هذا الفخ، لدى حديثهم عن “أسلمة” أو “تحجيب” الدولة القومية، دون النظر إلى الهيكل الحداثي البرجماتي الغربي لتلك الدولة.

ملخص القول، إن انسياق الدولة العربية الحديثة على مدى ستة عقود نحو التحيز الغربي لمفهوم الدولة أفضى إلى الإضرار بالمجتمعات العربية، ومنعها من التعمير والعمران؛ بل وانحيازها نهايةً ضد الذات الحضارية الإسلامية التي تُعلي من قيمة الأمة فوق قيمة الدولة، والتي تُعلي من قيمة الإنسان فوق قيمة المادة.

وقد أوضح ذلك “د. إبراهيم البيومي غانم” في بحثه المُقدم تحت عنوان “سياسات الدولة العربية الحديثة تجاه نظام الأوقاف: نموذج للتحيز ضد الذات”؛ فأعطى مثلًا واضحًا عن مدى تحيز الدولة العربية الحديثة ضد نظام الأوقاف المنبثق عن منظومة قيمية عقائدية إسلامية. ذلك النظام الذي كان مصدر قوة للمجتمعات العربية؛ لأنه كان يخدم الإنسان ولا يخدم دورة رأس المال؛ ويقدم عمرانًا حقيقيًا ونهضةً. لقد تمت السيطرة الشاملة على ذلك الموروث الحضاري الإسلامي إما عن طريق سياسة الإلغاء الجزئي أو عن طريق التصفية الشاملة، جملةً وتفصيلًا، مثل ما فعلت الدولة التونسية، وتم استبدال نظام الوقف بوزارات الشئون الاجتماعية التي تمثل صوت أو بوق الحداثة ضد أي موروث حضاري إسلامي، ونتج عن ذلك، حدوث فراغ واضح في تمويل المجتمعات المدنية العربية، مما أفسح الطريق للمؤسسات غير الحكومية الغربية التي لا تقدم إلا عملًا “خيريًا” مختزلًا ومشوهًا، بعيدًا كل البعد عن النهضة والعمران. وهو أمر بديهي ومتوقع؛ فالعمل “الخيري” في المنظومة الغربية لا يمكن قراءته خارج قوانين الضرائب ودورة رأس المال؛ ومن ثم فهو ليس لديه أي علاقة بإنهاض الإنسان وتعمير الأرض.

[المصدر: إسلام أون لاين]

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى