عام-فتاوىفتاوى

الفتوى رقم (46) حكم وقف أموال الزكاة.

هل يجوز إيقاف أموال الزكاة على هيئة استثمارات مالية، سواء بالتجارة أو في أسهم الشركات، على أن يتمّ صرف ريع الوقف الاستثماري هذا على أصحاب الحقوق الشرعية، أو تخصيص بعضهم (كالأيتام)؟ 2 – وهل يجوز شراء منزل من أموال الزكاة وإيقافه على إيواء المتشرّدين؟

السؤال

شيخنا الجليل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 1 – هل يجوز إيقاف أموال الزكاة على هيئة استثمارات مالية، سواء بالتجارة أو في أسهم الشركات، على أن يتمّ صرف ريع الوقف الاستثماري هذا على أصحاب الحقوق الشرعية، أو تخصيص بعضهم (كالأيتام)؟ 2 – وهل يجوز شراء منزل من أموال الزكاة وإيقافه على إيواء المتشرّدين؟ 3 – وهل يجوز أن يجمع بعض الأفراد الموسرين زكاتهم ويشترون بها منزلاً (أو شقة سكنية) ويوقفونها على رجل مسكين من ذوي أرحامهم، خفيف العقل، خوفاً من أن تستولي عليها زوجته ثم تطلّقه، أو يحتال عليه محتال فيسلبه عقاره؟ 4 – وما هو حكم دفع أموال الزكاة إلى الأوقاف والمؤسسات الوقفية القائمة على الدعوة والترجمة والنشر؟ وتلك القائمة على رعاية الأرامل واليتامى والمساكين ومعالجة آثار الحروب والكوارث؟ أفتونا مأجورين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الفتــوى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد .. كلّ هذه التساؤلات تدور حول ما إذا كان يجوز (وقف) أموال الزكاة بحيث يبقى أصلها، وينفق ريعها في مصارف الزكاة بشكل مفتوح، أو بشكل محدّد ينحصر ببعض هذه المصارف.
أولاً: اتفق الفقهاء فيما نعلم أنّ الزكاة تُعطى لمن يستحقّها تمليكاً سواء كان من الفقراء أو المساكين أو العاملين عليها أو المؤلّفة قلوبهم، وتُصرف في مصالح الأصناف الأربعة الأخرى ولو لم تُملّك لهم وهي الغارمون: تُقضى بها ديونهم وقد لا تُدفع لهم، وابن السبيل: تُدفع الزكاة لإيصاله إلى بلده وقد تُعطى لشركة النقل، وفي الرقاب: يُشترى بها الرقيق ويُعتق، فهي تُدفع لصاحبه وقد لا تُعطى له، وفي سبيل الله: أي تُنفق في سبيل مرضاة الله، وأهمّ هذه السبل: القتال فتنفق الزكاة على المقاتلين، وقد تُصرف في تجهيزهم بالخيل والسلاح، وهذه لا تُملّك للمقاتل، وإنّما يستعملها ويجب عليه إعادتها إلى بيت المال بعد انتهاء القتال. فالمصرَف الوحيد عند الفقهاء الذي تصحّ فيه الزكاة ويمكن أن يكون وقفاً هو ما يتعلّق بتجهيز المقاتلين في سبيل الله.
وقد نقل أستاذنا الشيخ القرضاوي عن النووي قوله: 1 – (وللإمام الخيار إن شاء دفع الفرس والسلاح إلى الغازي تمليكاً، وإن شاء استأجره له مركباً، وإن شاء اشترى خيلاً من هذا السهم، ووقفها في سبيل الله تعالى، فيعيرهم إيّاها وقت الحاجة، فإذا انقضت استردّها) . كما نقل رأي الحنابلة المذكور في “غاية المنتهى وشرحه” أنّه: 2 – (يجوز للإمام أن يشتري من مال الزكاة فرساً ويدفعها لمن يغزو عليها، ولو كان الغازي هو صاحب الزكاة نفسه، لأنّه برئ منها بدفعها للإمام، كما يجوز له أن يشتري منها أيضاً سفناً ونحوها للجهاد، لأنّها من حاجة الغازي ومصلحته. وكلّ ما فيه مصلحة للمسلمين يجوز للإمام فعله، لأنّه أدرى بالمصالح من غيره. وهذا بخلاف ربّ المال فلا يجوز له أن يشتري بزكاته فرساً يحبسها في سبيل الله، أو عقاراً يقفه على الغزاة، لعدم الإيفاء المأمور به) . كما نقل رأي السيد محمد رشيد رضا أنّ: 3 – (ما يُجهَّز به الغازي يعود بعد الحرب إلى بيت المال إن كان ممّا يبقى كالسلاح والخيل وغير ذلك لأنّه لا يملكه دائماً بصفة الغزو التي قامت به، بل يستعمله في سبيل الله، ويبقى بعد زوال تلك الصفة عنه في سبيل الله). ثم ذكر السيد رشيد رضا بعد ذلك أنّ مصرف {وفي سبيل الله} يدخل في عمومه (إنشاء المستشفيات العسكرية، وكذا الخيرية العامّة، وإشراع الطرق وتعبيدها، ومدّ الخطوط العسكرية الحديدية، وبناء البوارج المدرّعة والمطارات الحربية والحصون والخنادق ..) 4 – ومن المعروف أنّ المالكية أجازوا صرف الزكاة في مصالح الجهاد – غير إعطاء المقاتلين – وذلك مثل بناء أسوار للبلد لحفظها من غزو العدوّ، وبناء المراكب الحربية وغير ذلك. وهذه تُعتبر وقفاً لمصلحة القتال في سبيل الله.
ثانياً: إنّ هدف الزكاة كما هو معلوم سدّ حاجات الفقراء في المجتمع الإسلامي، وقد تحدّث الفقهاء عن إعطاء الفقير من الزكاة ما يكفيه لأيّام أو لسنة أو لعمره كلّه. ونحن نرى أن مقصد الشريعة من نظام الزكاة هو معالجة مشكلة الفقر بحلول جذرية. وإذا كان انتظار الفقراء كلّ عام لموعد أداء الزكاة من قبل الأغنياء مقبولاً في مجتمعات صغيرة بدائية، فإنّه بلا شكّ أصبح غير كافٍ في العصر الحاضر حيث أصبحت الدولة والمجتمع مطالبان بحلول كاملة لقضية الفقر، ومنها الالتزام بمساعدات دورية منتظمة لتلك الفئات المستحقّة للزكاة والذين لا يُنتظر تغيّر أحوالهم في المدى المنظور، كالأيتام والشيوخ والمرضى بأمراض مزمنة وغيرهم. إنّ دراسة فكرة (وقف نسبة قليلة من موارد الزكاة) للإنفاق من ريعها في مثل هذه الحاجات الدائمة والملحّة من أجل تحقيق المقاصد الشرعية بشكل أدق، أصبحت أكثر إلحاحاً اليوم. صحيح أنّ هذه الفكرة لم يتحدّث عنها الفقهاء سابقاً، وأنّ طرحها اليوم يحتاج إلى مجامع فقهية واسعة، وأنا لا أعلم إذا كانت بعض مؤتمرات الزكاة قد ناقشت هذا الموضوع، لكنّي أتمنّى إعادة بحثه على نطاق واسع انطلاقاً من المسائل التالية:
1 – ذكر الفقهاء شراء السلاح والخيل المعدّة للقتال في سبيل الله، من مال الزكاة، ووقفها للجهاد.
2 – أباح كثير من الفقهاء المعاصرين تحت مصرف الزكاة (في سبيل الله)، بناء المستشفيات والمدارس وحتّى المساجد في بعض الحالات، وهذا يعني وقف أموال الزكاة على هذه المصالح العامّة.
3 – إنّ آية الصدقات تفرّق بين المصارف التي تقتضي التمليك، فذكرتها بلفظ اللام وهي (الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم) وبين بقيّة المصارف التي ذكرتها الآية مع لفظ “في”. قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. وهذا يستدعي التساؤل عن سبب هذا التفريق، وما هي نتائجه؟
4 – إنّ إباحة وقف جزء من مال الزكاة على أن يُنفق ريعه في مصارف الزكاة كلّها أو بعضها، يحقّق مقاصد الشريعة من هذه الفريضة، ويوجِد نوعاً من الاطمئنان لدى المحتاجين، أو لدى المؤسسات القائمة على رعايتهم.
5 – إنّ تمليك المنفعة لجنس المستحقّ للزكاة عن طريق وقفها هو في النهاية تمليك لمستحقّ بذاته للريع الناتج عن الوقف. وهذا أفضل لجنس المستحق، وأفضل للأفراد المستحقّين بالذات لأنّه يضمن لهم سدّ الحاجة عندما تقع.
المصدر: موقع الشيخ فيصل مولوي ـ 22/ 5/ 1431

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى