محاضرة عن المخطط الجهنمي لتضييع الأوقاف في القدس
ألقى الدكتور إبراهيم بيومي غانم ـ رئيس قسم بحوث وقياسات الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية في القاهرة ـ محاضرة تحت عنوان “وضع القدس في ظل الاحتلال الصهيوني والسياسات والقوانين التي طالت المدينة “. وذلك ضمن فعاليّات “دورة المعارف المقدسيّة” التي عقدت في القاهرة خلال يومي 1، 2 من شهر شعبان الحالي. حيث أكد غانم أهمية معرفة الأوقاف الإسلامية وتسجيلها ومعرفة أحكامها الشرعية ، موضحا أن 98% من أرض فلسطين هي من أراضي الوقف.
ووصف غانم أوقاف مدينة القدس بأنها “عابرة للقارات ” فهي ليست قطرية ولا وطنية فقط ، لكنها تمتد لتشمل العديد من الأوقاف خارج مدينة القدس بل خارج فلسطين كلها ، وقد خصصت للإنفاق على المسجد الأقصى ، فوزارات الأوقاف في مصر ولبنان والجزائر وتركيا وإيران وتونس وكافة البلاد الإسلامية يكتظ أرشيف كل منها بوثائق لمبانٍ وأعيان سائلة يُسبَل ريعها لعمارة المدينة المقدسة
وكشف غانم عن وجود اعتداء ممنهج على الأوقاف الإسلامية داخل فلسطين وخارجها بتزامن لافت للنظر يوجب على المسلمين الوقوف عنده ، مؤكدا أن هذه الانتهاكات الإجرامية بدأت منذ الانتداب البريطاني فهم الذين رسموا سياسات تفكيك البنية المادية وطمس معالم الأوقاف الإسلامية.
ولفت غانم إلى ما أسماه “المخطط الجهنمي لتضييع الأوقاف” وهو يتلخص في مجرد إصدار قرار بنقل اختصاصات الإشراف على الوقف من جهة إلى جهة أخرى وفي هذه الأثناء تختفي وتضيع معظم الوثائق التي تثبت ملكيته ، وأوضح أن هذا النوع من الوثائق هو ما يثير ذعر سلطات الاحتلال لأنها وثائق تاريخية دامغة عمرها يرجع لآلاف السنين.
وأشار غانم إلى الدراسة التي قام بها البريطاني المحايد مايكل دامبر ؛ والتي تلخص السياسات التي تتبعها سلطات الإحتلال للقضاء على الأوقاف الإسلامية في ثلاث نقاط هي أولا: تهويد الأوقاف الإسلامية وليس فقط طمسها وإزالة معالمها وإنما إيجاد وظيفة أخرى لها عكس ما أنشئت له فإذا كانت تنشأ لخدمة المجتمع وتحقيق السلم الأهلي تقوم السلطات بتحويلها لخدمة الدولة بدلا من خدمة المجتمع وبما أنها دولة مغتصبة فخدمتها تكون بتحويل هذه الأوقاف إلى مقرات لتدريب جيش ومخازن للسلاح ، ثانيا: السيطرة على الموارد المالية للوقف وتقويض بنيته التحتية ، وثالثا استقطاب بعض ضعاف النفوس من الأراضي المحتلة للتعاون مع الإحتلال وهذا ما حدث عندما أصدرت السلطات قانونا ينظم أملاك الغائبين ثم استقطبت بعض القيِّمين على هذه الأملاك من ضعاف النفوس فاستولت على 600 مبنى تم بيعها في مزاد علني رغم أنها مسجلة بمحتوياتها كأوقاف في سجلات المحكمة الشرعية في أريحا.
وشدد غانم على مسؤولية الشعوب تجاه هذه الأوقاف فكل من الشعوب الإسلامية لها أملاك هناك ولها تاريخ ودم لا بد أن تبحث عنه وتسعى لاستعادته، بالإضافة إلى “الذمة الأثرية” التي تحتم بموجب الاتفاقيات الدولية على كل من مر بهذه البلاد ويحمل صفة الإنسانية أن يحافظ عليها !!
وأوضح غانم أن 95% من مدينة القدس مسجل كأوقاف إسلامية؛ مؤكدا أن حكم الوقف في الإسلام لا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن سواء استولت عليه سلطة محلية أو سلطة معتدية أجنبيه ، لأن الأوقاف ليست قضية دينية وإنما هي قضية عمرانية تتعلق بالتنوير والعدالة الاجتماعية فهذه أمول وأرصدة لخدمة المجتمع وتنميته واستجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتسابق للخيرات، وعلينا أن نفخر بهذا النظام التنموي الرائع الذي لو امتلكته أي أمة لأقامت الدنيا ولم تقعدها فلسنا بحاجة إلى استيراد أنظمة للعمل الخيري فنحن خير أمة أخرجت للناس .
وفي سياق متصل شرح غانم 10 أسباب لبطلان التفاوض مع الإحتلال، أولها أن فلسطين كلها أرض وقف إسلامي لا يحق لأي أحد أن يتصرف فيها وبالتالي فالتفاوض عليها باطل ، ثانيا أن الأطراف المتفاوضة ليست أهلا للتفاوض فالطرف الأول محتل مجرم والطرف الثاني مكره ولا يعتد بأي آثار تترتب على تصرفاته، وإذا كانت تصرفات المكرَه تقع باطلة في شأن من شؤون نفسه، فما بالك إذا كانت في شأن ومصير شعب بأكمله؟!!، ثالثا الوضع الداخلي للشعب الفلسطيني الذي يخيم عليه الانقسام يجعل المفاوضات باطلة إذ لا بد من وجود حكومة موحدة تحظى بتأييد شعبي يؤهلها للدخول في مفاوضات ، رابعا : ما يتم التفاوض عليه الآن يعرف في القانون الدولي المعاصر بالحقوق غير قابلة التصرف مثل السيادة والشعب والأرض ، فبمجرد دخول أحدها في التفاوض يجعله باطلا ومن هنا نقول أن المفاوضات باطلة ، خامسا:على فرض صلاحية الشعب الفلسطيني للتفاوض إلا أنه لا يحظى بأي دعم عربي أو إسلامي مما يجعل موقفه ضعيف وبالتالي هذا يبطل التفاوض ، فمنطق التفاوض بني على القوة وقضية مثل فلسطين يجب أن تحظى بدعم اقتصادي وعسكري وهذا غير حاصل ، وعلى الجانب الآخر تحظى سلطات الكيان بكافة أشكال الدعم والتأييد فما الذي سنجنيه من هكذا ميزان مختل !!، سادسا : في جميع تجارب مفاوضات تقرير المصير أو فض المنازعات المسلحة ما أن تبدأ المفاوضات حتى يتوقف المحتل عن أي عمل توسعي أو عسكري ما دام قبل بالمفاوضات ، في حين لا يتوقف صاحب الأرض في مقاومته ودفاعه المشروع عن حقه ليدعم المفاوض، ما يحدث في فلسطين الآن هو العكس تماما حيث يتوقف الطرف الفلسطيني عن أعمال المقاومة بل ويتعهد بقمع المقاومين من خلال تنسيق أمني مع المحتل بينما يتمادى الإحتلال في عدوانه ، فعلى أي شيء نفاوض إذا وما الذي يجبر العدو على ترك أرض احتلها ؟!! ، من هنا كان هذا أحد أسباب بطلان المفاوضات، سابعا: القبول والتسليم من حيث المبدأ بالمفاوضات في ظل هذه الظروف يضفي مسحة قانونية للإحتلال وكأن ما يفعله هو من حقه لكننا نستجديه للسماح لنا ببعض الحرية !!، والأخطر من ذلك أننا بهذه المفاوضات نعترف بشرعية اللاأخلاق والإنحلال وجميع أنواع الرذائل في القانون السياسي وكأننا نقر للعالم بأن الإجرام والإحتلال يعد من وسائل الوصول للغايات والحصول على المزيد من الأطماع والرغبات ،فهذا التفاوض يصطدم مع منظومة القيم الأخلاقية لذلك أيضا هو باطل ، ثامنا التفاوض في ظل المعطيات الراهنة ينقض فريضة الجهاد وهذا ما لا يحق لنا التصرف فيه ونحن نتحدث هنا عن جهاد الدفع والدفاع عن النفس ، تاسعا : ما يؤكده الواقع من ثبات عقيدة الجهاد ورسوخها في فكر وروح الأمة الإسلامية يجعلنا غير محتاجين للتفاوض وهذا أيضا يبطله إذ لا حاجة لنا به ، عاشرا : قد وعدنا الله بالنصر فلماذا ندخل في التفاوض ؟!.
المصدر: موقع المسلم ـ 27/ 8/ 1431