الإسلام يحقق التكافل الاقتصادي
هذا عنوان مقالة للكاتب المثير للجدل “جمال البنّا” نشرتها له صحيفة “المصري اليوم” في عددها الصادر هذا اليوم الأربعاء؛ يقترح فيها إقامة «سلطة» جديدة بجانب السلطات الثلاث التي يعرفها النظام الديمقراطي (التشريعية والتنفيذية والقضائية) هذه السلطة الجديدة هي «ديوان الزكاة»، كما يمكن أيضًا إقامة سلطة أخرى باسم «ديوان الوقف» تُعنى بإدارة الأوقاف طبقاً لشروط الواقفين. ونعيد نشر المقالة كاملة كما نشرت صحيفة “المصري اليوم”. الإسلام يحقق التكافل الاقتصادي
الكاتب: جمال البنا
من الظواهر اللافتة للنظر في الإسلام عنايته بالتكافل الاقتصادي، عناية تجعل له أهمية تماثل الصلاة، وإنما تكون لافتة للنظر لأن الأديان عادة لا تلتفت للمال، إلا إن كان زهدًا فيه، وتحذيرًا منه، ولأن الإسلام عندما ظهر لم يكن للمشكلة الاقتصادية «وجود» فالمجتمع بسيط وحاجاته محدودة، والنظام القبلي يجعل القبيلة مسؤولة عن أفرادها، فلم يكن هناك من الأسباب الملحة ما يجعل الإسلام يعنى بها ويجعلها في الأهمية مثل الصلاة، وهذا أكبر دليل على أن الإسلام أُنزل للناس جميعًا وللعصور جميعًا، لأن المشكلة الاقتصادية إنما برزت بشكل حاد مع نمو الرأسمالية وتقطب المجتمع من رأسماليين يملكون الثروات، ومن عمال لا يملكون إلا قوة الساعدين، وخضوع المجتمع لأزمات الرأسمالية التي تؤدى إلى البطالة، وفي التلاعب في العملات.. إلخ، ولأن هذه المشكلة أصبحت هي المشكلة الأولى التي تهدد سلامة الاقتصاد واستمرار السلام الاجتماعي، فكأن الإسلام استشف هذا من أقدم العصور وقدم العلاج له.
وقد عُنى المجتمع الإسلامي في عهد الرسول وخليفتيه أبى بكر وعمر بالزكاة، وكان الرسول إذا أرسل رسولاً ليعرفهم الإسلام يوصيه بأن يعلمهم الشهادتين، وأن يقيموا الصلاة وأن تؤخذ زكاة من أغنيائهم لتعطى لفقرائهم، ولذلك فعندما رفضت بعض القبائل أن تدفع الزكاة، فإن أبا بكر رأى ذلك مبررًا لشن الحرب عليها، لأن هذا عطل التكافل الاقتصادي الذي هو تحقيق العدل والأساس الاقتصادي للمجتمع.
حددت «الآية 60» من سورة «التوبة» مصارف الزكاة «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»، ووضح الرسول من هم هؤلاء، كما وضح أن الزكاة لا تستوفي إلا ممن يتوفر له «نصاب»، أي حد من الثروة يكفل الحياة الكريمة بما في ذلك توفير العمل والمسكن وأداة الانتقال .. إلخ، وإن كان الفقهاء قد حددوا النصاب بقدر من الجرامات ذهبًا، أو قدر من الجرامات فضة، وحددوا نسبة ما يؤخذ وهو عادة ما بين 2.5% و10%، وتحدث الفقهاء وأفاضوا في إيضاح ذلك وكتبوا كتبًا عديدة، لعل من أوسعها كتاب الشيخ القرضاوي عن الزكاة، كما أن هناك كتابًا قيمًا للدكتور محمود أبو السعود، وهو من المفكرين الاقتصاديين، ومن الرعيل الأول للإخوان المسلمين.
وكان حديث الفقهاء.. قدامى ومحدثين.. عبثاً، لأننا لا نسمع بعد حكم الراشدين شيئاً عن الزكاة، إن الملك العضوض لم يكن حريصًا على الزكاة التي تؤخذ من الأغنياء لتعطى للفقراء، ولكنه كان حريصًا على الضرائب التي تؤخذ من الأغنياء والفقراء لتودع خزينة الدولة، وقد ظل هذا الوضع المهين الذي يغفل فرضًا يماثل الصلاة مهملاً حتى الآن، وفي الوقت نفسه فإن الفقهاء يواصلون النقاش حول النصاب وحول ما تؤخذ عنه الزكاة، وكيف يجب أن تنفق.. إلخ .
ونحن نرى أن هذه الصورة التقليدية من شنشنة الفقهاء، ومن إهمال الدولة، لا تتناسب مع منزلة الزكاة ولا مع ما بلغه المجتمع من تطور، وأن ما وضعوه من حدود أو قواعد لم يأت بها القرآن، وهو المصدر الوحيد الموثوق به والمعتمد عليه، أما ما يوردونه من أحاديث فليست قطعية الثبوت، فضلاً عن تعارضها وتعددها، أما ما وضعوه هم فإنه يُعد اجتهادًا غير ملزم لأنه استلهم أوضاعهم، ومعروف أن الثورة الصناعية بدأت في القرن التاسع عشر عهدًا جديدًا في التاريخ الاقتصادي للبشرية فأنهت وسائل الإنتاج اليدوي واقتصاديات المجتمع السابق عليها، وأحدثت اقتصاديات جديدة سمحت بنمو الرأسمالية وظهور نظام إنتاجي اقتصادي مختلف، كما أن التطور الاجتماعي أحدث صورًا وأنماطًا من التكافل الاقتصادي الذي تطلبته أوضاع المجتمع.
من هنا فلن نتجادل في قيمة النصاب، ولا فيم تؤخذ الزكاة من صنوف الثروات، وإنما سننظر إلى الزكاة باعتبارها بلورة لفكرة التكافل الاقتصادي الذي قد يطلق عليه في العصر الحديث «الضمان الاجتماعي» أو التأمينات الاجتماعية، وبالتالي فسيكون المعيار فيمن تؤخذ الزكاة منه هو مَنْ هم فوق محدودي الدخل، أي الذين يسمح لهم دخلهم بالحياة الكريمة بما في ذلك الغذاء والكساء وتوفر المسكن وآلة الركوب وما يلزم لبقية مطالب الحياة العادية، فهؤلاء يمكن تحديدهم بما في الدولة من محاسبات ومعاييـر وهم الذين تؤخذ منهم الزكـاة، أما مَنْ دونهم فلا يؤخـذ منهم شيء، بل يُعْطون.
على أنه يجب أن نلحظ أن الزكاة ليست ضريبة، فهي جزء من «الشريعة» ولها جانبها الديني الذي يحميها ويحول دون الانحراف بها، ومن هنا فيجب أن نلحظ هذه الخصيصة، التي قد تكون الحكمة في اقتضائها من غير المسلم أمرًا يثير إشكالاً، ولكن يرد على هذا أن غير المسلم يتمتع بكل ما تقدمه الدولة من خدمات بفضل هذه الزكاة، والمفروض أن غير المسلم يتمتع بها كالمسلم تمامًا، ومن ثم فإنها بالنسبة له تعد ثمناً ومساهمة فيما تقدمه الدولة من خدمات للمجتمع.
أما المصارف فإن «الآية 60» من سورة «التوبة» غطت مجالات أكثر مما يوجد في معظم أنماط الضمان الاجتماعي أو التأمينات الاجتماعية، وحسبك مصرف «وَفي سَبِيلِ اللَّهِ»، فإنه يمكن أن تقدم له تفسيرات عديدة دون تعسف، وإن كانت حالات المرض والبطالة والمعاش هى الأبواب التي تستغرق معظم المصارف، ولكن هذا لا يمنع من وجود إعانات في حالة الزوجية، أو السكن، أو المساعدة على تسديد قروض.. إلخ، لأن الدولة الإسلامية لم تضع نظامًا لذلك، بل لم تـُعن بها أصلاً عندما تحولت إلى ملك عضوض، وليست لدينا صورة عن أي «آلية» تتعلق بالزكاة، لهذا تصبح القضية المهمة هي: كيف يمكن تطبيق الزكاة بالصورة التي عرضناها؟ وكيف يمكن إحياء الزكاة لتكون كما كانت في عهد الرسول أماناً وضماناً للمحتاجين؟
نحن نقترح إقامة «سلطة» جديدة بجانب السلطات الثلاث التي يعرفها النظام الديمقراطي (التشريعية والتنفيذية والقضائية).
هذه السلطة الجديدة هي «ديوان الزكاة»، كما يمكن أيضًا إقامة سلطة أخرى باسم «ديوان الوقف» تُعنى بإدارة الأوقاف طبقاً لشروط الواقفين، وهذان الديوانان لهما استقلال ذاتي تام عن الدولة، بمعنى أن الدولة لا يمكن أن تتدخل بما يخل بصورتهما أو قدرتهما على قيامهما بوظيفتهما.
ويُعطى مسؤولو الديوان الحق في استقضاء ضريبة التكافل الاقتصادي أو بلغة أخرى الزكاة، على أن يلحظ بعض ما أوردناه من تحفظات، منها مثلاً أن تؤخذ رواتب «العاملين عليها» من حصيلة الزكاة نفسها حتى لا يمكن للدولة التأثير عليهم، وأن تلتزم بطريقة توزيع محلى، بحيث تعود الزكاة على مستحقي الجهة التي أخذت منها، وحتى لا تسلك مسالك أخرى أو تذوب في ميزانية الدولة.
ومن المهم وضع نظام للإشراف على العمل ومتابعة سيره والقضاء على أي انحرافات بمجرد ظهورها.
للوهلة الأولى يبدو أن «ديوان الزكاة» لن يستطيع أن يمضى قدمًا لجدة التجربة رغم أن أجهزة الدولة المعنية ستقدم له المعلومات اللازمة من واقع البطاقات الضريبية أو بيانات الدخل الخاصة بكل واحد، وهذا أمر طبيعي ولا يؤثر على المشروع، وفي النهاية سيتعلم من أخطائه ومن ملاحظة المتابعين له، وبالنسبة لاشتراط النصاب فإن مهمة الديوان ستقتصر على المدن الكبيرة والعواصم، لأن سكانها هم الذين يتوفر لهم دخل فوق النصاب، أما القرى والريف فإن سكانها جميعًا يدخلون في عداد الفقراء الذين سيستفيدون من الزكاة.
ولما كانت الزكاة لا تعرف «التصاعد»، ولكنها تختلف باختلاف وجوه وطبيعة النشاط الاقتصادي، وأن ذلك يجعلها ما بين 2.5% و10%، فلا أرى بأسًا في أن تأخذ طابعًا تصاعديًّا يبدأ من 2.5% وينتهي عند 10% تبعًا لزيادة الدخل.
إن الإسلام قد عُنى من اليوم الأول بهذه المشكلة ومنحها الأهمية التي تماثل الصلاة، فالصلاة هي الأولى في العقيدة، والزكاة هي الأولى في الشريعة، واعتمد لتأصيلها وتعميقها على إيمان الأفراد بها، وبهذا ربطها بإيمان الفرد، كما فعل من قبل بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فلم تصبح ضريبة أو إتاوة ولكن زكاة، وأحكم كل الإحكام عندما افترض نصابًا يحقق الحياة الكريمة، وبهذا لا تنتقص الزكاة منه، ولكنها ستساعد الذين لا يتوفر لهم هذا النصاب ليبلغوه، وأحسن عندما جعل النسبة 2.5% لبعض صور النشاط الاقتصادي و10% لصور أخرى تسمح بذلك ليحقق درجة من التصاعد بنسبة ضخامة الدخل.. فعل الإسلام كل هذا، ووضع أسسه بهذه الصورة قبل أن يلتفت العالم إليها بألف عام.
المصدر: صحيفة المصريّ اليوم ـ 22/ 9/ 1431